تواجه حملة المقاطة B.D.S حملة مضادة تهدف إلى تشويهها، وذلك بالخلط بين مفهومين غير متداخلين هما معاداة السامية وانتقاد إسرائيل.

قبل أيام عدة، خرج علينا البرلمان الألماني (البوندستاغ) بقرار غريب لا يمكن هضمه بالمعايير الديموقراطية، يقضي بربط حملة المقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) بمعاداة السامية -المحرّمة قانوناً في جميع بلدان الاتحاد الأوروبي- ومنع تمويلها من قبل مؤسسات الدولة أو تقديم التسهيلات (مثل قاعات البلدية) لفاعلياتها. وقد زعم القرار المعنون بـ"مقاومة حملة المقاطعة بشكل حاسم - مكافحة معاداة السامية" أن حجج الحملة وأساليبها معادية للسامية.

شَكّل هذا القرار مفاجأة لكثير من نشطاء الحملة ومناصري القضية، فحملة المقاطعة منذ يومها الأول كان سقفها بوضوح مرتبطاً بالقانون الدولي والمطالبة بتطبيقه. وكانت أهدافها منذ يومها الأول إلى يومنا هذا هي تطبيق القانون الدولي ومن ضمن ذلك عودة اللاجئين الفلسطينيين، وتحقيق المساواة الكاملة بين عرب الـ48 واليهود.

والتزمت الحركة خطاً مدنياً صارماً يعتمد على التظاهر السلمي وحملات التوعية والضغط وتماشت مع قوانين البلدان الأوروبية، بل إن كثيراً من نشطائها هم من اليهود المناهضين للسياسات الإسرائيلية.

ومما زاد من الغرابة والاستهجان هو أن غالية الأحزاب الرئيسية في البوندستاغ قامت بالتصويت لصالح القرار، باستثناء حزب "داي لنكه" من أقصى اليسار، والذي سنعود للحديث حوله لاحقاً.

كان هذا القرار هو الأول من نوعه في ربط الحملة بمعاداة السامية، وكان ربطه بين دعوة حملة "المقاطعة" لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية بالدعوات النازية لمقاطعة اليهود في ثلاثينيات القرن المنصرم، إلا تجسيداً لحالة "الاستهبال الرسمي" في الحالة الألمانية فيما يتعلق بإسرائيل.

لماذا؟ بين سطوة الماضي وخنوع الحاضر

تخلل الجلسة التي مر فيها القرار الكثير من اللغط والثرثرة حول ما إذا كانت المقاطعة أمراً مسموحاً به في النظم الديموقراطية، واستمر النواب بمناقضة أحاديثهم بطريقة توحي بأنهم مصممون على إدانة الحملة، وربطها بمعاداة السامية على الرغم من قناعتهم بعكس ذلك. ومن المثير للسخرية أن إجماعاً نادراً حدث بين أحزاب اليمين واليسار حول دعم هذا القرار، ومن ضمنهم حزب "البديل لألمانيا" اليميني المتطرف والمعادي للمهاجرين. فكيف يمكننا تفسير هذا الإجماع؟

من الواضح أن ألمانيا لا تزال حبيسة ماضيها النازي. فمن جهة تتطرف في محاولة التنصل من ذلك الماضي، والتكفير عن خطاياها فيه عبر تقديم الدعم لإسرائيل. ومن جهة أخرى تحاول بعض قواها التعبير عن الحنين إلى الماضي العنصري، ولكن من خلال إعادة توجيه هذه العنصرية نحو المهاجرين والمسلمين، بدلاً عن اليهود.

من المفهوم أن يرغب الألمان بالتكفير عن ذنوب الماضي، إلا أنه من الصعب تفهّم أن يتم التكفير عن خطيئة ما عبر ارتكاب أخرى! ولعله من البديهي التساؤل عن سبب أن يتم تكفير هذه الخطايا عبر دعم إسرائيل سيئة الصيت لدى شرائح أوروبية تتسع يوماً بعد يوم، بدلاً من تعويض اليهود حول العالم، ونصفهم لا علاقة له بإسرائيل، وكثير منهم ناشط في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.

لعل ما سبق يفسر سبب الدعم الألماني الأعمى لإسرائيل، إلا أنه من السذاجة بمكان، أن نظن أن هذا القرار أتى في سياق ألماني خالص.

من الواضح أن المنظومة الدولية تتجه نحو التواطئ مع ما يتم تداوله عن "صفقة القرن" -أو على الأقل السكوت عنها. وكما هو معلوم، تقوم الصفقة على إغلاق ملفات القضية الفلسطيينة بدءاً من القدس، ومروراً باللاجئين، ووصولاً إلى فكرة الدولة الفلسطينية.

إلا أن هناك إشكالية عالقة بالنسبة لإسرائيل، وهي علاقتها الوجودية بالغرب، والتي تعرف إسرائيل جيداً أنه يستحيل أن تستمر في غرورها من دون تلك العلاقة. وهنا يأتي دور هذه الحملة وأخواتها. لعل الحملة لم تنجح بشكل كبير في الترويج للمقاطعة الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل، إلا أنها حققت نجاحاً محورياً، وهو كسرها لاحتكار الرواية الإسرائيلية المزورة، وإعادة تعريف الصراع على حقيقته: أنه صراع بين مُستعمر استعبد سكان الأرض الأصليين، وعمل على طمس هويتهم السياسية والثقافية، وأسس نظام أبارثايد عنصري على تلك الأرض.

وهذا ما دقت إسرائيل له نواقيس الخطر، واعتبره مؤتمر هرتزل خطراً وجودياً، وأسس له نتنياهو وزارة كاملة هي وزارة الشؤون الاستراتيجية. لذلك عملت إسرائيل جاهدة عبر لوبياتها لتجريم ما سمّته بـ"جهود نزع الشرعية" وخصصت استراتيجيات بميزانيات كبيرة للقيام بما أسموه: "نزع الشرعية عن نازعي الشرعية"، ومن هنا أتت فكرة قرار البوندستاغ!

ولم تكن هذه محاولة يتيمة لحظر الحملة، فقد قام البرلمان السويسري عام 2017 بتمرير قرار يقضي بمنع تمويل الحملة من مؤسسات الدولة، واعتبرت حملة المقاطعة شكلاً من أشكال العنصرية إلا أنها قامت بشطب التسمية الصريحة للحملة لاحقاً. وحالياً تشهد مقاطعات الولايات المتحدة موجة من محاولة حظر الحملة.

ماذا يعني ذلك للقضية الفلسطينية؟

رحّب نتنياهو قطعاً بالقرار. ولكن نتنياهو لم يكن يوماً حريصاً على مصالح الأقليات اليهودية في الغرب، ولطالما زايدَ عليهم هو ووالده وجدّه في كتاباتهم لعدم قدومهم لما سمّاه "أرض اسرائيل"، فقد تحالف مراراً مع قادة أوروبيين معروفين بمعاداتهم للسامية. إلا أن هذا القرار هو دفعة معنوية لنتنياهو ليستمر في دعم الاستيطان بل وضم المستوطنات رسمياً إلى السيادة الإسرائيلية.

وسيفتح هذا القرار الباب لتجريم حتى انتقاد الجرائم الإسرائيلية، وقد يلهم المزيد من الدول الأوروبية لتبنّي إجراءات متطرفة وعنصرية مثل هذا القرار.

وعلى الرغم من إضرار هذا القرار بالقضية والحقوق الفلسطينية، إلا أنه ولا شك سيضرّ بالديموقراطية الألمانية، ويفتح الباب لمزيد من كبح الحريات وتدخّل الدولة في المجتمع المدني. لقد كافحت أوروبا طويلاً لتصل إلى منظومة الحريات هذه، وها نحن نراها تهدمها بنفسها لعيون دولة عنصرية قامت على التطهير العرقي، وأسست نظاماً عنصرياً يستفحل يوماً بعد يوم.

سيف ذو حدّين

لقد كتبت مسبقاً عن أن توسعة تعريف معاداة السامية ستضعف من قيمته أولاً، وتحقق عكس المرغوب منه ثانياً. فبداية، سيصعب على أي عقل متحرر من البروباغندا الصهوينية أن يستوعب كيف أن حملة مدنية سلمية تطالب بتحقيق القانون الدولي، والمساواة، وكثير من نشطاءها هم يهود، يمكن أن تصنف بأنها معاداة للسامية.

وثانياً، ألن يشعر الأوروبيون بالاستحمار حينما يرون أن حقهم المكفول دستورياً يتم تقييده شيئاً فشيئاً بسبب دولة الاحتلال؟ ألن ُيشعل ذلك مشاعر الكراهية؟ وعلينا ألا ننسى أن معاداة اليهود لم تنتهِ في أوروبا، أفلن تغذّي هذه القرارات تلك المشاعر من جديد؟

وختاماً، لعل الألمان لا يزالون يرغبون في التكفير عن خطايا الماضي، إلا أن ماضيهم فيه دعم الأبارثايد في جنوب أفريقيا كذلك، ولعل التكفير عنه يقتضي على أقل تقدير عدم دعمه في فلسطين. إن هذا القرار وأخواته هو خطوة خطيرة متواطئة مع صفقة القرن، وينبغي التحرك دولياً عبر أدوات الأمم المتحدة وعبر الأدوات المحلية، وأولها المحاكم الألمانية للطعن في دستورية هذا التوجه ومشروعيته.

إن حملات المقاطعة تقف وحيدة مكشوفة الظهر بعدما تركتها الحكومات العربية المهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي