لم يكن قيام أمانة منطقة العاصمة السعودية الرياض بإزالة اسم السلطان سليمان القانوني من أحد أهم شوارعها إلا حلقةً في سلسلةٍ من الجدل والمماحكات حول شخصية عاشر السلاطين العثمانيين وثاني خلفائهم وأحد أقوى السلاطين والخلفاء الذين حكموا العالم الإسلامي.

لم يكن قيام أمانة منطقة العاصمة السعودية الرياض بإزالة اسم السلطان سليمان القانوني من أحد أهم شوارعها إلا حلقةً في سلسلةٍ من الجدل والمماحكات حول شخصية السلطان سليمان، عاشر السلاطين العثمانيين وثاني خلفائهم، الذي حفر مكانه في التاريخ بعمقٍ كأحد أقوى السلاطين والخلفاء الذين حكموا العالم الإسلامي على مر التاريخ.

وهذا الجدل يرجع في الحقيقة إلى طبيعة هذا السلطان وإنجازاته والكم الكبير من الأحداث التي شهدها عصره والشواهد الأثرية والتاريخية التي تركها في طول البلاد وعرضها. وباعتبار أنه الخليفة العثماني الذي وصلت الدولة العثمانية في زمانه إلى أقصى اتساع لها على الإطلاق، مما حدى بالأدبيات الغربية إلى تسميته "سليمان العظيم"، ليصل الأمر بالكونغرس الأمريكي إلى حفر صورة وجهه في قاعة النواب داخل مبنى الكونغرس باعتباره واحداً من أشهر الشخصيات التشريعية على مر التاريخ، حتى التصق لفظ القانون باسمه ليصبح في الأدبيات العربية والتركية معروفاً باسم "سليمان القانوني".

إضافةً إلى ذلك، ففي سلسلة الخلفاء المسلمين السنة الذين حكموا منذ عهد أولهم أبي بكر الصديق رضي الله عنه حتى آخرهم عبدالمجيد أفندي، يعتبر سليمان القانوني مميزاً بميزةٍ مهمة، فهو أطول خلفاء المسلمين حكماً على مر التاريخ، حيث حكم 46 سنةً ميلادية ما بين 1520 و 1566 م، و 48 عاماً هجرية ما بين 926 و 974 هـ، ليسبق بذلك أطول خلفاء العباسيين حكماً (الخليفة الناصر لدين الله) – الذي حكم 47 عاماً هجريةً – بعامٍ واحد فقط، ويتربع بذلك على عرش الخلفاء المسلمين من أهل السنة على مر التاريخ كأطول خليفةٍ حكم في التاريخ.

بالرغم من ذلك، نجد اليوم البعض يقحم اسم السلطان سليمان القانوني في الجدل واللغط والمناكفات التي تدور حالياً في بعض دول الخليج، والتي كان آخرها ما فعلته أمانة الرياض، وكأنها في ذلك تحاول التعمية على تاريخ الرجل وربطه بالمناكفات السياسية الحالية. وهي وإن كانت حركةٍ تعتبر ضرباً من الصبيانية، إلا أنها تشير إلى محاولات حثيثةٍ لتغيير صورة ومكانة هذا السلطان في الذهن العربي، ضمن محاولةٍ للتأثير على صورة الدولة العثمانية بالكامل في الوعي العربي.

فالرجل أهم وأعظم الخلفاء المسلمين إبان حكم الدولة العثمانية على الإطلاق، وإسقاط اسمه ومكانته سينعكس بالضرورة على صورة الدولة العثمانية بالكامل، خاصةً بعد ظهور عجز وفشل الآلة الإعلامية السعودية في التأثير على صورة السلطان محمد الفاتح بوصف فتح القسطنطينية بالاحتلال، الأمر الذي أثار حفيظة الملايين من المسلمين الذين رأوا في ذلك اعتداءً صريحاً على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذلك، فمن الطبيعي أن توجه الأسنة والأقلام لمهاجمة السلطان سليمان القانوني دون التخوف من إثارة الرأي العام بالمس بالحديث النبوي الشريف.

إلا أن هذا التصرف في الحقيقة ليس أكثر من محاولةٍ للي عنق التاريخ وغض الطرف عنه، فالسلطان سليمان القانوني لم يكن حاكماً عادياً ورث دولةً كبرى عن أبيه. وإنما كان سلطاناً استثنائياً وخليفةً ترك من الآثار والأعمال والقوانين ما لا يمكن لأحد معه أن يتجاوزه أو أن يتمكن من التأثير في صورته حقاً.

فالسلطان سليمان تمكن خلال فترة حكمه الطويلة من إرساء دعائم مؤسسات الدولة العثمانية، مما مكنها من البقاء والصمود 358 سنةً بعد وفاته برغم ما شابها في تلك القرون الثلاثة من تقلبات وضعف وجمود لاحقاً، وما كان ذلك إلا بسبب تثبيت السلطان سليمان القانوني فكرة المؤسسية في الدولة. وهذه الفكرة كانت عبر تنظيم القوانين العثمانية الصارمة التي أصدرها السلطان، ووزع فيها أعمال مؤسسات الدولة بحيث لا تتداخل.

والناظر في الأرشيف العثماني بالتزامن مع التاريخ السياسي للدولة فيما بعد عصر السلطان سليمان القانوني تتملكه الدهشة من حجم التقلبات السياسية العنيفة التي عصفت بالدولة في فتراتٍ لاحقةٍ، نتيجةً للصراعات بين السلاطين العثمانيين ومؤسسة الانكشارية في الجيش، في نفس الوقت الذي تبين فيه سجلات الأرشيف سير أعمال الدولة اليومية بشكل منتظم لا يتأثر بالتغييرات والتقلبات السياسية العليا، مما يبين أن تنظيم المؤسسات وفصل أعمالها في الدولة العثمانية حسب القوانين التي نظمها وأصدرها السلطان سليمان كانت الضابط والضامن لثبات ورسوخ هيبة الدولة في كافة المناطق التي حكمتها برغم كل الظروف التي مرت خلال تلك القرون.

كان سليمان القانوني سلطاناً استثنائياً وخليفةً ترك من الآثار والأعمال والقوانين ما لا يمكن لأحد معه أن يتجاوزه أو أن يتمكن من التأثير في صورته حقاً.

عبد الله معروف

وهذا الأمر ينبغي أن لا يشغلنا عن متابعة بعض الأعمال التاريخية المهمة التي حفرت اسم السلطان سليمان في التاريخ في ذلك الوقت، فعلى الصعيد العسكري والسياسي بلغت قوة الدولة العثمانية إلى درجة حاجة الأمراء والملوك في أوروبا الشرقية إلى مباركة الباب العالي العثماني قبل توليهم الحكم، وهو ما تشهد له أحداث معركة وادي موهاكس الكبرى التي حدثت بعد فتح بلغراد، وكانت ظروفها تتعلق أساساً بتولي الملك فرانسوا الأول الحكم بالرغم من معارضة الإمبراطور تشارلز الخامس وحليفه ملك المجر لويس الثاني.

وهذه المعركة قضى فيها السلطان سليمان على جيوش المجر في ساعتين، وأدى ذلك إلى تقسيم إمبراطورية المجر نهائياً. ومما لا يعرفه البعض أن السكان في أقيلم المجر ورومانيا (المسمى في ذلك الوقت ترانسلفانيا) كانوا ينتظرون في ذلك الوقت وصول السلطان سليمان وتمكنه من هزيمة ملوكهم وخاصةً المتهور لويس الثاني، والدليل على ذلك أن سكان إقليم ترانسلفانيا رفضوا الدخول في حكم إمبراطورية النمسا بعد معاهدة (ستواتوروك) التي أبرمت عام 1615م في عهد السلطان أحمد الأول، أي بعد وفاة السلطان سليمان القانوني بحوالي خمسين عاماً، والتي تم فيها إعادة ترتيب إقليم ترانسلفانيا والمجر بين الإمبراطوريتين: النمساوية والعثنمانية، وأصر السكان المسيحيون في ترانسلفانيا (رومانيا) على البقاء في حكم الدولة العثمانية المسلمة لما رأوه من تسامح وعدالة أرساها السلطان سليمان القانوني في المنطقة.

كما أن أكثر ما اهتم به السلطان سليمان القانوني عند دخوله بودابست في ذلك الوقت كان الكتب العلمية التي كانت تزخر بها مكتبة كنيسة ماتياس، فقرر نقلها إلى إسطنبول لترجمتها والاستفادة منها علمياً.

وبالرغم من انشغال السلطان سليمان بالحروب والمعارك الكثيرة في شرق أوروبا إلا أن ذلك لم يشغله فعلياً عن المصائب التي كان المسلمون يعانون منها في غرب أوروبا وتحديداً الأندلس التي كان آخر معاقلها "غرناطة" قد سقط عام 1492م، وكان عهد السلطان سليمان يشهد ما عرف في التاريخ الأندلسي بمحاكم التفتيش، حين حاول الإسبان تغيير عقيدة الموريسكيين بالقوة.

إن أثر شخصية السلطان سليمان القانوني لم ينته في العالم حتى اليوم، ومن السذاجة تصور سهولة حذف اسمه من التاريخ بجرةِ قلمٍ أو بحذف اسمه من شارعٍ في مدينةٍ ما هنا أو هناك.

عبد الله معروف

وهنا تبرز لدينا شخصية القبطان خير الدين بربروس الذي سلمه السلطان سليمان القانوني قيادة البحرية العثمانية وأمده بما يحتاجه للدخول في سلسلة معارك وحروب بحرية كثيرة ضد البحرية الإسبانية، حيث اتخذ خير الدين بربروس من الجزائر قاعدةً للانطلاق نحو السواحل الإسبانية وشن الغارات المتوالية عليها، وهو ما ترك لدى الإسبان جرحاً غائراً ما زلنا نجد أثره إلى اليوم في الدراما الغربية التي تصر على تصوير بربروس قرصاناً شريراً، وتجد صدى ذلك اليوم في سلسلة أفلام هوليود الشهيرة "قراصنة الكاريبي"، التي تطلق على شخصية القرصان الشرير الرئيسية اسم "بربوسا".

إن أثر شخصية السلطان سليمان القانوني لم ينته في العالم حتى اليوم، ومن السذاجة تصور سهولة حذف اسمه من التاريخ بجرةِ قلمٍ أو بحذف اسمه من شارعٍ في مدينةٍ ما هنا أو هناك. فاسم السلطان سليمان ما زال محفوراً في المسجد الحرام بأعماله في بناء وإصلاح أروقة المطاف والكعبة المشرفة، وفي هذا الصددر فإنه لا يصح ما يدعيه البعض من أن السلطان سليمان أمر بـ"سرقة" قطع من الحجر الأسود من مكة إلى إسطنبول، فالحجارة الستة الصغيرة المنسوبة للحجر الأسود في إسطنبول وإدرنة (والتي يوجد أحدها فوق مدخل قبر السلطان سليمان نفسه) هي على الأرجح من إحدى حجارة الركن اليماني التي سقطت منه أثناء عملية ترميم الكعبة في ذلك الزمان، وأحضرت إلى إسطنبول تيمناً وتبركاً بها، وليست من الحجر الأسود نفسه، وهذا مكتوب في نص عثماني فوق إحدى هذه القطع الموجودة في مسجد إدرنة القديم.

كما أن اسم السلطان سليمان مسجل في المحراب السليماني المسمى باسمه في المسجد النبوي الشريف، وفي البلاط القاشاني الأزرق الذي يغطي قبة الصخرة المشرفة، وحتى أسوار القدس التي أمر هو بإعادة بنائها بعد أن بقيت مدمرةً منذ عهد الملك المعظم عيسى الأيوبي، أي قبل تولي سليمان الحكم بحوالي 300 سنة.

 ومن المعلوم أن برك سليمان المشهورة في فلسطين سميت باسمه هو، حيث كانت قد فتحت ومددت منها المياه إلى مدينة القدس بأمر السلطان سليمان القانوني ليحل بذلك لأول مرةٍ في التاريخ مشكلة الماء في مدينة القدس.

كما أن آلاف المباني والمعالم التي بنيت وشيدت في عهد السلطان سليمان القانوني ما زالت تشهد له بأن شخصيةً كهذه لا يمكن حذفها من التاريخ أو الإنقاص من حجمها، وبأن أي محاولات من هذا النوع لا تساهم إلا في إظهار مدى سذاجة وسطحية أصحابها.


جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي