التقرير الأممي الذي صدر مؤخراً حول ظروف اعتقال الرئيس المصري المنتخب ديمقراطيّاً محمد مرسي وظروف وفاته لا يُدين مصر وحسب، بل والغرب أيضاً.

"اكتشفت" الأمم المتحدة فجأة أن الرئيس المصري الشهيد محمد مرسي اعتُقل في ظروف وحشية أدّت إلى مقتله، لا سيما طوال فترة احتجازه لمدة خمس سنوات في مجمع سجن طرة جنوبيّ العاصمة القاهرة. وقالت المشرفة على هذا التقرير أغنس كالامارد، المقررة الخاصة للأمم المتحدة بالإعدامات التعسفية خارج نطاق القضاء في الثامن من الشهر الحالي، إن "آلاف المحتجَزين الآخرين في مصر قد يكونون معرَّضين لخروقات عديدة لحقوقهم الإنسانية، وحياة العديد منهم قد تكون مهدَّدة بدرجة عالية".

وفي التقرير الأول من نوعه لمحققين أممين صدر بعد نحو خمسة أشهُر من استشهاد الرئيس مرسي على يد جلادي الرئيس المغتصب للسلطة عبد الفتاح السيسي، رجّح الخبراء أن تكون هذه الظروف أدّت "مباشرة إلى وفاة مرسي، كما أنها تعرّض حياة المعتقلين لخطر شديد"، مشددين على ضرورة أن "تقوم مصر على الفور بإصلاح الأوضاع في سجونها، ووقف الاحتجاز التعسفي والتعذيب أو سوء المعاملة، والحق في المحاكمة العادلة، والحصول على الرعاية الطبية الكافية".

صمت أممي مطبق

ورغم الرسائل الخجولة التي قالت الأمم المتحدة إنها أرسلتها إلى نظام السيسي عن الرئيس الشهيد، فإن ذلك يكشف حجم نفاق هذه المؤسسة الدولية التي اعترفت بأنها كانت تعلم أن الرئيس الشهيد كان محتجَزاً في حبس انفرادي لمدة 23 ساعة في اليوم، ولم يُسمح له برؤية سجناء آخرين حتى في الساعة الوحيدة التي كان يُسمح له فيها بالتحرك خارجاً.

كما أُجبِر على النوم على أرضية خرسانية مع بطانية أو بطانيتين فقط للحماية، ولم يُسمح له بالوصول إلى كتب أو صحف أو موادَّ مكتوبة أو راديو. هذا فضلاً عن حرمانه من أدوية منقذة للحياة وافتقاره إلى العناية الطبية، بخاصة وهو مصاب بمرض السكري وضغط الدم المرتفع.

وإذا كانت هذه المؤسسة الدولية صادقة في ما تقول، فأين كانت عندما فقد مرسي بصره تدريجيّاً في عينه اليسرى، وتعرض لغيبوبة السكري المتكررة والإغماء مراراً وتكراراً، وأصيب بالعديد من حالات تسوُّس الأسنان والتهابات اللثة (كما قالت اللجنة).

ألم تكُن هذه المؤسسة تملك من الوسائل والآليات ما يمكّنها من وقف ما يجري، ومخاطبة الدول المعنية بما يجري أو على الأقل إصدار بيان إدانة للجنة حقوق الإنسان؟ ولماذا صبرت حتى بعد الوفاة بخمسة أشهُر لتصدر تقريرها؟

وما عُلم عن مرسي لم يُعلم عن غيره من أكثر من 500 شهيد ماتوا تحت التعذيب الوحشي بسجن المجرم السيسي! كما يواجه نحو 70 ألفاً من المعتقلين مصيراً مماثلاً.

ووثقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات 86 حالة تعذيب بمقرات الاحتجاز، وذلك بين عامَي2017 و2018 فقط.

وكشفت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا في تقرير بعنوان "خمس سنوات من القهر والإخضاع" مقتل 3110 أشخاص خارج إطار القانون منذ انقلاب يوليو 2013 حتى يوليو 2018. وفي سيناء بلغ عدد القتلى من المدنيين 4010 أشخاص، منهم 3709 قال عنهم الجيش إنهم قُتلوا نتيجة مواجهات، والبقية قتلوا بصورة عشوائية دون أن يُفتح أي تحقيق.

وتذكر منظمتا العفو الدولية وأمنستي، في تقاريرهما الحديثة، كيف أن العنف والقمع في مصر بات الأسوأ في تاريخ مصر الحديث، وأنها تحولت إلى "أكبر سجن في الهواء الطلق حول العالم".

موقف غربي مُخزٍ

ولا تتمتع الأمم المتحدة بالاستقلالية كما هو معلوم، فهي محكومة بالدول الخمس دائمة العضوية، وعلى رأسها أمريكا التي صمتت عن الانقلاب ودعمته سرّاً مع الدول الغربية التي تتشدق بحقوق الإنسان.

كما صمتت هذه الدول عن مقتل مرسي إلى درجة وصف فيها روبرت فيسك في مقاله في الميدل إيست آي الموقف الغربي من وفاة مرسي بأنه "كان صامتاً بشكل تامّ كما هو حال مرسي الآن في قبره، فلا كلمة ولا تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي".

وأضاف فيسك المختص بشؤون الشرق الأوسط، في مقاله بتاريخ 21 يونيو/حزيران متهكماً: "رائع! لقد كان رد فعلنا على وفاة الرئيس محمد مرسي داخل قفص المحاكمة في القاهرة شجاعاً، وربما من المرهق لي أن أعرض عبارات الحداد والتعازي والفزع والإدانات الساخطة التي تصمّ الآذان لوفاة الرئيس الوحيد المنتخب بشكل ديمقراطي في تاريخ مصر".

وما كانت لتستطيع الأمم المتحدة إدانة نظام السيسي دون الغرب الذي يرى فيه حائط صد ضد الإسلام السياسي، وما يمكنه أن يفعل بالمنطقة ويحررها من الانعتاق للغرب ويشكل تهديداً لوجود طفلهم المدلل إسرائيل.

كانت هذه الدول تراقب ولا تزال انتهاكات السيسي لحقوق الإنسان ومجازره من رابعة حتى الآن، ولكنها كانت تحجم عن إدانتها وتستخدمها بدلاً من ذلك لإخضاع نظام السيسي الفاسد -وغيره من الأنظمة التي تدعمه- لرغباتها، خصوصاً ما تعلق منها بأمن إسرائيل وبعملية التسوية التي تخضع لشروط العدو.

لقد أصبح الإسلام السياسي بُعبُعاً عند الغرب يجب ردعه ووَقْف تمدُّده وإجهاض تحركاته السياسية وهيمنته على ثورات الربيع العربي، إلا أن ذلك لم يمنع الشعوب من استمرار النهوض للمطالبة بحقوقها، ورفض الطغيان والفساد كما جرى في الجزائر والعراق ولبنان.

أردوغان صدح بالحق.. فهل من آخرين؟

وهذا ما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن يتفرد في تصريحاته التي قالها في قمة العشرين في يونيو/حزيران الماضي في أوساكا باليابان، قائلاً إن تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة أغنيس كالامارد يوضّح العديد من الحقائق حول جريمة قتل الرئيس مرسي، الجريمة "بشكل جليّ".

وأشار إلى أن مرسي الذي حوكم على مدار 6 أعوام في محاكم الانقلاب، توفي بصورة مشبوهة في قاعة المحكمة في 16 يونيو/حزيران، مؤكدا أن "تصريحات الانقلابيين حول مرسي الذي تُرك للموت هناك دون أي تدخل لمدة نصف ساعة، بعيدة عن إراحة الضمائر".

وأعرب عن تطلعه إلى أن يدافع زعماء مجموعة العشرين عن الديمقراطية والقيم الإنسانية بصورة أكبر، معتبرا أن إفلات المتورطين في مثل هذه الحوادث من المحاسبة، يمثل خطراً على مستقبل العالم والديمقراطية والسياسة العالمية أيضاً.

وطوال الفترة التي حكم فيها السيسي حتى الآن، تميزت هذه الحقبة بأنها الأكثر قتامة في تاريخ مصر الحديث، فلا معارضة سياسية مسموحة ولا كلمة غير كلمة السيسي وإعلامه وقضائه وشرطته وجيشه. واضطُرّ المعارضون إلى اللجوء إلى المنافي، وظلت المعارضة ضعيفة وهزيلة، مما أتاح لهذا النظام الدموي أن يمارس إجرامه دون حسيب أو رقيب.

وتُعتبر الدول العربية بمعظمها متواطئة في هذه الجريمة لأنها تدعم النظام الانقلابي خوفاً على نفسها، إلا أن هذه الأنظمة نفسها لم تعُد بعيدة عن الثورات ولا في منأىً عنها، فقد ذاقت الشعوب العربية طعم الحرية مرة ومرات، ولا تزال تجري في دمائها أشواق الحرية. وحتى في مصر، فإن أحداثاً مقبلة في الطريق، وليحذر الذين يعادون الثورات من موجات جديدة تجرفهم وتقتصّ منهم كما فعلت قبلها بغيرهم. وإن غداً لناظره قريب.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي