لا يُعد التعليم ترفاً بالنسبة إلى المجتمعات الإنسانية، بل هو المحفز الأساس للتنمية، وللتطور، وللإنتاج المعرفي. والتعليم بمفهومه العام لا يقتصر على تحصيل المعلومة بل في كيفية توليدها، لذلك يعد اختيار أسلوب التعليم الأفضل غاية في الأهمية.

على مدار القرن العشرين للآن، استحوذت قضية التعليم على مساحة حيوية من النقاش المتداول في الحيّز العام ضمن السياسات التحديثية والتنموية، لاسيما أن نسب الأمية الأبجدية في معظم بلدان المنطقة العربية حتى العشرينات كانت قد تجاوزت نسبة 90%، ويصادف أن يوم 8يناير/كانون الثاني يُحتفل فيه بما يُسمى "اليوم العربي لمحو الأمية" بناءً على قرار الجامعة العربية عام 1970، ومازالت النسب عالية، تقارب 25% في بعض البلدان مثل اليمن والمغرب ومصر والسودان.

إذن، من الضروري تحليل ديناميات الثقافة الشفاهية المتولّدة عن المجتمعات الأمية التي لم نقطع بها الوصل تماماً، وتفكيك كيفية تواشجها في النظم التعليمية الحديثة التي تخبرنا على مستوى الظاهر بأننا انتقلنا إلى مرحلة الثقافة الكتابية المعتمدة على النص؛ ما يعني أننا نعاين نمطاً معرفيّاً مزدوجاً، يجمع على نحو مؤثر بين محتوى كتابي حداثي "أي النص"، وقالب تقليدي شفاهي مؤسس على الكلمة والذاكرة.

برغم أننا نعيش عصر ما بعد الكتابة والفضاءات الرقمية فإننا حديثو العهد بعمليات محو الأمية ونعاني من تباينات تفصل بين ثلاث عمليات: النص في قاعة الدرس، وطرق النص وتقنيات تدريسه، ثم ممارسته في الواقع المعيش.

إيمان النمر

في الآونة الأخيرة تداول الآلاف من رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يُنسب لمُدرّس فلسفة مصري يُدرّس لتلاميذه بالمرحلة الثانوية، أحد موضوعات منهج الفلسفة، بعنوان "البيوتيقا" الذي يعني منظومة الأخلاق البيولوجية، بأساليب شفاهية تعتمد على الإيقاع الحركي والصيغ الوزنية المستعارة من بعض الأغاني الشعبية الشهيرة، كما قام بعملية دمج بين كلمات الأغنية والأفكار الأساسية الخاصة بموضوعه في تركيبة لغويّة عاميّة يسهل حفظها واستدعاؤها، ثم لقّنَها لتلاميذه بأداءات مسرحية انفعالية، وقاموا هم بالترديد كفريق "كورال" موسيقي، ما شجّع آخرين على أن يجاهروا بتجاربهم التعليمية المماثلة التي أثارت السخرية والجدل على منصّات الإعلام الرقمي والتقليدي.

كانت تلك الأساليب بمثابة مكاشفة صادمة وليست بجديدة؛ إذ من البديهي أن أغلب نظم التعليم العربية تعتمد بشكل أساسي على عملية التلقين العقيمة في كل مراحلها، بدءاً من دور رياض الأطفال وصولاً إلى الجامعة، ما يتطلب الالتزام بالأساليب الشفاهية التي تهدف إلى ضمان فاعلية تخزين المعرفة واستدعائها، مثل التكرار المعلوماتي المستمر، في سياق صيغ وقوالب جاهزة مصحوبة بالحركة اللفظية، ومشحونة بالدلالات الانفعالية المرتكزة على الصوت الجماعي الملحّن، والمعاينة الحسّية. ولو أن مدرّس الفسلفة هذا أو أيّ معلم كان، اعتمد على لحن غنائي وسياق غنائي مقبولين اجتماعيّاً، غير هذا السياق الوزني واللحني المرتبط بالأغاني الشعبية التي يُنظر لها بازدراء وموضع دنس لا يليق بقداسة العملية التعليمية، وصورة الُمعلم الذهنية القارّة في الوعي الجمعي، لتمّ استساغة عمله وشُكر عليه.

في الثقافة الشفاهية لم يُنزعْ السّحر من الكلمة على نحوٍ تام، ولا زالت تحتفظ بهيمنتها في تشكيل أنماط التعبير والسلوك وعمليات التفكير؛ وفي ظلها "المرء لا يعرف إلا ما يمكنه تذكره" بحسب والتر أونج في كتابه"الشفاهية والكتابية"، وبرغم أننا نعيش عصر ما بعد الكتابة، والفضاءات الرقمية المفتوحة، فإننا-كما سبق وذكرنا-حديثو العهد بعمليات محو الأمية، ونعاني من تباينات تفصل بين ثلاث عمليات: النص في قاعة الدرس، وطرق النص وتقنيات تدريسه، ثم ممارسته في الواقع المعيش.

وإذا دققنا في كيفية نشأة نظم التعليم في مجتمعاتنا على مداها التاريخي القصير، سيتضح أنها لم تكن نتاج فلسفات تعزّز أنماط التفكير الفردي، ولم يوازيها ثورة في أنماط الإنتاج وعلاقاته الاقتصادية والاجتماعية، كما حدث في المجتمعات الغربية التي دخلت مرحلة الكتابية منذ قرون مضت، ما ضمن فاعلية النص الكتابي وصيرورته على نحو جعل الفرد دائماً في مواجهة النص، وانتقل به من مرحلة الرمز والكلمة والجماعة إلى مستوىً معرفيٍّ آخر يدعم الذاتية والتفكير المجرد.

إذا دققنا في كيفية نشأة نظم التعليم في مجتمعاتنا على مداها التاريخي القصير، سيتضح أنها لم تكن نتاج فلسفات تعزّز أنماط التفكير الفردي، ولم يوازيها ثورة في أنماط الإنتاج وعلاقاته الاقتصادية والاجتماعية.

إيمان النمر

على النقيض، خضعت نظمنا التعليمية لعمليات التكييف الممنهجة من قِبل الحكام والطبقات الاجتماعية التابعة، ثم سياسات الاستعمار والجماعات الدينية والتقدُّمية التي رفعت شعارات القومية والهويّة والتنمية؛ لذا كان الحفاظ على استمرارية الثقافة الشفاهية ضرورةً كإطار يدعم أواصر الجماعة وتقوية وجدانها، وربطها بالماضي والأسلاف، وسِحر الكلمة التي لا تخلو من الإطناب والتبجيل والحفاوة بالكبير والزعيم، بما يضمن التجانس العضوي، والولاء للأمة، وخضوع الفاعلين الاجتماعيين حدّ الطاعة والتقديس لقاداتهم.

واللافت للانتباه أن أغلب الحداثيين الذين تولّوا رسم سياسات التعليم قد أيّدوا تلك المناهج المؤدلجة وعززوا برؤاهم تلك الأساليب المتبعة، ثم عادوا على وجه مناقضٍ، وأعتنقوا الرؤية الاستشراقية التي تصم العقل العربي بالغرائبية والبلادة والخنوع!

أيضاً نشأت نظمنا التعليمية في ظل نظام طبقي تراتبي يدعم الطبقات العليا، إلى أن استجابت الطبقات الدنيا للسياسات التنموية في عهد الحكام القوميين، تطلُّعاً لتحسين اشتراطات طبقتهم الثقافية والمهنية وتعزيز الأمان الاجتماعي، وحين انفتحت المنطقة العربية على السياسات النيوليبرالية بداية من السبعينات، خضع التعليم للنزعة الاستهلاكية المجردة من القيمة، وعاد توظيفه في تدعيم الفوارق الطبقية كعنصر تنافسي على نحو استعراضي، حتى بين الطبقة الوسطى نفسها من خلال تقسيم الكليات بحسب ضمانها المهني ومردودها المادي؛ إذ أصبحت الكليات النظرية مجرد فوارغ لامتصاص التكدُّس الطلابي في المدارس الثانوية، ووفقاً لاحتياجات سوق العمل وسياساته، أصبح خريجو تلك الكليات بلا عمل، وبالتبعية بدون مكانة اجتماعية ولا قيمة معرفية.

وهذا ما يفتح باب السؤال على: أين يقف التعليم في بلداننا العربية من المصنع والمعمل والشركة وإنتاج المعرفة، والغرب يمتلك نسبة 97% من براءات الاختراع؟

لماذا نفكر في النص وننفتح عليه، ونعي بذاتنا وأجسادنا ونسقنا البيولوجي في ظل أنظمة سياسية ديكتاتورية تهمش الوعي الحرّ وتسجنه، ونظم اقتصادية معولمة لا تعني بقيمة الفرد لذاته إذا كان فقيراً معدماً؟

لماذا نحاكم مدرس فلسفة البيوتيقا؟ وما الفرق إذا درسها للطلاب بالتمام كما ينبغي أن يكون، أو أنشدها مع تلاميذه وهو يرقص على نغمة "تيكا تيكا" إذا كان النظام الحاكم والأسري يريد فقط من أبنائه أن يحملوا شهادة تحفظ ماء وجههم الاجتماعي شرط قيدهم بالطاعة والخضوع؟!

أغلب الحداثيين الذين تولّوا رسم سياسات التعليم أيّدوا تلك المناهج المؤدلجة وعززوا تلك الأساليب المتبعة، ثم على وجه مناقضٍ، واعتنقوا الرؤية الاستشراقية.

إيمان النمر

جدير بالذكر أن عملية التلقين الجماعي بغية فهم النص تساهم في تعميق إحساس الطالب بالاغتراب عن النص والخشية من النص الذي يدرسه، وتضفي القداسة على الوسيط؛ سواءً كان المعلم أو غيره. وتذكر"إيفان ايليتش"أن النص المكتوب ما هو إلا تقنية لتسجيل أصوات الكلام في شكل مرئي، إلا أن العين البشرية، وعلى امتداد ما يزيد عن ألفي عام لم تتمكن وحدها من فك شفرة هذا التسجيل؛ لذلك كان النظام التعليمي في المجتمعات القديمة حديثة العهد بالكتابة، خصوصاً بالمدارس الدينية يُلزم بالقراءة الجهرية لتدعيم سلطة النص داخل الوجدان الجماعي وفهمه بما يتفق معه، إلى أن تطورت الممارسة القرائية وأمكن تأويل النص بعدة أوجه، مما ساهم في تحرر الفرد والنص معاً من احتكار أي سلطة.

وللغة النص فاعلية في توجيه أنماط السلوك والفكر، فتدريس النص باللهجة المحلية والأسلوب المنطوق به في عملية التلقين يناقض لغته الفصحي المدوَّن بها؛ ما يجعله ذا وقع سمعي منبوذ في المجال العام، وممارسته ضرباً من ضروب السخرية أو الاستعلاء، وحتى على منصات التواصل الاجتماعي التي حررت المجال الكتابي، نلاحظ تلك الإشكالية بشكل جليّ، يساهم في ابتعاد المسافات بين المثقف المتحدث بنصٍّ يلتزم بالمعايير الأبجدية السليمة، والعقل الجمعي الذي يحتفي بالكلمة المسموعة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي