مع فوز عبد المجيد تبون في الانتخابات الرئاسية في الجزائر، بات الحديث يتصاعد عن دور الجزائر الإقليمي خصوصاً بعد الانكفاء على نفسها طيلة المدة السابقة في ظل ملفات إقليمية شائكة ليس أقلها الأزمة الليبية.

"أصغ إلى الحراك" هكذا كانت النصيحة الموجهة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى نظيره الجزائري المنتخب عبد المجيد تبون، لافتاً انتباهه إلى الدينامية الثورية التي انطلقت ولم تهدأ حتى في أثناء الانتخابات. كما يذكّره بهذه النصيحة بالدور الفرنسي المركزي في الجزائر، وهو الدور المختلف عليه من قبل الجزائريين أنفسهم نخبا سياسية وثقافية وشعب.

ولكن هذه النصيحة الواردة في قالب تهنئة تحيل إلى أن الاهتمام الفرنسي بالجزائر لن يتغير وإن لم يرغب الجزائريون في ذلك وأن فرنسا لن تفرط في مصالحها في المستعمرات القديمة، كلفها الأمر ما كلف.

لكن الأسئلة المركزية التي تُطرح اليوم، ليس في الجزائر فحسب بل في المشهد المغاربي إجمالاً، لا تحوم حول العلاقة مع الضفة الأخرى للمتوسط وحسب، بل هي في صلب العمق الجزائري، ونعني طبعاً دول الجوار أو البلدان المغاربية، تونس ثم ليبيا والمغرب بدرجة أولى، وربما موريتانيا بدرجة أقل والمحيط الإقليمي الشامل عموماً.

وفي هذا السياق يحق لنا أن نطرح الأسئلة التالية: كيف سيتعاطي الرئيس الجديد القادم من رحم النظام، أي ابن النسق السياسي للدولة الجزائرية، مع السياسة الخارجية، وهو الذي اضطلع بجُلّ المناصب المتاحة فيها منذ عقود مع دول الجوار؟

المتظاهرون الجزائريون يخرجون إلى شوارع العاصمة الجزائر لرفض الانتخابات الرئاسية ، في الجزائر ، الخميس 12 ديسمبر 2019.
المتظاهرون الجزائريون يخرجون إلى شوارع العاصمة الجزائر لرفض الانتخابات الرئاسية ، في الجزائر ، الخميس 12 ديسمبر 2019. (AP)

وإذا كان الحراك الذي تواصل لشهور قد جعل الجزائر تنكب على وضعها الداخلي المرتبك، فهل يدشّن الرئيس "عهداً جديداً" يقوم على الانفتاح في علاقاته بأشقائه المغاربة؟

وهل يمكن أن تلقي القضايا الخلافية الموروثة بين البلدان المغاربية على إمكانية تأسيس علاقات متينة؟

وهل سيصغي السيد عبد المجيد تبون إلى خصوصية العلاقات العميقة القائمة مع تونس على سبيل المثال؟

أكّد الرئيس عبد المجيد تبون في أول تواصل له مع شعبه ومع كل المتابعين للشأن الجزائري التزامه التغيير والقدرة عليه. وهي قد تكون رسالة طمأنة للجميع، لكن إلى أي مدى سيكون الاستهلال الإيجابي مؤثراً على أرض الواقع؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام.

وفي سياق متصل بدا الموقف التونسي إيجابيّاً أو متسقاً على الأقل مع الأعراف الدبلوماسية ومع طبيعة العلاقة التقليدية بين البلدين من خلال مهاتفة الرئيس التونسي قيس سعيِّد للرئيس الجزائري المنتخب، التي تضمنت التعبير عن الآمال في تعزيز التعاون بين البلدين وفتح آفاق أكبر في هذا الصدد من أجل بناء مستقبل مشترك.

ولكن التعبيرات الودية والأماني التي غالباً ما تُنثَر أمام كل رئيس جديد لا تكفي وحدها في التعاطي مع الوقائع التي تعتبر على المحكّ.

ويكفي في هذا السياق أن نتأمل الحالة التي عليها بلدان المغرب العربي اليوم لندرك صعوبة تأسيس علاقات مثمرة بينها ولنتأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن تفعيل المؤسسات المغاربية والنهوض بها يبدو شبه مستحيل في المرحلة الراهنة.

ولا نخال الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون غافلاً عن التركة الثقيلة الموروثة بشأن العلاقات المغاربية. وقطعاً هو يعي دقة المرحلة سواء بخصوص الوضع الداخلي لبلاده أو أوضاع بلدان الجوار المنهكة في أغلبها.

وعلى هذا الأساس سيكون الرئيس عبد المجيد تبون مضطرّاً إلى تكريس جهده الأكبر في بداية فترته على الأقلّ للإصغاء إلى الداخل الجزائري والسعي للإجابة عن انتظارات جزء كبير من شعبه. وقطعاً ستكون هذه أولوياته المُلِحَّة لتهدئة الجبهة الداخلية وتأمينها من مخاطر الانزلاق في الفوضى، لا سيما وأن هذا الشعب قد اكتوى بنيرانها، ومع هذا فهو لن يهمل الجوار المغاربي.

في العلاقة مع تونس فإنه إجمالا لا تبدو هناك نذر تغيير كبير على مستوى التعاطي السياسي والمعاملات الاقتصادية التي باتت بمثابة التقاليد الراسخة بين البلدين، وهو ما تَجلَّى في حالة الاحتفاء التي تجلت في بعض الأوساط التونسية بالرئيس الجزائري الجديد.

أما العلاقة الشائكة مع المغرب الأقصى التي ظلت قائمة على الجفاء على امتداد عقود بفعل الصراعات الحدودية وقضية النزاع على الصحراء الغربية فقد يكون الوقت حان لحلّها، فالفرصة سانحة لذلك خصوصاً مع بروز بوادر إيجابية.

لكن التحدي الحقيقي للرئيس الجزائري المنتخب هو التعاطي مع الملف الليبي الشائك. ولن تكون الجزائر قادرة على إخفاء موقفها بشأنه، وسيكون اصطفافها محدَّداً على مستويات كثيرة متصلة بسياسة المحاور في المنطقة وبالعلائق المغاربية والعربية.

ولا شكّ أن الجزائر لن تصمت كثيراً عن الحرب التي تدقّ طبولها غير بعيد عن حدودها بعد تحرك خليفة حفتر كما أن موقفها من الاتفاق التركي الليبي سيقول كثيراً.

وفي هذا الصدد لعل من المهم التذكير بأن خليفة حفتر كان قد هدّد الجزائر بنقل الحرب إليها في خريف 2018 عندما كان بلدُ المليون شهيد منكفئاً على نفسه في عهد الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة الذي طال مرضه وتقوقعت الجزائر في عهده على نفسها وغابت الدبلوماسية النشيطة والمواقف المعلنة بشأن القضايا الكبرى في المنطقة المغاربية، بخاصة الملف الليبي الحارق.

واليوم مع تسارع الأحداث والانقسام الحادّ الواضح إقليميّاً بين محور مصر والإمارات والسعودية من جهة الداعمة لخليفة حفتر، وبين المحور الذي يتبنى التعامل مع حكومة السراج المعترف بشرعيتها دوليّاً، ومع دخول لاعب مركزي جديد هو تركيا داعم لحكومة الوفاق.

وفي هذا الصدد فإن الرئيس الجديد عبد المجيد تبون لن يندفع غالباً في اتجاه نصرة هذا المحور أو ذاك حتى يتسنى لبلاده أن تكون لاعباً مركزياً في خلق التوازنات الممكنة في المجال المغاربي، وسعياً إلى أن تكون الجزائر مؤهلة للعب دور الوساطة إذا اقتضت الحاجة.

وعلى هذا الأساس لن يغامر الرئيس الجزائري الجديد بوضع أوراقه كلها دفعة واحدة مع هذا الطرف أو ذاك حفاظاً على مصلحة بلاده وعلى علاقاتها الدبلوماسية مع القوى الخارجية التي تبدو متناقضة في ما بينها بشأن الملف الليبي، ونعني بالتحديد روسيا والولايات المتحددة الأمريكية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كُتابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي