ارتفاع المؤشرات الاقتصادية التركية (Others)
تابعنا

وسط اضطرابات اقتصادية إقليمية ودولية شهدها عام 2022، حقق الاقتصاد التركي العديد من النجاحات خلال هذا العام، كما واجه بعض التحديات. ومما يُحسب للدولة التركية أداؤها المتوازن بين متطلبات الأوضاع الاقتصادية، ودورها الذي تؤديه في المحيطين الإقليمي والدولي.

ففي الوقت الذي تأزمت فيه الأوضاع في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا، برز دور تركيا في التخفيف من حدة أزمة الطاقة والغذاء التي ألمّت بالأوضاع العالمية نتيجة هذه الحرب، إذ نجحت تركيا في جمع الطرفين تحت مظلة اتفاقية اسطنبول، وبرعاية الأمم المتحدة، ليستمر تدفق صادرات النفط والأغذية من روسيا وأوكرانيا منذ يوليو.تموز 2022 وحتى الآن.

وتزامناً مع تراجع معدلات النمو الاقتصادي بالعديد من الدول المتقدمة والنامية على السواء، بسبب التداعيات السلبية لأزمة كورونا، وكذلك الحرب الروسية على أوكرانيا، كان الاقتصاد التركي يغرد إيجابياً، بمعدلات نمو خلال فصول عام 2022، تراوحت ما بين 7.3% في الربع الأول و3.9% في الربع الثالث.

وثمة توقعات بأن تحقق تركيا معدلاً للنمو بنهاية عام 2022 ما بين 4.5% و5%، وقد عزز تحقيق هذا النمو تلك السياسة الاقتصادية التي استهدفت استمرار النمو عاليًا، لتنخفض معدلات البطالة إلى ما يزيد بقليل عن 10%، كما تبنت السياسة النقدية منهجاً متفرداً بشأن سعر الفائدة، الذي انخفض إلى 9% في نوفمبر.تشرين الثاني 2022، بعد أن كان بحدود 14% في يناير 2022.

تزايد التعاون الاقتصادي مع دول الخليج

أثمرت الاستراتيجية الجديدة لتصفير مشكلات تركيا الإقليمية، في زيادة التعاون الاقتصادي مع كل من الإمارات والسعودية وقطر، ففي يناير 2022 توصلت تركيا مع الإمارات إلى اتفاقية بقيمة 5 مليارات دولار، من شأنها استخدام العملات المحلية في التسويات التجارية.

وفي أغسطس 2022 أعلنت المملكة العربية السعودية، عن إيداعها 5 مليارات دولار في البنك المركزي التركي، وثمة تقدم في حجم التبادل التجاري بين تركيا والسعودية، حيث جرت إزالة العوائق التجارية أمام التجارة بين البلدين.

أما قطر، فتعد صاحبة أكبر استثمارات مباشرة في تركيا من بين دول الخليج، حيث قدرت استثماراتها بنحو 10 مليارات دولار، كما ضخت قرابة 3 مليارات دولار أخرى بنهاية يونيو 2022.

موارد جديدة للطاقة

شهد عام 2022 بشريات اكتشاف حقول الغاز والنفط في تركيا، فبعد أن كانت الدلالات الأولى توضح وجود حقول للغاز الطبيعي في البحر الأسود، تأكدت الاكتشافات المتتالية فيما بعد بوجود النفط في حقول أخرى، والتي كان آخرها حقول ولاية شرناق، التي يتوقع أن تضم قرابة 150 مليون برميل من النفط، إلا أن ما تؤكده الحكومة التركية أن حقول الغاز الطبيعي سوف تدخل مرحلة الإنتاج أوائل عام 2023.

وتوقعات الحكومة التركية تذهب إلى أن حقولها البحرية تحوي قرابة 710 م3 من الغاز الطبيعي، كما تتوقع الحكومة أن تبدأ إنتاجها من الغاز بطاقة إنتاجية تصل حصتها السنوية إلى 3.5 مليار م3 وعلى أن ترتفع فيما بعد لتصل إلى 15 مليار م3 بعد 4 سنوات من بداية الإنتاج.

والجدير بالذكر أن تركيا تعاني من ارتفاع فاتورة وارداتها من الطاقة على مدار العقود الماضية، بسبب افتقادها لمصادر الطاقة الأحفورية.

وتصل قيمة فاتورة واردات تركيا السنوية من الطاقة إلى قرابة 40 مليار دولار، ومن شأن ظهور حقول النفط والغاز بالأراضي التركية، أن يخفف من أعباء هذه الفاتورة، فضلاً عن تقوية وضع تركيا الجيوسياسي.

نجاحات الأداء التصديري

على مدار أكثر من 5 سنوات، عبر الأداء التصديري لتركيا عن قوة بنيتها الاقتصادية، وتحقيق حالة نجاح في توظيف السياسة النقدية في خدمة الصادرات، فمنذ عام 2018 والليرة التركية تتعرض لعمليات انخفاض متتالية، إلا أن ذلك صاحبه زيادة مستمرة في الصادرات السلعية، وهو ما يبرهن على مرونة الجهاز الإنتاجي للبلاد.

وقد أظهرت بيانات معهد الإحصاء التركي، أن الصادرات السلعية التركية بلغت 230 مليار دولار، خلال الـ 11 شهراً الأولى من عام 2022، وهو ما يزيد عما تحقق بعام 2021 بأكمله عند قيمة 225.2 مليار دولار، ويتوقع أن تزيد الصادرات السلعية لتركيا عن 250 مليار دولار هذا العام.

أما التجارة السلعية بشكل عام، فقد بلغت في تركيا خلال الـ11 الأولى من عام 2022 نحو 561 مليار دولار، وهو ما يزيد عما تحقق بعام 2021 بأكمله عند قيمة 461.6 مليار دولار.

تفرد سياحي

تعد السياحة التركية واحدة من أهم مصادر الدخل القومي للبلاد، وثمة ترتيب متقدم لتركيا كأحد أهم المقاصد السياحية على مستوى العالم، فحسب تصنيف منظمة السياحة العالمية، حلت تركيا في المرتبة السادسة بين المقاصد السياحية العشرة الأولى على مستوى العالم عام 2019، ثم جاءت في المرتبة الرابعة على المؤشر نفسه عام 2021.

وحسب بيانات وزارة السياحة التركية، فقد بلغت الإيرادات السياحية في الشهور التسعة الأولى من عام 2022 نحو 35 مليار دولار، وبما يمثل نسبة زيادة بلغت 68% عن الفترة المقابلة من عام 2021، من خلال زيارة 40.2 مليون سائح. وتستهدف تركيا أن تبلغ إيراداتها السياحية بنهاية 2022 نحو 44 مليار دولار، وأن يصل عدد السائحين الوافدين إليها إلى 50 مليون سائح.

الحماية الاجتماعية

مما يلاحظ أن الدولة التركية تراعي قضية الحماية الاجتماعية بشكل كبير، فخلال أزمة كورونا تميزت الرعاية الطبية الفائقة لجميع أفراد الشعب، بمن فيهم الأتراك الذي يقيمون بالخارج وتعرضوا لأزمات صحية كبيرة بسبب فيروس كورونا.

ومع تفاقم مشكلتي تراجع قيمة العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم بالبلاد، اتجهت الحكومة التركية دائماً إلى رفع الحد الأدنى للأجور، فبعد أن كان الحد الأدنى للأجور في عام 2013 بحدود 800 ليرة، وصل إلى 8500 ليرة بقرار صدر في ديسمبر/كانون الأول 2022، ليطبق مع رواتب يناير 2023.

ومثلت قضية ارتفاع أجور المساكن، أحد أهم المنغصات للمواطنين في تركيا، مما استدعى تدخل الدولة، ووضع حدود للزيادة السنوية، وبخاصة بعد المعدلات المرتفعة للتضخم، التي تجاوزت الـ80%، واتسمت الزيادة التي أقرتها الحكومة كحد أقصى في أجرة المساكن، بنوع من التوازن للعلاقة بين المالك والمستأجر.

·تحدي التضخم

قفز التضخم إلى معدلات عالية في تركيا، أربكت الأفراد والعائلات، فبعد أن كان التضخم في يناير/كانون الثاني 2022 نحو 48.6%، وصل إلى 85.5% بنهاية أكتوبر من العام نفسه، إلا أن بيانات نوفمبر/تشرين الثاني 2022 أظهرت أن معدل التضخم تراجع بنسبة ضئيلة، ليصل إلى 84.3%، في حين توقعت السلطات التركية أن ينخفض معدل التضخم إلى 40% في غضون الشهور القادمة، وأنه سيصل إلى 20% بنهاية عام 2023.

وكان تراجع قيمة العملة المحلية من أهم مصادر التضخم في عام 2021، ولكن الحكومة التركية نجحت في معالجة هذا الأمر من خلال آلية ضمان الودائع ضد مخاطر تقلبات سعر الصرف.

يجب الأخذ بعين الاعتبار أن عام 2022 قد شهد ارتفاعاً ملحوظاً في سعر النفط، وبخاصة بعد أزمة الحرب الروسية على أوكرانيا، ولم يتراجع عن سقف 100 دولار إلا في بداية سبتمبر/أيلول 2022، وهو الأمر الذي أجج معدل التضخم في تركيا وغالبية دول العالم، وثمة دعم كبير تقدمه الحكومة التركية لأسعار الطاقة بالبلاد.

استشراف أداء 2023

المقدمات تدل على النتائج، فمن المتوقع أن تستمر تركيا في تحقيق معدلات نمو اقتصادي إيجابية ومرتفعة، وثمة تقديرات لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يصل معدل النمو بتركيا إلى 5.3% في 2023.

كما أن الصادرات السلعية وقطاع السياحة يعدان من الأنشطة الرائدة بالاقتصاد التركي، وثمة توجه لدى تركيا، لتحقيق حالة نجاح نحو التحول إلى صادرات ذات مكون تكنولوجي مرتفع، لتحقيق قيمة مضافة كبيرة.

وفي إطار التقدم الملحوظ لتركيا بمجال التصنيع العسكري المعتمد على التكنولوجيا العالية، يمكن تطوير التكنولوجيا العسكرية للاستخدامات المدنية، وبالتالي سيكون لها دورها الكبير في تقدم الصناعة التركية. وثمة توقعات من قبل السلطات التركية، أن تتجاوز الصادرات الدفاعية ٤ مليارات دولار في عام 2023.

وتعد الانتخابات القادمة في منتصف 2023 محطة مهمة، بعدها يمكن للاقتصاد التركي أن يحقق المزيد من التقدم، وبخاصة إذا أحكمت الحكومة قبضتها على معدل التضخم، وسوف يساعد على ذلك دخول تركيا مجال الاكتشافات النفطية والغاز، وبدء الإنتاج عام 2023، وكذلك تراجع أسعار النفط مؤخراً. كل ذلك سيؤهل مستقبلًا إلى مزيد من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتركيا.


TRT عربي