ما تعانيه المجتمعات العربية الحاضرة من حالة سيولة كبيرة تسببت بها وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الكثير من المعاني الراسخة لم يسلم من التأثر وإعادة التشكل من جديد. من هذه المعاني الحُبّ الذي أصبح يعاني من سيولة أفقدته العديد من معانيه المتعارف عليها.

لا مناصَ من استدعاء "الحُبّ في زمن الكوليرا" لغارسيا ماركيز، لفهم بعض ما يعتمل في الراهن المغربي والعربي على حدٍّ سواء؛ بحثاً عن "حَبّة فهم" لا غير، تُذهب عنا صداع اللا معنى، وتحديداً في "فبراير الحُب" ؛ حيث فالنتاين و أزهاره وقلوبه ودِبَبَتِهِ الحمراء، تملأ الواجهات وتستعمر طرقات الواقعي والافتراضي، فلا شيء غير الحُبّ في زمن اللا حب.

نبتغي ها هنا اكتشاف تحوّلات العشق والهوى، لاختبار الثقافة المؤطرة للحب كقيمة/شعور/حالة، و واقعة في الوطن العربي، إلا أن هذا المقصد يصطدم بمجتمع الخطر؛ حيث "الحُمّى القلاعية" و"أنفلونزا الخنازير" تصنعان الحدث في هذا المغرب الأقصى. فكيف يستقيم الحديث عن الحُبّ في زمن الأنفلونزا؟

قد تُسعِف الصدف الماكرة في تعبيد طريق المعنى، فما الذي يحافظ على تكراريته في هذه الحالات الثلاث: الحمى والأنفلونزا والحُب الراهن؟ إنها "الهَجَانَةُ" كمشترك دالٍ ومؤسس؛ حيث لا أصل ولا امتداد، وإنما "البين بين"، ما يحيل على تركيب متناقض و وبائي، يأتي على الأخضر واليابس، ناهيك عن انبنائه على الرُّعب المعمّم المسنود قِبلاً بإيديولوجيا الاستهلاك والليبرالية المتوحشة. فإمبراطوريات الأدوية، التي تسوق الأمصال المضادة، هي الرابح الأكبر في معركة التهجين والترويع.

دوام الحال من المحال، وبما أن الهجانة والخلاسية تتفوق على الأصيل، فإن الحبّ لن يسلَم من "التزوير"، لقد بات مغشوشا ومُفرغا من المعنى، كحمّى قلاعية أو أنفلونزا خنازير، تجد مبتدأها في أصلٍ حيواني، ومنتهاها في شكل إنساني مَرضي، وتنتظم وفق "فيروس" ضارٍّ، يجعلنا نركع للخراب والسقوط الفظيع. ذلكم هو الحب السائل الذي تحدث عنه زيغمونت باومان، المتفرع عن الحداثة السائلة والشرِّ السائل، فلا صلابة ولا عمق ولا انتماء.

ما نعاينه في رحاب مواقع التواصل الاجتماعي من "حالات" حبٍّ ذي صلاحية محدودة، يؤكد السيولة والهشاشة القصوى. إنه "حبٌّ رخو" يبدأ عاصفاً بـ"شات" حميميٍّ وينتهي سريعاً بلذّة عابرة.

عبد الرحيم العطري

لم يعدْ الحبّ مرادفاً للمُعلّقات الشعرية والرسائل الغرامية والنظرات العاشقة المشفوعة بأشرطة عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، ولا بالمكوث طويلاً عند البئر أو "رأس الدرب" أو الحارة، في انتظار الحبيبة التي قد تجود بنظرة أو ابتسامة لا غير. لم يعدْ الحبّ هياماً وانهراقاً مع بحور الشعر، ومرافقة مستديمة لروايات "عبير" وغراميات "الموعد"، وتدريباً متواصلاً على تنقيح الأسلوب واستدعاء المجاز وكل المحسنات البلاغية، لكتابة الخواطر والرسائل والمذكرات.

ما نعاينه في رحاب مواقع التواصل الاجتماعي من "حالات" حبٍّ ذي صلاحية محدودة، يؤكد هذه السيولة والهشاشة القصوى، إنه "حبٌّ رخو" يبدأ عاصفاً بـ"شات" حميميٍّ، يتوسّل بالأيقونات والقبل الإلكترونية، وينتهي سريعاً بلذّة عابرة أو فضائحية، يتأسس على "جَنْسَنَةِ" العلاقات الإنسانية، وهو ما يتناقض ضدياً مع معاني الحُبّ الراقية. الحُبّ السائل المنساب عبر الافتراضي لا علاقة له بعشق الحلّاج ولا بمحبة الرومي، ألم يقل الأول بأن "ركعتين في العشق لا يصحّ وضوؤهما إلا بالدم"؟ وألم يقل مولانا جلال الدين "توضّأ بالمحبة قبل الماء، فإن الصلاة بقلبٍ حاقدٍ لا تجوز؟"، لربما يبدو هذا السجل الغائص في "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" لابن قيم الجوزية و"طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي، يبدو غريباً عن جيل الإصبع الصغيرة بتعبير ميشال سار؛ حيث لا تواصل ولا حُبّ ولا جنس إلا بـاللمس على شاشات الهواتف الذكية.

في "روضة المحبين" سنكتشف أن الحب مقامات ومدارات وتسميات، فمن الوله إلى التدليه والهيام والغرام والرسيس والخبل واللمم والفُتُون واللوعة واللهف والكمد والوصب والتباريح والشوق والتَتَيُّم والوجد والشغف والصّبابة والصّبوة والمحبة. وسنلفي أنفسنا أمام "آداب العشق" و"أخلاقياته"؛ لنقتنع بأننا فقدنا الكثير من البراءة والبراعة في تصوير المشاعر، وخسرنا الكثير من القول والجمال في تمتين عُرى الاتصال.

لقد ألحّ "مفكرو الحبّ" على أن حب القائد لشعبه هو ما يضمن له الولاء لا الألم والمعاناة.

عبد الرحيم العطري

لقد ألحّ "مفكرو الحبّ" على أن حب القائد لشعبه هو ما يضمن له الولاء، وأن الحُكم الراشد لا يكون بالسيف، وإنما بالخافق الذي يضج محبةً وشغفاً، وأن الطريق إلى الشعب هو الحبّ لا الألم والمعاناة، فمتى أحبَّ الحكام شعوبهم كان الردُّ مضاعفاً، وذلكم ما أوضحه شمس التبريزي لما قال بأنه "يجوز الرِّبا في الحب، فمن أعطاك حباً رُدَّهُ ضِعْفَيْنِ".

خلال حملة سابقة لإحصاء السكان، "أبدع" المغرب الرسمي حملة دعائية لتشجيع المواطنين على التعاطي بإيجابية مع موظفي الإحصاء، كانت هذه الحملة بشعار/سؤال وهو: "كَمْ نَحْنُ؟"، إلا أن "الذكاء الشعبي" عمل على تسويق سؤال مضاد عبر الغرافيتيا، يتأسس قلب المُعنّى بتشديد النون (كَمْ نَحِنُّ؟)، لتتواصل الخربشات على الجدران وفوق ذات الملصقات، فاتحةً بذلك نقاشاً جماعياً حول سوسيولوجيا المشاعر في علاقة المواطن بوطنه، وبحكومته، وبكافة مكونات المجتمع الذي ينتمي إليه. فهل ثمّة ما يشير إلى الحبّ في مستوى بناء هذه العلائق المفترضة وتجسيرها؟ أم إن خطاب الكراهية هو الذي يُبَنْيِنُ هذه القطائع والتواصلات؟

للأسف الشديد، فإن مالكي وسائل الإنتاج والإكراه في الوطن العربي، لا يعملون بقوانين الجذب الرومانسية التي تجود بها "روضة المحبين"، ولكنهم ينتصرون للمثل الدارج "جَوِّعْ كَلْبَكَ يَتْبَعُكَ"، بمعنى أن تجويع الشعوب وإذلالها هو ما يُفضي إلى التحكم فيها، برأيهم طبعاً، وأن مواجهتها بخطاب سياسوي مغرِق في الجفاء ولغة الخشب، ومُنفصلٍ بالمرة عن قاموس الحب، هو ما يؤسس الولاء ويضمن الإجماع والخنوع والانقيادية السلسة. وهو تدبير خاطئ، تنكشف أعطابه عند كل احتقانٍ اجتماعي؛ حيث يلجأ المواطن، الذي لم يَتَشَرَّبْ ثقافة الحب، إلى مواجهة الدولة بمخزون هائل من السخط والكراهية والعنف.

للأسف الشديد، فإن مالكي وسائل الإنتاج والإكراه في الوطن العربي، لا يعملون بقوانين الجذب الرومانسية التي تجود بها "روضة المحبين"، ولكنهم ينتصرون للمثل الدارج "جَوِّعْ كَلْبَكَ يَتْبَعُكَ".

عبد الرحيم العطري

إننا في النهاية، وعلى مستوى السلوك، مُحصلةٌ ناجزة، لما انغرس في أعماقنا من أنماط تنشئوية، عبر ثلاثية الأسرة والمدرسة والإعلام، فما نزرعه نحصده، إما ياسميناً أو عوسجاً، وعليه فبذور "الحبّ المدني" بين المواطن والدولة، لا يمكن إلا أن تُزهر عشقاً وصبابةً، وأما فَسَائِلُ الظلم و"الحكرة" والتفقير، فلن تنتج إلا خوفاً وكراهية وحقداً دفيناً، يتحين الفرص للظهور والاقتصاص.

لقد قدّم الربيع العربي أكثرَ من درس لصُنّاع القرار، ولكن يبدو ألا حياة لمن تنادي، وأن الذين يرفعون عقيرتهم بالصراخ في ساحات "التحرير" كـ"المؤذنين في مالطا"، فقد خرجت الشعوب تطالب بالمحبة وتصدح بالحرية والكرامة، تريد حباً فقط، إلا أنها لم تنل إلا النزر القليل من ذات الحب، ليستمر الحاكم العربي، وفي أكثر من نسق، في التعاطي معها بالحُبّ السائل، الممزوج بآليات تجديد السلطوية، فالحكومة لدينا لا تعرف إلى الحُبّ سبيلاً، ولا ترغب في الالتحاق بروضة المحبين ونزهة المشتاقين.

تبعاً لذلك كلّه، لنعترفْ بأننا ننتج ما يشبهنا، ونعيش ما نختبره ميدانياً من ضياع وبؤس شديدين، فعندما يغيب الحُبّ "تُشرق" للأسف، شموس البشاعة الحارقة، في السياسة والاقتصاد والاجتماع ومختلف الديناميات الإنسية، فالمقدمات تحسم النتائج، ومن يزرع ريح اللا حُبّ يحصد عاصفة الكراهية، فهل نغني مع أم كلثوم "فات الميعاد"؟ إنه الحبّ في زمن الأنفلونزا أو الكوليرا، فلا فرق، في زمن الهجانة وموت الأصيل وانبعاث المستنسخ والخلاسي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي