نتفق أن الجريمة ذات المسرح الواقعي التي حدثت في المسجدين، خارج إطار السؤال الأخلاقي لأنها بالتشخيص القانوني جريمة ثابتة. فماذا عن السؤال الأخلاقي للجريمة التي حدثت على المسرح الافتراضي؟

‏تقع جريمة نيوزيلندا الإرهابية خارج إطار السؤال الأخلاقي ابتداءً، ذلك أن توصيفها قانونياً يضعها في خانة جريمة القتل الواقع على أكثر من شخص مع سبق الإصرار والترصد.

ولكن جريمة من هذا النوع لا يمكن معالجتها بهذه البساطة؛ فنحن أمام شكل جديد من الجرائم الإرهابية لعدة أسباب؛

أولاً: أننا أمام أكبر هجمة إرهابية دموية نفذها إرهابي يميني متطرف ضد المسلمين في الذاكرة الحديثة؛

ثانياً: أنها جريمة ثنائية المسرح لا نهائية الحدوث، المسرح الأول هو مسجدان يقعان في مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا، أما المسرح الثاني فهو مواقع التواصل الاجتماعي التي بثت الجريمة على مدى17دقيقة متواصلة، ما جعل مسرحها بعدد البيوت التي دخلتها، وعدد الأجهزة التي عرضتها، وعدد الأشخاص الذين شاهدوها، ومن منا لم يشاهدها؟

ثالثاً: أنها لا نهائية فيما أحدثته من نشر للرعب والترهيب والعنف والكراهية وكل ما يمكن وصفه من آثار أحدثتها لدى ملايين المشاهدين حول العالم، فهي جريمة خارج إطار الزمان والمكان، جريمة تجعل من الضروري إعادة النظر في حدود الواقعي والافتراضي التي تآكلت بطريقة أُشكل فيها التمييز بين الاثنين إلى حد جنوني. فهل الافتراضي واقعي؟ أم أن الواقعي افتراضي، وهل عاد ممكناً التمييز بينهما من الأصل؟.

وإذا اتفقنا أن الجريمة ذات المسرح الواقعي التي حدثت في المسجدين، خارج إطار السؤال الأخلاقي لأنها بالتشخيص القانوني جريمة ثابتة. فماذا عن السؤال الأخلاقي للجريمة التي حدثت على المسرح الافتراضي؟

لقد تم تصميم الجريمة الإرهابية لتكون رقميّة من الأساس، شكلاً ومضموناً وانتشاراً وترهيباً، ذلك أنها أرادت الاستفادة من خصائص الرقمنة. فالمجرم ومن معه يعلمون أن المحتوى الرقمي ينتشر بسرعة فائقة، وإلى أكبر عدد متعاظم من المستخدمين حول العالم، وأنه محتوى مستقر لا يمكن محوه أو إزالته مهما سعينا لذلك، لتخلّده مخازن رقمية وحواسيب عالمية إلى مدة زمنية لا نهائية، فيمكن لهذه الجريمة أن تشاهدها الأجيال بعد آلاف السنين، دون مبالغة، وهنا يكمن التحدي الأخلاقي الأكبر.

لقد تم تصميم الجريمة الإرهابية لتكون رقميّة من الأساس شكلاً ومضموناً وانتشاراً وترهيباً ذلك أنها أرادت الاستفادة من خصائص الرقمنة.

أسماء ملكاوي

لا يكاد الباحثون والمختصون في عالم الرقمنة يبدؤون معالجة مسألة أخلاقية أو اجتماعية إلا تراكمت فوقها قضايا أخرى جديدة، لقد أطلق هؤلاء على تمكين وسائل التواصل الاجتماعية لأي فرد من المجتمع من ممارسة العمل الصحفي من خلال نشر المضامين الإخبارية والمعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي "صحافة المواطن"، وتمكنوا إلى جانب المؤسسات الإعلامية والصحافة الرقمية من إصدار مواثيق شرف أخلاقية للتعامل مع المضامين الإعلامية على مواقع الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعية، ولكن هل تنطبق تلك المواثيق على ما أسموه صحافة المواطن"؟ وهل يضعون "البث المباشر" عبر مواقع التواصل الاجتماعي ضمن هذا المفهوم؟.

وإذا كان الأمر كذلك، فأي أخلاقيات تمنع أي فرد خارج إطار العمل الإعلامي من ممارسة العربدة الرقمية بكافة أشكالها؟ فالمواطن الصحفي لا ينتمي إلى مؤسسة إعلامية تجبره على الالتزام بمواثيقها الأخلاقية، ولا إلى مؤسسة بحثية تجبره على الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي! ‏نحن أمام حالة من السيولة المفرطة في المضامين الإعلامية المنفلتة من أي توجيه أخلاقي من قبل المستخدمين، وأصلب قاعدتين يمكن الوقوف عليهما هما: قاعدة مالكي المواقع والمنصات الرقمية، وقاعدة التشريعات والحكومات.

لقد شكلت حادثة نيوزيلندا لموقع الفيسبوك وغيره صدمة لم يكونوا يتوقعونها، فقد أعلنت إدارة الفيسبوك أنها حذفت أكثر من مليون ونصف فيديو انتشر عبر موقعها للجريمة خلال 24 ساعة الأولى من حدوثها، كذلك أنهت عمل عدد كبير من الموظفين على خلفية ما حدث، وأعلنت إدارة YouTube أنها أزالت عدداً كبيراً من اللقطات الخاصة بالجريمة، كما علّق موقع Twitter الحساب الذي نشر الفيديو الأصلي للجريمة، وقامت شركة تزويد الإنترنت في نيوزلندا بإغلاق مواقع الويب التي كانت تقوم بتوزيع الفيديو. ‏ولكن هل تكفي هذه الإجراءات؟ لا يبدو الأمر كذلك في ظل ما أوردناه سابقاً حول خصائص النشر الرقمي،‏ من الواضح أن شركات التكنولوجيا غير مجهزة لمعالجة المحتوى العنصري والإرهابي الذي يتم مشاركته عبر منصاتها.

من الواضح أن شركات التكنولوجيا غير مجهزة لمعالجة المحتوى العنصري والإرهابي الذي يتم مشاركته عبر منصاتها.

أسماء ملكاوي

على الجانب الآخر، حاولت بعض الحكومات لا سيما العربية ضبط المضامين الإعلامية من خلال إصدارها لقوانين الجرائم الإلكترونية، ولكنها للأسف تلاحق المضامين السياسية ذات الطابع المعارض لها فقط. أما الحكومات الغربية والأمريكية على وجه التحديد، فإنها تدرك أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في تغذية التطرف والعنف والإرهاب، ولكنها غير معنية إلا بمحاربة شكل واحد منه، وهو ما تسميه "الإرهاب الإسلامي"، ولا يهتمون بالإرهاب الذي تنشره جماعات "التفوق الأبيض"، والإرهاب اليميني المتطرف.

وقد تعاونت معهم الشركات التكنولوجية وتوصلوا إلى حلول لمحاربة "داعش" وغيرها من الحركات التي تدعي "الإسلامية" على الإنترنت، ولم يتخذوا إجراءات تجاه الإرهاب المضاد. رغم ما أثبته باحثون في جامعة جورج واشنطن قارنوا بين التطرف اليميني وتطرف داعش على الإنترنت، وتوصلوا إلى أن نمو "الحركات القومية البيضاء" يفوق التطرف الإسلامي بكل المقاييس. وهذه صورة من الدراسة توضح نمو أعداد المتابعين للقوميين البيض على تويتر خلال السنوات 2012، 2014 ،2016 على التوالي.

تنامي أعداد متابعي حسابات الحركات ومنظمات اليمين القومي
تنامي أعداد متابعي حسابات الحركات ومنظمات اليمين القومي (TRT Arabi)

صورة أخرى توضح الأصدقاء والمتابعين لحسابات جماعات نازية (بالأزرق) والقوميين البيض (بالأحمر) وداعش (بالأصفر).

مأخوذ من دراسة لجامعة جورج واشنطن للكاتب جي إم بيرغر 
مأخوذ من دراسة لجامعة جورج واشنطن للكاتب جي إم بيرغر  (TRT Arabi)

في دراسة أخرى نُشرت في 2018، وجد الباحثون أن التطرف اليميني في الولايات المتحدة ينمو بشكل واضح، ويمكن رصد ذلك من خلال تزايد عدد الهجمات الإرهابية التي ارتكبها الجناة اليمينيون المتطرفون على مدار العقد الماضي، أكثر من أربعة أضعاف بين عامي 2016 و 2017، كذلك ارتفعت هجمات اليمين المتطرف في أوروبا وقفزت بنسبة 43% بين العامين 2016 و 2017، ودعت الدراسة الوكالات الفيدرالية إلى مضاعفة سرعتها لمواجهة هذا التهديد.

وهذا رسم بياني نشرته الدراسة يوضح تنامي هجمات اليمين المتطرف في أوربا بين الأعوام 2012 - 2017.

رسم بياني نشرته الدراسة يوضح تنامي هجمات اليمين المتطرف في أوربا بين الأعوام 2012 - 2017.
رسم بياني نشرته الدراسة يوضح تنامي هجمات اليمين المتطرف في أوربا بين الأعوام 2012 - 2017. (TRT Arabi)

هذا التراخي الحكومي في مواجهة الإرهاب "غير الإسلامي" يستوجب توجيه السؤال الأخلاقي، ليس إلى المستخدمين أو مالكي منصات التواصل الاجتماعي وحدهم، وإنما إلى الجهات الحكومية العالمية كذلك، إذا يتشارك الجميع هذه المسؤولية بنسب متفاوتة، ويجب عليهم جميعاً تحمُّل مسؤولياتهم كاملة لوقف جنون الإرهاب الذي إذا تحول إلى الرقمية فإنه لا تُمكن السيطرة عليه أبداً.

وتبقى أسئلةٌ يتحمل مسؤولية الإجابة عنها عدد كبير من المعنيين في المجالات الأكاديمية والبحثية والتربوية والتقنية: كيف تُمكن مراقبة الكراهية عبر الإنترنت بشكل فعّال؟ وهل يمكن ضبط حوادث الكراهية والتطرف على الإنترنت واستباق حدوثها مستقبلاً؟ لا سيما أن الشواهد تثبت نشر المجرم الإرهابي رسائل كراهية وبيانات سبقت الجريمة بشكل واضح لا يقبل التأويل. هل متابعة حسابات المجرمين المحتملين على الإنترنت وتفسير ما ينشرونه من رموز تعدّ اختراقاً للخصوصية، أو أن الأمر يتطلب ذلك لحماية المجتمع من خطرهم المحتمل؟ هل نحتاج إلى تدارس مقررات في "التربية الرقمية" لتوعية أبنائنا المنغمسين في الرقمنة حد الغرق بكيفية التعامل مع محتويات لا يمكن ضمان عدم تعرُّضهم لها؟ كثير من الأسئلة تثيرها ظواهر رقمية ما تفتأ تصدمنا بين الحين والآخر، وما بقي إلا أن الدعاء بالرحمة لشهداء المجزرة الإرهابية، ولذويهم الصبر، وأن يأخذ القانون مجراه العادل، وتتخذ ضمائرنا الموقف الأخلاقي كرادع أول لحماية إنسانيتنا المهددة!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي