تبدو الصّورة الحالية في الجزائر ضبابيةّ بشكل كبير بعد ثلاثة أشهر عقب بدأ الحراك الشعبي، والسبب في ذلك توقف عملية التحول الديمقراطي في منتصف الطريق بين إصرار الجيش على إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، وإصرار الشعب على ضرورة تأجيلها.

وقد خلقت حالة الضبابية هذه جواً من الانسداد السياسي؛ زادته علاقة الشك بين الجيش والحراك الشعبي، على خلفية أنّ المؤسسة العسكرية باتت تتماطل وتتهرب من التزاماتٍ سابقة قطعتها على نفسها على لسان رئيس الأركان الفريق أحمد قايد صالح، حتى قبل استقالة الرئيس بوتفليقة في الثاني من أبريل نيسان الماضي.

تنبعُ توجّساتُ العسكر وارتيابهم في هذه المرحلة، من خشيتهم الوقوعَ في فخّ الفراغ الدستوري؛ وذلك في حال الذهاب نحو تلبية مطالب الشعب بتنحية كل رموز نظام بوتفليقة واللجوء إلى حلولٍ خارج الدستور، الأمر الذي من شأنه أن يُعرّض سمعة الجيش للتشويه.

المؤسّسة العسكرية الجزائرية في حد ذاتها تفضّل تكثيف خطواتها في مجال محاربة الفساد واعتقال كل رموز الدولة العميقة كمسارٍ سابق عن الحل السياسي.

مروان لوناس

هذا، بالإضافة إلى أن المؤسّسة العسكرية الجزائرية في حد ذاتها تفضّل تكثيف خطواتها في مجال محاربة الفساد واعتقال كل رموز الدولة العميقة كمسارٍ سابق عن الحل السياسي؛ وهو المسارُ الذي يتنافى مع أولويات الحراك الديمقراطي المؤمن بأنّ مسار محاسبة الفاسدين، وتطهير الدولة من رموز النظام يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع المسار السياسي الخاصّ بالفترة الانتقالية.

يعتقد الجيش بأنّ عملية الانتقال الديمقراطي، أو الشق المتعلق بالمطالب السياسية للحراك، والتغيير الجذري للنّظام، يجب أن تعبر من خلال التقيّد بالدستور؛ خصوصاً المادة 102 منه.

وهذا يعني التزام الجيش بإجراء انتخابات رئاسية في الرابع من تموز/يوليو المقبل في ظلّ إشراف شخصيات منبوذة؛ موروثة من عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وهذا بالضبط ما يرفضه الحراك بشكل جذري، إذ يرى في إجراء انتخابات رئاسية تحت إشراف هؤلاء الأشخاص؛ ووفق قوانينهم قتلاً للحراك، والتفافاً على مطالبه.

بين تمسك الجيش بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد وإصرار الشّعب على ضرورة تأجيلها لحين الاتفاق على مضامين المرحلة الانتقالية تعيشُ الجزائر انسداداً حقيقياً.

مروان لوناس

وبين تمسك الجيش بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد، وإصرار الشّعب على ضرورة تأجيلها لحين الاتفاق على مضامين المرحلة الانتقالية، تعيشُ الجزائر انسداداً حقيقياً؛ انسدادٌ يهدّد سلمية العلاقة القائمة بين الطرفين، والمستمرّة منذ انطلاق الحراك في 22 فبراير/شباط 2019.

في الحقيقية، إنّ مرحلة الارتياب بين الجيش والحراك بدأت مباشرةً بُعيد الجمعة السّابعة من المظاهرات؛ أي عقب استقالة الرئيس بوتفليقة، وذلك بسبب عدم الاتفاق على خارطة طريقٍ واضحة تكون قادرةً على تلبية بقية المطالب الشعبية؛ لاسيما بعد تحقيق أهمّ مطلب وهو تنحي بوتفليقة.

فقد كان الحراك يتوقّع أن تبدأ عمليةٌ جديدة تحضيراً للانتقال الديمقراطي، تكون على أرضية المادتين السابعة والثامنة من الدستور؛ مثلما ظلّ يردد رئيس الأركان في خطاباته الأسبوعية.

لكنّ ما حدث هو أنّ الجيش بات يصف مطالب الشعب بالتعجيزية، داعياً إياه بالصّبر والتمهل. ولأنّ أزمة الثقة عميقة ومتجذرة في الجزائر منذ عقود من الزمن فقد كان من شبه المستحيل تصديق النوايا والخطابات العلنية الصّادرة من مسؤولي الجيش.

مرحلة الارتياب بين الجيش والحراك بدأت مباشرةً بُعيد الجمعة السّابعة من المظاهرات وذلك بسبب عدم الاتفاق على خارطة طريقٍ واضحة.

مروان لوناس

وعليه، فقد استمر الحراك في مظاهراته؛ مؤكداً كلّ مرّةٍ أنّه لن يتراجع عن مطالبه، وأنّ انتخابات الرّابع من يوليو تموز لن تعقد لأنها ستؤزّم الوضع أكثر، الأمر الذي وضع المؤسسة العسكرية في ورطةٍ حقيقية، وتحت ضغوطٍ شديدة، خاصّةً بعد أن تبين أنّ أجراء الانتخابات في موعدها قد يفجّر الأوضاع أكثر.

هناك الكثير من المؤشرات التي تدلّ على استحالة إجراء الانتخابات في موعدها المحدّد، منها على سبيل المثال:

أولاً: الرّفضُ الشعبي الواسع لها حتى غدت من أهمّ مطالب المظاهرات المتواصلة مؤخراً، مع التهديد بتحويل يوم الاقتراع إلى موعدٍ لاحتجاجات تعمّ أنحاء البلاد.

ثانياً: رفض أغلب وأبرز قوى المعارضة السّياسية لهذه الانتخابات، واعتبارها خطوة نحو المجهول وتعميقاً للأزمة.

ثالثاً: عدم تقدّم شخصيات وازنة وذاتِ ثقلٍ شعبي لإعلان نيتها الترشّح، رغم أنّ الحكومة أكدت أن أزيد من 70 شخصاً سحبوا ملفات الترشح في انتظار خطواتٍ قانونية أخرى ينبغي قطعها قبل التمكن من الترشح رسمياً.

رابعاً: استحالة القيام بحملاتٍ انتخابية من قبل المرشحين حسب الموعد المحدد، وتهديد المتظاهرين بأنهم سيتصدّون لفتح اللجان الانتخابية ما قد يؤدي إلى مواجهات وانفلاتٍ أمني، وهذا ما لا يريده الجيش ولا الحراك على حد سواء.

خامساً: إعلان القضاة أو قطاع واسع منهم نيتهم عدم الإشراف -لا من قريب أو بعيد- على هذه الانتخابات، والأمر نفسه فعله رؤساء المجالس البلدية في عديد من المحافظات.

سادساً: تآكل الوقت الذي يسير في غير مصلحة الجيش المتمسّك بموعد إجرائها.

كلّ هذه العوامل، وغيرُها، تجعل انتخابات يوليو/تموز عملاً انتحارياً، وقفزةً في المجهول، لأنها لن تحلّ المشكلة، بل ستزيد من تأزيمها. لذلك، ومن أجل تفادي تصعيد الموقف لا بد أن ينظر الجيش بشكل ملحّ لمطالب الشّعب والتي تتمثل في النقاط التالية:

أولاً: استقالة من يسمّيهم الباءات الثلاث ، وهم عبد القادر بن صالح الرئيس المؤقت، ونورالدين بدوي رئيس حكومة تصريف الأعمال، ومعاذ بوشارب رئيس البرلمان.

ثانياً: الاتفاق على مرحلة انتقالية قصيرة محددة زمنياً؛ تتوّج بإجراء انتخاباتٍ رئاسية يختار فيها الجزائريون رئيسهم بشكل شفّاف وديمقراطي.

ثالثا: البحث عن شخصية توافقية تتولى منصب الرّئيس المؤقت للبلاد.

رابعاً: تشكيل حكومة وفاق وطني تترأسها شخصية توافقية يُعيّنها رئيس الدولة المؤقت، وتضم وزراء تكنوقراط غير متحزبين، تتولى إدارة المرحلة الانتقالية إلى غاية إجراء الانتخابات.

خامسا: تشكيل هيئة عليا مستقلّة عن الحكومة تتولى التنظيم والإشراف على الانتخابات الرّئاسية، مع إعلان النتائج.

سادساً: تعديل قانون الانتخابات الحالي ولو في جزئه المتعلق بانتخابات الرئاسة.

وبناء عليه، فإنّ الجيش سيجد نفسه مجدّداً مجبراً على التفاوض بطريقة أو بأخرى مع الحراك من أجل حلٍّ توافقي قبل انقضاء المرحلة الانتقالية الدستورية، التي ستصل حدودها التاريخية في الرابع من يوليو تموز 2019، هذا، إذا أراد تجنيب البلاد ويلاتِ الانسداد السياسي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي