استطاع الطب تحقيق إنجازات كبيرة في التغلب على مرض السرطان، غير أن التعاطي مع المرض اجتماعياً مازال متأخراً. فالمجتمع العربي جعل من مرض السرطان قدراً فوق المتوقع يتجاوز العلم ليتعاطى معه بالأسطرة والترهيب والخرافة.

كثيرة هي المؤشرات التي تؤكد أن المرض هو منتوج اجتماعي بالدرجة الأولى، تتحكم في إنتاجه وإعادة إنتاجه شروط مجتمعية، لها علاقات مباشرة بالأدوار والمواقع والانحدارات الثقافية والاجتماعية، فالمرض ما هو في البدء والختام إلا انعكاس لنظرتنا إلى الكون، وإلى أنفسنا، وإلى مجموعة الرموز المادية والاجتماعية التي تتشكل منها هويتنا وتاريخنا في التعامل مع الجسد والأمراض التي تلحق به.

لهذا فمن الطبيعي أن تُحاط الأمراض في سياقاتنا التداولية، بتصورات وبناءات رمزية تحدد آليات التفاوض والتعاطي معها، وأن تصير مدخلًا أثيراً لقراءة الذهنيات وتفكيك البنيات الاجتماعية، ومنه نفهم جيداً كيف يتحول مرض السرطان في المجتمع العربي من"واقعة بيولوجية" إلى "واقعة سوسيولوجية"، نتجاوز فيها المعطيات الباثولوجية الإحيائية الخالصة، إلى معطيات اجتماعية صرفة، تتوزع على متغيرات الدخل والمهنة والسكن والتعليم ومجموع التمثلات المكتسبة عبر التنشئة الاجتماعية للأفراد والجماعات.

نادراً ما يستعمل العربي توصيف السرطان للدلالة على مرض كهذا، ففي المغرب مثلاً، وفي غيره من الأقطار العربية، يتم اللجوء إلى "لغة ماكرة" تُخاتل الواقع في نوع من "التقنُّع" و"الهروبية" لتمثيل المرض ذهنياً والتعبير عنه تواصلياً، بحيث يصير "العدو" و "الكافر" و"الخبيث" و "اللي ما يتسماش" (ما لا يمكن تسميته)، ممكنات لغوية أخرى تعفي المرء من نطق "السرطان" صراحةً.

من الطبيعي أن تُحاط الأمراض في سياقاتنا التداولية، بتصورات وبناءات رمزية تحدد آليات التفاوض والتعاطي معها.

عبد الرحيم عطري

وبما أن الرمزي يتكشف ويتحجب في كثير من تفاصيل الحياة اليومية، فإن المرور إليه يكون عبر مسالك ومسارات البحث عن المعنى، فما نقوم به في العلم الاجتماعي يشبه "القفاية" في التاريخ العربي، والتي تعني مهارة اقتفاء الأثر. إننا وفي كل اشتغال معرفي على الصحة والمرض، نقتفي أثر المعنى في مسالك الحياة اليومية، حيث المفكَّر فيه واللا مفكَّر فيه، يمكن أن يكون نافذة قرائية لمتون المجتمع واحتمالاته. وذلك ما تتغياه مباحث سوسيولوجيا الصحة التي تلح أيما إلحاح على أن المرض منتوج اجتماعي قبل أن يكون حالة طبية سريرية.

ففي رحاب السرطان تشتغل لغة موازية مفتوحة على التلميح والمواراة، للتعبير عن مرض يرتبط في الذاكرة بالموت السريع وباللاعلاج، لهذا تُسعف ذات اللغة في المغالطة القصدية خوفاً من السقوط في فخ التناقض مع واقع يرفض المصالحة مع جسده لحظة الاعتلال.إنه تاريخ مرعب من الجوائح والقحوط والأوبئة، هو ما يلقي بظلاله على تمثُّل المرض، مضاف إليه محدودية الإمكانيات المادية، وضعف الولوج إلى الصحة، ذلكم بالتحديد هو ما يجعل العربي خائفاً من السقوط مريضاً وبالسرطان تحديداً. فهل يتعلق الأمر بأزمة ثقة في مؤسساته الصحية؟ أو هو تقدير خاص لسوء الأوضاع، واستدماج قبلي لتاريخيتها المفتوحة على الألم واللاعدالة الاجتماعية؟

تلح مباحث سوسيولوجيا الصحة على أن المرض منتوج اجتماعي قبل أن يكون حالة طبية سريرية.

عبد الرحيم عطري

أملاً في مزيد من الفهم نقترح في هذا المستوى، التفكير في تدبير الصحة والمرض في المجتمع العربي، والذي يعبر عن تركيبية المجتمع، وعن ارتكانه إلى التداوي بالأعشاب وزيارة الأضرحة و "الطب الروحاني" واللجوء إلى الطقوس السحرية، بالرغم من كل هذا التقدم العلمي والتكنولوجي المتناثر من حولنا. وعلى خط هذا التناقض المجتمع في نسق واحد، يحضر الطقوسي بكل ثقله، فما من ممارسة اجتماعية إلا وتُسيج بكثير من الطقوس والرموز.وهذا ما يؤكد أن التمثلات الاجتماعية المرتبطة بالعلاج والصحة والمرض لم تأتِ من فراغ، وإنما ترتهن إلى إطارات مرجعية وبنيات سوسيوثقافية، إنها نتاج واقعي لما يعتمل في العقل الجمعي المجتمعي.

إن هذه الممارسات التي تتواصل بصيغ متعددة، وتستثمر التكنولوجيا والبث الفضائي وعوالم الافتراضي، تعبر عن "مأزمية" التعاطي مع الصحة والمرض عربياً، فالقنوات التلفزية التي تقترح هزم السرطان ببول البعير، لا تختلف بالمرة عن "حرفيي" مجال الشعوذة الذين يعرضون بضاعتهم في الأسواق الأسبوعية، مقترحين على الوافدين، حلولاً جذرية لكل المصاعب الصحية. وهو ما يخدم نهايةً أطروحة "تعميم الفكر الخرافي" وإدامة عصر الظلام ضداً على العقل والتنوير.

الأمر أكبر من أن يكون مجرد تفاوض مختلفٍ مع الصحة والمرض، إنه نتاج طبيعي لواقع تختل في التوازنات، وتغيب فيه "التربية الصحية" و "العدالة الصحية" و "النجاعة الصحية"، واقع يتخوف فيه "مواطنو القاع الاجتماعي" من المحيط إلى الخليج، من عيادة الطبيب، والمرور عبر متاهات المستشفيات والصيدليات، لهذا يتحول السرطان إلى كابوس حقيقي يقض المضجع ويهزم أكثر المنتصرين لخطاب الارتياح والاطمئنان.

هكذا يتكلم لسان حالنا في كثير من الأحايين: نخاف أن نمرض، نرتعب من السرطان ونسميه "العدو" أو"الكافر"، لأننا، وبكل بساطة أو تعقيد، ننتمي إلى مجتمعات لا تحترمنا ونحن في كامل الصحة واللياقة، فأنى لها أن تتكفل بنا ونحن في قمة العجز والاحتياج، ذلكم ما يفسر لجوءنا إلى اللغة المخاتلة للتعبير عن انكساراتنا الـ"بلا حدود"على درب الألم والمعاناة، نَسِمُهُ بـ"الكافر" لأنه يسرق منا "الإيمان بالحياة"، ونطلق عليه "العدو" لأنه خصم عنيد وغير شريف بالمرة، يغتالنا على حين غرة، ويسرق منا الأحبة تباعاً، ونستدل عليه بالـ"خبيث" لأنه ورم غير حميد بالمرة، يتكاثر ويهاجم الخلية تلو الخلية، معجلاً بالرحيل.

نرتعب من السرطان ونسميه "الكافر"، لأننا ننتمي إلى مجتمعات لا تحترمنا ونحن في كامل الصحة، فأنى لها أن تتكفل بنا ونحن في قمة العجز والاحتياج.

عبد الرحيم عطري

في مسارات وتقاطعات اليومي، نعيش نوعاً من "الفيض الرمزي"، الذي يتمظهر في الخطاب والممارسة، وتغير في أنماط العيش، وصيغ إنتاج الاجتماعي وتدبيره واستعماله، ما جعل من السرطان "فوبيا" العصر المقيتة، التي تفوق العلم في محاصرتها بالعلاج الكيماوي والعلاج بالأشعة والفحص المبكر، لكنه لم يتمكن بعد من تدبيرها مجتمعياً"، من حيث بناء الفُهوم والتصورات. فالاتجاه اليوم هو "تَذْرِيرُ المجتمع" وتحويل أفراده إلى مجرد ذرات منفصلة عن بعضها، وإن ارتبطت وتفاعلت، فإن محددات اللقاء هشة ومرشحة للانفصال. فلا نقابل بعداً إلا أفراداً منفصلين عن ذواتهم وعن جماعاتهم، وعن مجتمعهم، يأكلون تحت سقف واحد، وفي مطاعم واحدة، ولكن تفصلهم جدران سميكة و"لا مرئية". فالتذرير يتأسس على تفتيت وتهجين الرابط الاجتماعي، والحد من فاعليته في بناء اللُحمة وتأكيد الانتماء الجمعي، وهو أمر ينجم عن تداخل عوامل متعددة، تلعب فيها "رأسملة المجتمع" و"تَقْنَنَتُهُ" و "تَشْيِيئُه" دوراً أساسياً في إعمالها، هذا فضلاً عن باقي العوامل التاريخية والديموغرافية والقيمية والاجتماعية والسياسية. كل ذلك يجعل من السرطان، في السجل العربي، قدراً فوق المتوقع، نجنح إلى مواجهته بقليل من العلم، وكثير من "الأسطرة" و"الترهيب" واللاعلم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي