جمع من حجيج بيت الله الحرام أثناء مسعاهم  (وزارة الحج السعودية)

ففي كل مناسك الحج، بدءا من الإحرام، وإلى غاية طواف الإفاظة، وفي كل حكايات الحج التأسيساتية، بدءا من الخروج من الجنة وإلى غاية الرسالة المحمدية، هناك خطاب ثوري يخترق النص الحجي، ويجعل من "الثورة" موضوعا ونصا كاملا architexte يوضح المغزى الحقيقي من هذه العبور المفترض إلى تخوم أو أحواز المقدس.

يعد الحج، ومنذ زمن بعيد، فعلا إنسانيا، مبررا بدوافع دنيوية ودينية، ترمي إلى الخروج من اليومي الفيزيقي إلى العالم المفارق والمتعالي، مرورا عبر الزمن والفضاء.

إنه، وفي كل الحضارات، يشير إلى رحلة وسفر وعبور، من عالم إلى آخر. والحج بما هو سفر الزمن والمكان، لا بد وأن يشكل لحظة مفارقة في ترتيب الزمن، وإعادة تنضيد المباني والمعاني التي تحيل عليها الوقائع والأشياء.

في الرحلة الإبراهيمية/الإسماعيلية والسعي الهاجري، والهجرة المحمدية، هناك فعل مستمر للتثوير والثورة، حيث يثور الفاعل ضد مكونات النسق وانتظاماته الأولية، التي لاحت في التراتب الاجتماعي وقسوة الطبيعة وعبادة الأصنام. ومن الإحرام إلى الإفاضة، هناك ثورة تعتمل في نص قابل للكتابة والقراءة في آن scriptable et lisible، تعلم الحاج كيف يثور ضد المُتْعَوِي واللذوي والدنيوي، وكيف يعبر إلى المقدس، خاما حرا متجردا من أوهام السلط التي تحنطه وتقتل فيه الجوهري.

قال الحسن البصري عن الحج المبرور بأنه الذي يرجع فيه المرء زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، إنه الذي يعود فيه ثائرا على الفائت والحاضر واللاحق، بسبب عبوره المفترض من تجربة روحية داخلية/ باطنية ésotérisme، حدثت في أعماق أعماقه، وجعلته يغادر عَالَماً إلى عَالَمٍ، ويولد من جديد، ثائرا مُثَوِّراً لوجوده بين الأغيار والبنيات الحاضنة والطاردة. ففي النص الحجي، وباعتباره عملا "كِنانيا" أو "مكنونيا" بتعبير ميشيل دي سارتو، هناك جانب من السر secretوهناك جانب من اللغز énigme.

فالحج، ليس ما هو، ولكنه ما يحيل عليه، ليس الحج مجرد طقوس تكرارية يمارسها الحاج بحرفية وإبداعية مقننة بقواعد ومحاذير، ومؤصلة بأفعال قربانية في حالة الخطأ والسهو، ليس هذا هو الحج وفي ذاته ولذاته، ولكنه أكبر من ذلك بكثير، إنه ما يدل عليه وما يستدل به عليه، إنه معنى المعنى، الذي يستجمع السر واللغز في آن.

إن التجربة الحجية في "صفائها" المتحرر من المعطى الإيديوديني والسياسي، تشكل مدرسة حقيقية للتنوير الذاتي والجماعي، إنها تمرين ضد الوثوقية واليقينية، ودعوة مباشرة إلى إعمال العقل والتدبر في الكون والوقائع والأشياء، إنها، وعبر مناسكها وحكاياتها التأسيساتية، تدعو الإنسان إلى الطواف حول هدف ما، وإلى السعي المتواصل لبلوغ المعنى، وإلى إعادة بناء الذات، والتخلص من اليقين وكل السياج الدوغمائي، لصالح فكرة الإنسان الملتزم والباحث عن المعنى.

وفي هذا الصدد يقول أبو حامد الغزالي:"فاعلم أن أول الحج هو الفهم، يعني فهم موقع الحج في الدين، ثم الشوق إليه، ثم العزم عليه، ثم قطع العلائق، ومعناه رد المظالم والتوبة الخالصة"، وفي كل هذه المستويات هناك تثوير للغاية والإمكان.

نُصِرُّ على توصيف الحج بالثورة، وإن لم تتحقق فرديا أو جماعيا، لأنه يشكل انعطافا détour في بناء الذات وصياغة اللقب وبناء العلاقات وتحيين الأدوار والممارسات والخطابات، إنه ثورة في الترميز والتشفير وإعادة البناء، ففي النصية الحجية يبنى الاتصال والانفصال في آن، ويتحقق الوشم والوسم والوصم، ويغدو "الحاج" حاملا لآثار النص الحجي، ولعلاماته ورموزه التي تتوسطه وتخترقه.

فالدين تاريخيا، كان ولا زال مساهما في إنتاج أنظمة اقتصادية وسياسية واجتماعية، إذ يعمل على إحداث رجات في الأبنية والأنساق، تبعا للشروط التاريخية التي استوجبته ومكنت له الوجود والفعل، فهل، والحالة هذه، يمكن أن نتحدث عن عائد أخلاقي للحج، كما هو الأمر بالنسبة للعائد المادي؟ هل يمكن أن يساهم الحج في خلق بنية أخلاقية، قد تنتج بعدا نظاما اقتصاديا واجتماعيا، كما هو الأمر في "روح الأخلاق البروتستانتية ونمو الرأسمالية" عند ماكس فيبر؟ أم أن الحج الإسلامي، لم يستطع إحداث الفارق، ثورةً في المخيال والمجال والإنسان؟

إن ما ينفقه الحاج المغربي مثلا في سبيل "بناء" حجه، وفي حدود المتوسط لا غير، لا يقل عن 50 ألف درهم مغربي (ما يعادل 4500 دولار أمريكي على الأقل)، إن مجموع هذا الإنفاق، لا يتوجب فيه أن ينتج "لقبا سوسيودينيا" وحسب، بل من المفروض أن ينتج "مواطنا" جديدا، يلوح مغزى الحج في تصرفاته وسلوكاته وكافة خطاباته وممارساته. وأن ينتج "ثورة أخلاقية" تحقق "العبور الآمن" إلى التنمية الإنسانية و"العدالات" المجالية والسياسية والاقتصادية. فالمطلوب من الحج أن يعيد تشكيل "الإنسان"، ومطلوب من "الإنسان/الحاج" أن يعيد تشكيل الواقع، وإلا فإن التجربة الدينية تتحول إلى "إهدار" و"وعي خاطئ".

هناك كتاب "منعدم" لأبي حيان التوحيدي، لم يصل إلينا إلا عنوانه، وهو "الحج العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي"، وهو العنوان الذي لاح في كتابات "مكفريه" و"مهدري دمه"، الذي اعتبروه مارقا وخارجا عن الملة، لأنه يرمي بهكذا كتاب إلى تعطيل ركن أساس من أركان الإسلام، داعيا إلى "حج رمزي" في أعماق النفس، وفي تفاصيل الحياة الاجتماعية، صنعا للخيرات، وإبداعا لها.

والحال أن أبا حيان التوحيدي، كما ابن عربي وابن رشد وغيرهم ممن تعرضوا للسحل والسجن والنفي والتنكيل والتقتيل باسم المقدس، لم يُفهم جيدا، ولم يسمح له حتى بالتعبير صراحة عن "أطروحته" ولهذا تراه انصرف إلى حرق كتبه وإلى الانشغال بكتاب "الإمتاع والمؤانسة"، الذي وصل إلينا، ودون أن يصل "الحج العقلي".

يقول محمد أركون بأن التوحيدي يلح على أن الحج يكون ممكنا في البيت، في حال عدم توفر الاستطاعة المادية، وذلك عن طريق الروح والعقل، إذ بمقدوره أن يذهب إلى مكة بروحه لا جسده، على اعتبار أن الحج يكون بالنية والاعتقاد، وليس بالإجراءات الطقوسية الشكلانية. فالمطلوب، وفقا للتوحيدي، ليس الشعائرية المفرطة والمفرغة من الروح والقصدية، ولكن المطلوب هو المعنى الثاوي وراء الممارسة، والذي يفترض فيه أن ينعكس سلوكا وأخلاقا، في انتقال من التدين الفرجوي إلى التدين الإنساني.

إن ما يتيحه الوقوف بعرفة في الزمنية الحجية، هو احتمال الانفصال والاتصال، فالحاج يقف على خط التماس بين المرئي واللامرئي، بين الأرضي والسماوي، والمطلوب هو الانفصال عن الدنيوي والاتصال بالقدسي، إنه الهدف الأثير لكل تجربة تعبدية، ففي الصلاة والحج وباقي الممارسات التعبدية، يدشن المؤمن هذا الخروج الممكن من نص الواقع إلى نص الميتا واقع، في تجربة معاشة تتراوح بين الحسي والتجريدي.

هناك درس قوي يتوجب على الحاج أن يفيده أكثر من عبوره إلى عرفة وإلى كل مسالك النص الحجي، إنه درس العودة إلى الصفر، فالكل يتشح بالإحرام/الكفن/الولادة، المجرد طبعا من الانتماءات المراتبية والرساميل المادية والرمزية، فالكل على نفس الدرجة، مهما تباينت الانحدارات الاجتماعية والروافد العرقية وحتى الطوائفية، الكل يجتمع في حيز جغرافي محدود، وبهدف واحد يتوزع اعترافا وتعارفا وعرفانا، وثورة على المتعوي.

وحتى يصير الحج ثورة بالفعل وبالقوة، وجب تحريره من "غائية التلقيب" و"تبيض السيرة" و"فرجوية التدين" إلى "الاعتقاد العقلاني الفعال" الذي يغير السلوك والعوائد، ويصنع "المواطن الصالح"، والذي لا يوجد أصلا إلا بوجود "الدولة الصالحة". وعليه فوجود "الحج الفعال" و"الحاج الفعال" يرتهنان معا إلى وجود "سياق صالح"، ومنصلح، فهل دقت ساعة الإصلاح؟

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي