بعد طول شدّ وجذب على الصعيد الدبلوماسي، وحشودٍ عسكرية على الأرض من الطرف التركي، أعلنت تركيا والولايات المتحدة الأمريكية التوصل إلى اتفاقٍ جنّب تركيا التحرك المنفرد في عملية عسكرية شمال سوريا، وجنّب الولايات المتحدة خذلان حليفها في الناتو.

وعلى الرغم من التصريحات الإيجابية من الطرفين، والإنجاز الدبلوماسي الذي حققه الاتفاق، فإنّ تطبيق هذه التفاهمات يمثّل التحدي الحقيقي لأنقرة تحديداً، بخاصة في ظل التجارب السابقة التي تعزّز التخوُّف.

بعد ثلاثة أيامٍ من الاجتماعات المتواصلة التي شهدتها أنقرة بين وزارة الدفاع التركية والمسؤولين العسكريين الأمريكيين في الجولة الأخيرة من المفاوضات بين الطرفين، أعلنت وزارة الدفاع التركية عبر موقعها الرسمي التوصل إلى اتفاق بين الطرفين، وهو الإعلان الذي أكّدته لاحقاً السفارة الأمريكية في أنقرة.

ووفق ما أُعلِنَ فإن الاتفاق ينصّ على ثلاثة مستويات من التنسيق المشترك، أولها يهدف إلى اتخاذ تدابير أمنية على المدى القريب تخفّف المخاوف الأمنية التركية، أما المستوى الثاني فينصّ على تشكيل مركز عمليات مشترك لإقامة المنطقة الآمنة في أقرب وقت، التي يبدو أن الحديث عن تفاصيلها قد تم ترحيله.

أما على المدى الثالث والبعيد فيشير الإعلان إلى اتفاق الطرفين على اتخاذ الإجراءات اللازمة لجعل المنطقة الآمنة ممرّاً للسلام (وهو المصطلح الذي استُخدم في الإعلان الصادر عن اجتماع مجلس الأمن القومي التركي الأخير) ولتسهيل عودة السوريين المهجَّرين إلى هذه المنطقة.

جاء هذا الاتفاق بين الطرفين ليطوي ولو مرحليّاً صفحة من التوتر في العلاقات التركية-الأمريكية، بخاصة في ما يخص الوضع في الشمال السوري.

بلال سلايمة

هذا الإعلان كان قد سبقه وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بتصريحاته الإيجابية حول سير المفاوضات بين الطرفين، الذي كان أدلى به في ذات اليوم، مخالفاً بذلك كل التوقعات المتشائمة التي سادت في الفترة الماضية حول إمكانية التوصل إلى تفاهم بين الطرفين.

إذ صرح أكار للصحفيين بأنه يشعر بالسعادة لكون الطرف الأمريكي قد اقترب من وجهة النظر التركية في ما يتعلّق بتأسيس المنطقة الآمنة، كما شدد في ذات التصريح على حرص تركيا على العمل المشترك مع الولايات المتحدة، وإن كان قد لوّح أيضاً بعصا التدخل الأحادي من طرف تركيا في حال عدم التوصل إلى اتفاق.

جاء هذا الاتفاق بين الطرفين ليطوي، ولو مرحليّاً، صفحة من التوتر في العلاقات التركية-الأمريكية، بخاصة في ما يخصّ الوضع في الشمال السوري، حيث شكّل الدعم الأمريكي لقوات PYD المرتبطة مباشرة بمنظمة PKK الإرهابية أحد أهم أسباب وتجليات الأزمة بين الطرفين، التي تعمقت في السنوات الثلاث الماضية.

التكهنات حول إمكانية ابتعاد تركيا عن أمريكا أكثر ترافقت مع الإشارات التي أرسلتها تركيا مؤخراً بأنها مستعدة لاتخاذ أي خطوة في الشمال السوري للحفاظ على ما تراه حفظاً لأمنها القومي، ولو على حساب العلاقات التركية-الأمريكية.

التوجه الذي عُبّر عنه بشكل صريح من خلال البيان الصادر عن اجتماع مجلس الأمن القومي التركي الأخير، في الحادي والثلاثين من تموز/يوليو، الذي أشار بشكلٍ واضح إلى أن تركيا عازمة على التدخل لمواجهة المجموعات الإرهابية في الشمال السوري. هذا الأمر ترافق ميدانياً أيضاً مع حشد عشرات الآلاف من الجنود الأتراك على طول الحدود السورية-التركية، وتسريع برامج تدريب وإعداد مقاتلي الفصائل السورية استعداداً للمشاركة في العمليات شرق الفرات.

هذا الإصرار وجدية الطرف التركي في التحرك دفعا الطرف الأمريكي إلى استشعار حساسية الموقف، وبالتالي التدخل الإيجابي عبر استيعاب الموقف التركي والإبقاء على قناة تواصل مع أنقرة مفتوحة، وتكثيف التواصل متعدد المستويات مع صانع القرار التركي.

التحرك الأمريكي لإبقاء قنوات التواصل واحتواء أي تحرك تركيٍ محتمَل تجاه الشمال السوري تم تحت قيادة جيمس جيفري المبعوث الأمريكي الخاص للشأن السوري.

إذ قام جيفري وفريقه، الذي عمل سابقاً سفيراً للولايات المتحدة الأمريكية لدى تركيا بين عامَي 2008 و2010، بعديد من الزيارات إلى أنقرة في الأشهر الماضية التقى خلالها المسؤولين السياسيين والعسكريين الأتراك، على رأسهم إبراهيم كالن ووزير الدفاع خلوصي أكار، فضلاً عن لقاءات الوفود البينية.

ويبدو أن جيفري بمهاراته الدبلوماسية وخبرته الطويلة في المنطقة استطاع إبقاء مسألة المنطقة الآمنة والتدخل التركي المحتمل على طاولة التفاوض بين الجانبين.

الإصرار وجدّية الطرف التركي في التحرك دفعا الطرف الأمريكي إلى استشعار حساسية الموقف، وبالتالي التدخل الإيجابي عبر استيعاب الموقف التركي والإبقاء على قناة تواصل مع أنقرة مفتوحة.

بلال سلايمة

هذه المساعي الدبلوماسية التي حرصت عليها الولايات المتحدة، أثمرت في جولتها الأخيرة الإعلان المقتضب الذي غلب عليه الإجمال دون التفصيل، فيما يبدو أن الحديث عن التفاصيل المتعلقة بالمنطقة الآمنة، من قبيل عمقها ومناطق تطبيقها والجهة التي ستديرها وكيفية إدارتها، قد تم ترحيل النقاش حولها إلى حين تشكيل مركز العمليات المشترك الذي أسندت إليه هذه المهمة.

وإلى ذلك الحين يُفترض من الولايات المتحدة اتخاذ تدابير لتخفيف مخاوف تركيا الأمنية وفق الاتفاق المعلن، دون أن يحدد الإعلان ما هذه التدابير، التي قد تسعى الولايات المتحدة لاحقاً لتشكيل لجنة مشتركة لتحديد تفاصيلها، ما قد يجعل الإعلان في نهاية المطاف ليس أكثر من تحركٍ دبلوماسي للولايات المتحدة لتخفيف مخاوف أنقرة واستيعاب غضبها.

يبدو أن الطرفين قد فضّلا عبر التوصل إلى هذا الاتفاق الحفاظ على العلاقات بينهما، متجنبين المخاطرة، فلا تركيا تريد مواجهة أمريكا، ولا أمريكا تريد خسارة تركيا على حساب شركائها في قوات PYD.

ومع أن تركيا استطاعت إقناع الولايات المتحدة بضرورة العمل المشترك على تأسيس منطقة عازلة في شرقي الفرات، فإن التحدي الحقيقي هو في ترجمة هذا الاتفاق على الأرض، فالمخاوف التركية التي تستهدف أمنها القومي لا يبدّدها إنجازٌ دبلوماسيّ، بل إجراءاتٌ حقيقية على الأرض.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي