تابعنا
بصورة عامة؛ فإن ملاحقة مصادر تمويل حماس داخل الاتحاد الأوروبي لم تكن حديثة، إذ بينما سيُعدّ القرار الأخير للأوروبيين أحد مساعي تشديد ملاحقة مصادر تمويل حماس، فإن التجربة الممتدة لعقود أثبتت محدودية قدرة تلك الخطوات على تحقيق أهدافها.

قرر مجلس الاتحاد الأوروبي إنشاء إطار خاص للتدابير التقييدية، يهدف إلى محاسبة أي فرد أو كيان يدعم أو يُسهّل عمل حركتي حماس والجهاد الإسلامي في مقاومة الاحتلال، إذ قرر المجلس تجميد أصول وحظر سفر 6 شخصيات بزعم صلتهم بدعم وتمويل حماس بموجب الإطار الجديد، الذي سيتيح المجال أمام محاسبة الداعمين والمشاركين في التخطيط والإعداد وتمكين عمليات المقاومة.

يتيح النظام الجديد تجميد أصول وأموال المدرجين في قائمة العقوبات، كما يحظر توفير الأموال أو الموارد الاقتصادية لهم أو لمصلحتهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، كما سيُخضعهم لحظر السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي مع استثناءات محددة.

رغم أن تسويغ القرار جاء في إطار مزاعم الرد على عملية طوفان الأقصى وهجوم المقاومة على مستوطنات ومواقع عسكرية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فإن تاريخ محاربة الاتحاد الأوروبي مع حركة حماس يبتعد أكثر من عقدين من الزمان.

تطور التصعيد الأوروبي ضد المقاومة

مثَّلت هجمات سبتمبر/أيلول عام 2001 أحد أبرز التفاعلات المهمة التي أثّرت سلباً على المقاومة الفلسطينية خصوصاً على حماس التي رأى البعض تشابهاً بين تكتيكاتها العسكرية وتلك الهجمات التي تبناها تنظيم القاعدة الإرهابي لاحقاً، وفي حين استمرت حماس والجهاد الإسلامي في الهجمات الاستشهادية في الأراضي المحتلة عام 1948، كان الاتحاد الأوروبي يتجه نحو صوغ خطاب أكثر حدة تجاه الحركتين.

وبدأ ببيان غير مسبوق لمجلس الاتحاد الأوروبي في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2001، طالب فيه السلطة الفلسطينية بتفكيك "الشبكات الإرهابية" لحماس والجهاد الإسلامي، واعتقال ومحاكمة المشتبه فيهم بالضلوع في عمليات فدائية، وإصدار بيان باللغة العربية يعلن فيه إنهاء انتفاضة الأقصى، وقد مثّل البيان ضغطاً إضافياً على الرئيس الراحل ياسر عرفات من أصدقائه الأوروبيين، كما كانت المرة الأولى التي ينصرف فيها بيان رسمي أوروبي إلى وصف شبكات وأشخاص بـ"الإرهاب"، بدلاً من الاكتفاء بإطلاق الوصف نفسه على العمليات التي كانت تنفّذها المقاومة خصوصاً حماس في ذلك الحين.

أقل من أسبوعين على بيان المجلس الأوروبي، حتى عاد وأقرّ إطاراً جديداً بشأن "تطبيق تدابير محددة لمكافحة الإرهاب"، سيجري بموجبه إنشاء قائمة للاتحاد الأوروبي لمن يطلق عليهم الكيانات والأفراد الإرهابيين، كما أقر المجلس أيضاً لائحة تنفيذية تطرقت إلى الجانب الفني في آليات التعامل مع الأموال والأصول التي يجري تجميدها للأفراد والكيانات التي تصنَّف إرهابية بناءً على الموقف المشترك، وقد نصّ كلاهما على إجراء مراجعة دورية لقائمة الأفراد والكيانات المدرجة، وهو ما كان لاحقاً عنواناً لمعركة حماس القضائية مع المجلس.

كان كلٌّ من الإطار القانوني الذي سُمي "الموقف المشترك" وكذلك لائحته التنفيذية، إفرازات مباشرة للإجماع الدولي الذي خلّفته "أحداث سبتمبر"، بشأن مكافحة ما يسمى "الإرهاب"، وهو ما عُبِّر عنه بصورة واضحة في قرار مجلس الأمن رقم (1373) الصادر في 2001، الذي نص على جملة من القرارات والتدابير التي يجب على جميع الدول اتخاذها وأهمها منع وتجريم تمويل "الأعمال الإرهابية"، وتجميد أصول وممتلكات الأشخاص والكيانات التي تتورط في تنفيذ أو دعم تلك الأعمال، إضافةً إلى حزمة واسعة من القرارات والإجراءات الأخرى ترمي إلى الهدف نفسه؛ "منع تمويل الإرهاب".

وبناءً على الموقف المشترك، أصدر الاتحاد الأوروبي لائحته للكيانات والأشخاص الإرهابيين، ووُضعت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، على القائمة للمرة الأولى، ومع إعلان الرباعية الدولية خطة خريطة الطريق للسلام في عام 2003، كثفت الإدارة الأمريكية جهودها للضغط على الأوروبيين بهدف إدراج حماس وفصائل المقاومة الأخرى على لوائح الإرهاب، وهي الضغوط التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تحذير حماس من إمكانية اتخاذ خطوات أوسع حيالها إذا ما استمرت في أعمال المقاومة.

ومع حلول سبتمبر/أيلول من العام نفسه، أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على محاولة اغتيال مؤسس حماس الشيخ أحمد ياسين، ليردّ الجناح العسكري للحركة بعد أيام قليلة بعمليتين استشهاديتين في القدس وتل أبيب، أسفرتا عن وقوع قتلى وجرحى، فيما تجاوزت تداعيات العمليتين إلى حدّ عدّهما علامة على فشل خطة خريطة الطريق المدعومة دولياً، عدا الآثار التي خلّفتهما على الموقف من حركة حماس.

وأدانت رئاسة الاتحاد الأوروبي العمليتين، كاشفةً عن شروع الاتحاد الأوروبي في وقت سابق للعمليتين بمناقشة ضم الجناح السياسي للحركة على قوائم الإرهاب، وهو ما جرى رسمياً بعد أيام قليلة، فيما أشارت تقارير إلى ضغوط مارستها كل من إسرائيل وأمريكا لدفع الأوروبيين نحو هذه الخطوة.

معركة حماس القضائية ضد مجلس الاتحاد الأوروبي

في عام 2010، تقدمت حركة حماس بدعوى قضائية لدى المحكمة الابتدائية الأوروبية، تطالب فيها بإلغاء قرارات عدة صادرة عن الاتحاد الأوروبي تُبقي على حماس ضمن قوائم الإرهاب المحدَّثة في ذلك العام، مستندةً في الدعوى إلى أسباب عدّة تتعلق بانتهاك المجلس الأوروبي في قراراته ضدّ الحركة لقرارات وقوانين أوروبية كثيرة، وقد نجحت الحركة عام 2014 في انتزاع قرار من المحكمة بإزالة اسمها من قوائم الإرهاب.

وفي حين نجح مجلس الاتحاد الأوروبي في استئناف القرار وإعادة إدراج الحركة وكتائب القسام على لوائح الإرهاب، فإنه تبقى الإشارة إلى أهم ما تضمنه القرار الأول في الإشارة إلى التحيزات السياسية للاتحاد الأوروبي من خلال تعليل أسباب الحكم بأن قرارات المجلس ضد حماس لا تستند إلى فحص أفعال الحركة، بل إلى افتراضات مستمَدة من الصحافة والإنترنت، فيما كان موقف الحركة لاحقاً أشد صعوبة لدى محكمة العدل الأوروبية التي بدا أن لأحكامها دوافع سياسية أكثر من الاعتبارات القانونية.

من محاولات الضغط السياسي إلى عقوبات محدودة التأثير

بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، كان موقف الاتحاد الأوروبي منسجماً مع الموقف الأمريكي بعدم التعامل مع حماس حتى القبول بشروط الرباعية، التي تضمنت الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن المقاومة، غير أن الأوروبيين كانوا أكثر عقلانية من خلال جديتهم في محاولة إحداث تحول في مواقف حماس وليس مجرد إفشالها، على عكس الموقف الأمريكي، إضافةً إلى تشككهم في إمكانية نجاح سياسة عزل حماس وحكومتها الوليدة حينذاك، وشعورهم أن خطواتهم تجاه مقاطعة حكومة حماس ناجمة عن الضغط الأمريكي.

بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، كان موقف الاتحاد الأوروبي منسجماً مع الموقف الأمريكي بعدم التعامل مع حماس حتى القبول بشروط الرباعية، التي تضمنت الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن المقاومة، غير أن الأوروبيين كانوا أكثر عقلانية من خلال جديتهم في محاولة إحداث تحول في مواقف حماس وليس مجرد إفشالها

إن استخدام العقوبات الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية ثبت فشلها على مدار العقود الماضية، وقد استحضرت نماذج كثيرة لجماعات ودول لم تنجح العقوبات الاقتصادية في ثنيها أو دفعها إلى التراجع، فيما تمثل حماس اليوم الحالة الأكثر وضوحاً على فشل تلك الاستراتيجية التي امتدت لأكثر من 20 عاماً، تمكنت خلالها حماس من التحول إلى قوة عسكرية وسياسية لا يُستهان بها، وتمتلك جيشاً منظماً استطاع توجيه أقوى ضربة عسكرية إلى إسرائيل منذ نصف قرن.

تصاعُد التأييد الأوروبي لإسرائيل

خلال السنوات الماضية، رفعت دول أوروبية سقف دعمها السياسي لدولة الاحتلال، في الوقت الذي عمدت فيه إلى التضييق وملاحقة المؤيدين للقضية الفلسطينية، خصوصاً في ألمانيا وفرنسا ودول أوروبية مختلفة، وقد انعكس مستوى الانحياز لإسرائيل في خطابات ومواقف المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، وكان آخرها خلال العام الماضي تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، التي قالت فيها إن "إسرائيل حوّلت الصحراء إلى جنة"، في ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني وإعلان قيام "دولة إسرائيل".

وفي حين شهدت الحرب الحالية على قطاع غزة شكلاً من أشكال الانقسام في المواقف داخل الاتحاد الأوروبي، فإن الموقف من حماس والمقاومة أصبح أكثر تطرفاً، إذ سارع الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بإصدار بيان نيابةً عن الاتحاد الأوروبي أدان فيه بأشد العبارات الممكنة ما وصفها بـ"الهجمات المتعددة والعشوائية التي شنتها حماس في جميع أنحاء إسرائيل"، معرباً عن أسفه العميق لخسارة الأرواح، وعن تضامن الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل وحقها في الدفاع عن النفس.

بصورة عامة؛ فإن ملاحقة مصادر تمويل حماس داخل الاتحاد الأوروبي ودول أخرى حول العالم لم تكن حديثة، إذ بينما سيُعدّ القرار الأخير للأوروبيين أحد مساعي تشديد ملاحقة مصادر تمويل حماس، فإن التجربة الممتدة لعقود أثبتت محدودية قدرة تلك الخطوات على تحقيق أهدافها.

وتبعه بأيام عدة بيان مشترك من أعضاء مجلس الاتحاد الأوروبي، أكد إدانة المقاومة، وحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ودعوة حماس لإطلاق سراح "الرهائن" الإسرائيليين من دون شروط.

الدعم الواسع لإسرائيل في حربها على غزة، قابلته في الوقت ذاته عبارات عامة بضرورة حماية المدنيين في القطاع بالتزامن مع التأكد من عدم وصول المساعدات إلى حماس، وفي خضمّ المواقف المتطرفة في تأييدها لإسرائيل أعلن الاتحاد الأوروبي خلال شهري ديسمبر/كانون الأول الماضي ويناير/كانون الثاني الجاري عن إدراج كلٍّ من قائد حماس في غزة يحيى السنوار، ومحمد الضيف، قائد كتائب القسام، ونائبه مروان عيسى، على قوائم الإرهاب، وذلك رداً على هجوم "7 أكتوبر/تشرين الأول".

ويترتب على الإدراج تجميد أي أصول أو أموال للقيادات الثلاث داخل دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني أن الإدراج لا يحمل قيمة أو ضغطاً حقيقياً على حماس، كما لم ينجح في ذلك سابقاً خلال عمليات إدراج شخصيات قيادية أخرى، فضلاً عن إدراج الحركة ذاتها وجناحها العسكري على لوائح الإرهاب، فيما لا يبدو أن السلوك الأوروبي هذه المرة يميل لتحقيق ضغوط سياسية بقدر سعيه إلى إبراز التضامن مع إسرائيل.

بصورة عامة؛ فإن ملاحقة مصادر تمويل حماس داخل الاتحاد الأوروبي ودول أخرى حول العالم لم تكن حديثة، إذ بينما سيُعدّ القرار الأخير للأوروبيين أحد مساعي تشديد ملاحقة مصادر تمويل حماس، فإن التجربة الممتدة لعقود أثبتت محدودية قدرة تلك الخطوات على تحقيق أهدافها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي