الشارع العربي لم يمت، فمحفّزات الثورات التي انطلقت قبل ثماني سنوات مازالت حاضرة، وأهمها الرغبة في التغيير. إن الثورات لا تحدُث دفعة واحدة، وإنما على دفعات، وهي استمرارية أكثر من كونها حدثاً. لذلك فإن مدىً جديداً من الاحتجاجات ربما يكون على الأبواب.

قبل عشر سنوات من الآن أصدرتُ كتاباً عن "سوسيولوجيا الحركات الاحتجاجية"، بعنوان فرعي اعتبره آلُ الجماعة العلمية "قراءةً للكفّ أو الطّالع السياسي"، فيما ارتأيتُه محاولةً على درب الاستشراف؛ إذ اعتبرت ما يحدث من هزّات اجتماعية مغربياً وعربياً، "مُؤشراتٍ للاحتقان ومقدماتٍ للسُّخط الشعبي"، لم تمضِ ثلاث سنوات على إطلاق ذات التوصيف، حتى لاحت احتمالات الربيع الديمقراطي، تُربك حسابات أجهزة فُلَّت من حديد ونار، وتؤكد أن الشارع العربي لم يمتْ، وأنه قادر على إعادة كتابة تاريخ الأنساق المجبولة على الموالاة وإعادة الإنتاج.

الشارع العربي لم يمتْ، إنه يدفع باتجاه تغيير قواعد اللعب.

عبد الرحيم العطري

من ثورة البوعزيزي إلى جمعة الغضب، إلى "اليمن السعيد" و منه إلى "شام الياسمين" فـ"خضرة ليبيا وتونس"، ثم لتعرج الثورةُ نحو كل معاقل الاستبداد؛ حيث لا تغيير يحدث إلا بفضل "ديمقراطية عزرائيل"، ذات "الديمقراطية" التي تم التدخل فيها، لتستحيل غير مجدية بالمرة قبالة واقعة "التوريث" و "الرئاسة مدى الحياة وبعد الممات"، فالشارع العربي لم يمتْ، إنه يدفع باتجاه تغيير "قواعد اللعب".

واهمٌ إذاً من شيّع الشارع العربي إلى مثواه الأخير، إنه يعيد بناء اللحظة الهادرة من الماء إلى الماء، بما أوتي من "ضعف" قبالة الجلاد، و بما أوتي من "سخط متراكم"، ودّع -على إثر انفجاره- كلَّ ممكنات الخنوع والاستسلام، فمهما أمعنت الأجهزة القمعية والإيديولوجية في التنكيل بالجماهير الشعبية، فقد كانت الكلمة للشعب ولدساتيره التأسيسية الجديدة.

"الريس مبارك" الذي بلغ من العمر 82 سنة، وأمضى في الرئاسة 30 سنة، لم يتردد في وصف الغضب العاصف بأرض الكنانة، وأنه من فعل وتوضيب "فاعل"، دوماً نظرية المؤامرة هي السلاح الذي يواجه به الحاكم العربي انتفاضة الشعوب، و كأن هذه الأخيرة لا يحقُّ لها الصراخ، وحدها عيادة طبيب الأسنان، المكان الوحيد الذي يسمح لها فيه بفتح أفواهها.

المثير في ردود فعل الحاكم العربي على تحركات الشارع هو اللجوء إلى التزييف، والدخول في حرب إعلامية خاسرة، فبعد انحراق البوعزيزي لم يتردد التلفزيون الرسمي التونسي في التقليل من شأن ذلك السلوك الانحراقي الاحتجاجي وما حظي به من تضامنات من مختلف حساسيّات المجتمع التونسي.

حربٌ إعلامية يراد من خلالها تسويق الأطروحة الواحدة، ونفي كل أطروحة مضادة، فالحاكم العربي هو أول من شيّع الشارع العربي إلى مثواه الأخير، ولهذا باتت تزعجه صورة استيقاظه المتأخرة طبعاً، لكن لا ينبغي أن ننسى أهم درس في الفلسفة، وهو أن من يصل أخيراً هو من يفوز حتماً في السباق.

المثير في ردود فعل الحاكم العربي على تحركات الشارع هو اللجوء إلى التزييف، والدخول في حرب إعلامية خاسرة.

عبد الرحيم العطري

ما بين انطلاق الثورة وبروز الثورة المضادة، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وبدا واضحاً أن "القديم لا ينسحب كلياً، وأن الجديد لا يولد من فراغ"، ثمَّة استمراريات تؤكد تحوير الربيع العربي، وانْسِرَاقِهِ من شبابه وشيبه الذيْن خرجا"من أجل تلك اللحظة التاريخية".

القراءة الهادئة لما حدث تدعو إلى عدم تبني فرضية الثورة الناجزة، وفقاً لما نحتته أدبيات الثورات، فما حدث في العالم العربي، يمكن توصيفه بالرجَّة، بالربيع، بالحركة الاحتجاجية. أما الثورة فذلكم توصيف مثالي في تقديره وتمثِّله لما حدث ويحدث، إنها هزات اجتماعية كبرى، لم تستطعْ تثوير ممارستها لاعتبارات عدة، تتصل بِعُسر الانتقال من القبيلة إلى الدولة، مع ما يعنيه هذا العُسر من استمرار لبنية العلاقات التراتبية والاستزلامية، والتي تؤجل التغيير وتُحُدُّ من فعالية الخروج عن طوع السائد.

ليست ثورة؛ لأنها لم تحدِث القطيعة مع الفائت، بل عملت على"ترميق" و "توليف" اللحظة التاريخية، وإعادة صوغ الراهن في عَبَاءَةِ الفائت، إنه التغيير ضمن نسق الاستمرارية، كما أنها ليست ثورة لغياب طبقة متوسطة قادرة على دعمها وتوطيدها، ما جعل منها نهايةً مجرد رجَّات ربيع ديمقراطي، قد تزهر عدالة ومساواة، وقد تنتج "استبدادات" جديدةً بمساحيق ومراهم مختلفة.

إن المواطن العربي الذي يخرج اليوم محتجّاً في الشارع، وقبل أن يكون منشغلاً بالتعديلات الدستورية وإسقاط الفساد و رموزه، فإنه منشغل أولاً بخبزه اليوميّ، بإنهاء "الحكرة" التي يتعرّض لها، إنه يريد مواطنة كاملة غير منقوصة، يريد علاجاً بالمجان، تعليماً في المستوى، أسعاراً معقولة، أجوراً محترمة، وسكناً غير حَاطٍّ بالكرامة...، إنه يريد وطناً آخر ترفع فيه الأجور وتنتهي من جنباته "الحكرة" والظلم والتهميش، ويصير فيه بالإمكان الحديث عن طبقة متوسطة، ويستشعر فيه، وهذا هو الأساس، ممكنات الهوية والانتماء إلى سجل المواطنين لا "الرعايا".

المواطن العربي الذي يخرج اليوم محتجّاً في الشارع وقبل أن يكون منشغلاً بالتعديلات الدستورية وإسقاط الفساد و رموزه فإنه منشغل أولاً بخبزه اليوميّ وبإنهاء "الحكرة" التي يتعرّض لها.

عبد الرحيم العطري

مهما أمعن الحاكم في التعتيم، مهما غالى في التنكيل، فإن الافتراضي يصنع الحدث ويزيح "القناع عن القناع"، ففي الفايس بوك والتويتر و اليوتوب والديلي موشن ... في تلك الغابات الافتراضية تنكتب احتمالات الواقعي؛ فثورة تونس وجمعة الغضب وحركة 20 فبراير، لم يُخططْ لها في دكاكين الأحزاب السياسية، بل خُطط لها في أنسجة العنكبوت السيليكوني، في أودية ومغارات النت تمَّ التأسيس لخطاب ثوري رافضٍ لمنطق اللعبة القائمة، و راغبٍ بالأساس في إعادة توزيع الثروة وتجذير العدالة الاجتماعية، بعيداً عن "الحكرة"، قريبا من الكرامة و المواطنة.

مرة أخرى لا بأس أن ندعو مالكي وسائل الإنتاج والإكراه في السجل العربي إلى ممارسة نوع من "الجمناز الفكري"، إلى قراءة الواقع بعين ثالثة، أملاً في الاقتناع بأن ما يحدث الآن من هزات اجتماعية جديدة، هو "مُؤشرات للاحتقان ومقدمات للسخط الشعبي"، مُرشحةٌ وبامتياز، لتنتج "تسونامياً" قاتلاً، يأتي على الأخضر واليابس.

إن ما يحدث الآن من هزات اجتماعية جديدة في الوطن العربي هو مُؤشرات للاحتقان ومقدمات للسخط الشعبي مُرشحةٌ لتنتج تسونامياً قاتلاً يأتي على الأخضر واليابس.

عبد الرحيم العطري

لقد ارتفع سقف المطالب، مثلما تغيرت لغة الاحتجاج، فبعد أن كان المواطن المغلوب على أمره، ينتصر للغة الصاد (الصمت والصبر) لتدبير آهاته وزفراته الساخطة، نجده لا يتردد في الخروج محتجّاً، بمطالب راديكالية. فلم تعدْ مؤسسات الوساطة من أحزاب و "إعلام رسمي" وتنظيمات موالية، قادرة على تذويب النزاعات وإعادة المياه إلى مجاريها الطبيعية وغير الطبيعية.

إن التمويه والتضليل السياسي هما الأكثر حضوراً اليوم، والمقاربة القطاعية الضيقة هي العملة الأكثر رواجاً في معالجة الاختلالات الاجتماعية، وسياسات الاختزال والتسكين المؤقت، كلها ممارسات نكاد نصادفها في مختلف الميادين، والنتيجة طبعاً وطن عربي بطعم الهشاشة والاحتقان، ما زال مواطنوه -بل رعاياه- في المحيط، كما في الخليج الهادر يجدون صعوبة بالغة في الوصول إلى قطرة ماء أو مركز صحي أو عمل أو كسرة خبز لهزْم الجوع وحفظ بعض ذرات الكرامة.

فالمغرب العربي ما زال يهدي لمقبرة البحر المتوسط مئات الشباب سنوياً، وشرق أوسط الوطن العربي ما زال يهدر طاقاته الشابة جراء تقعيد العطالة وتكريسها، وما زال ينضبط لتدبير سياسي معطوب واستنزاف حربي لا مبرر، وطن عربي بهذا الوضع المأزقي، يكتب -حتماً- ملامح سناريو احتجاجي جديد تحت مسمى "التسونامي العربي"، بما تعنيه هذه الواقعة الطبيعية من خراب وآلام وتدمير.

في الوقت الذي انفرطت فيه سبحة الأمل، وصارت الحوقلة لسان الجميع، أبى الشاب البوعزيزي إلا أن يغير الأفهام ويُربك الحسابات، ويقول للجميع: "إن الشارع العربي لم يمتْ"، ويقول أيضاً على لسان معين بسيسو بأن "الشارع الدامي لنا مهما رشوا عليه من جنود"، و أنْ لا أحد بمقدوره إيقاف زحف الربيع.

فما زالت في هذا الشارع قلوب تنبض، يمكن أن تفلّ نظاماً من حديد، وأن تقدِّم الدرس تلو الدرس، للذين يستخفون بالقاع الاجتماعي، فالدرس التونسي وبعده المصري أكبر من أن ينسى، إنه يعيدنا إلى تفاصيلنا الصغيرة، إلى يقينياتنا المتخشبة، إلى أفكارنا المتكلسة؛ لنعيد النظر في أسلوب القراءة والتحليل، عسانا نستوعب الدرس، حتى نوقف التسونامي القادم بأقل الخسائر الممكنة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي