ما يُهدد بِحقّ الأمن القومي العربي وليس المصري فقط، هو إدخال الجيش المصري في مستنقع حرب غير متوازية في ليبيا، ستزيد من تمزيق وحدة الأخيرة، وتستنزف ما تبقى من قدرات مصر، وتدخلها في نادي الدول الفاشلة التي يتزايد عددها ولا ينقص في المنطقة العربية.

استقبالُ الجنرال عبد الفتاح السيسي لوفد قيل إنه يمثل قبائل المنطقة الشرقية في ليبيا، وتعهده بالتدخل العسكري في ليبيا وتسليح أبناء القبائل وتدريبهم، يطرح جملة من الأسئلة والإشكاليات سواء من وجهة نظر قانونية بحتة أو من زاوية سياسية أو حتى من حيث الموضوع والشكل الذي قُدم به سيناريو التفويض.

ولنبدأ بالقانون الدولي، فمعروف أنّ من يملك الصفة والأهلية القانونية للتفاوض أو توقيع اتفاقات أو طلب تدخل عسكري أو مساعدة من أي جهة أجنبية كيفما كانت هي الحكومة الشرعية في البلد المعني، وفي الحالة الليبية لا يجادل أحد بأنّ حكومة الوفاق في طرابلس برئاسة فايز السراج هي الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً من طرف الأمم المتحدة والدول الأوروبية حتى من الجامعة العربية التي تتخذ من القاهرة مقراً لها، وليس في القانون الدولي ما يحيل إلى القبائل أو غيرها، وبالتالي فأي اتفاق مع أي جهة غير الحكومة الشرعية في طرابلس يعتبر لاغياً وغير ذي موضوع.

للمزيد يمكن الاطلاع على:

كيف تدير الإمارات سياسة فرنسا بشأن ليبيا؟

ثمّ إن أخطر ما في الأمر هو إعلان الجنرال السيسي استعداده لتسليح أبناء القبائل وتدريبهم في الكليات الحربية المصرية، وهذا يشكل تحولاً خطيراً في الموقف المصري الذي ظل من الناحية السياسية يتمسك على الأقل بجزء من الشرعية ممثلة في برلمان طبرق كغطاء لدعمه قوات حفتر التي تُطلق على نفسها الجيش الوطني الليبي.

ولكن الانتقال إلى تسليح القبائل هو قفز على كل الشرعيات الحقيقية أو المطعون فيها، ويتنافى مع كل القوانين الدولية بما فيها قرارات مجلس الأمن التي فرضت حظراً للسلاح على ليبيا منذ 2011، ومخرجات مؤتمر برلين الذي جدد تأكيده منع تزويد الأطراف المتصارعة بالسلاح، ولعل هذا ما دفع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى التنصل من المبادرة المصرية على الرغم من أن مواقف البلدين ظلت متقاربة من المسألة الليبية، وظلا ينسقان مواقفهما ضمن ما يُسمى دول الجوار، بل إنّ الجزائر نفسها سبق لها أن عقدت لقاءات مع ممثلي القبائل والفصائل المسلحة من دون إذن من الحكومة الشرعية في طرابلس.

لذلك يمكن تفسير الموقف الجزائري من زاويتين: الأولى تتعلق بالتخوف من خروج الصراع عن السيطرة ودخوله مرحلة الحرب الأهلية القبلية كما يحدث في الصومال، وهو ما سيجعل الصراع يأخذ أبعاداً خطيرة تتجاوز حدود ليبيا لتهدد السّلم والاستقرار في كل دول الجوار المباشر التي تعاني كلهّا هشاشة أمنية وأزمات سياسية مزمنة.

ومن ناحية ثانية قد يكون موقف الجزائر مُجرّد ردّ فعل على إقصائها من المبادرة المصرية التي اتخذت طابعاً فردياً في ظاهرها، وربما يخفي خطة مُحكمة لأطراف إقليمية ودولية، ولعلّ هذا الإقصاء هو ما أشار إليه ضِمناً السيد تبّون عندما تحدث عن وجود مبادرة جزائرية بتنسيق مع تونس.

وبالرجوع إلى تصريح الجنرال السيسي نجد فيه تضارباً في المعنى واضطراباً في المبنى. فمن جهة يدّعي أنه حصل على تفويض من البرلمان المنتخب من قبل الشعب الليبي، ويقصد به برلمان طبرق المنتهية ولايته، ومن ناحية أخرى يطلب التفويض من شيوخ القبائل ووجهائها، فإذا كان برلمان طبرق شرعياً ويمثل الشعب الليبي فما الحاجة إذن إلى ضوء أخضر من القبائل؟

وهذا يعني، إذا استندنا إلى علم النفس اعترافاً لا شعورياً بعدم شرعية برلمان طبرق. ولا بد من التذكير بأن السيسي يؤيد ما يسميه بالجيش الوطني الليبي بزعامة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، علماً أنّ هذا الأخير أعلن نفسه، في أبريل/نيسان الماضي، حاكماً لكل ليبيا، كما أعلن إلغاءه اتفاق الصخيرات وبالتالي إلغاء اعترافه ببرلمان طبرق وحكومة طرابلس على حدّ سواء، وهذا يتناقض مع مبادرة السيسي التي تعتمد أساساً على الشرعية المزعومة لبرلمان طبرق وشيوخ القبائل.

ولعلّ أكثر ما يثير الاستغراب في تبرير التدخل العسكري المحتمل للجيش المصري في ليبيا، هو التهديد الذي يتعرض له الأمن القومي المصري. ذلك أنّ ما يهدد الأمن القومي المصري في هذه اللحظة التاريخية بالذات هو إصرار إثيوبيا على تنفيذ برنامجها لمَلء سدّ النهضة الذي سيَحرِم مصر من نحو ثلث حصتها من مياه النيل الذي يعتبر شريان الحياة بالنسبة إلى مصر التي تعتمد على مياه النهر بنسبة 90%.

للمزيد يمكن الاطلاع على:

ما هي خلفيات دعم تركيا لحكومة الوفاق الشرعية في ليبيا؟

وما تقوم به إثيوبيا يتعارض مع توزيع الحصص التي حددتها الاتفاقيات الدولية المبرمة منذ فترة الانتداب البريطاني، وسيشكل تهديداً استراتيجياً لحاضر مصر ومستقبلها. فهل التلويح بالتدخل العسكري في ليبيا هو تحويل لأنظار الشعب المصري عن الخطوط الحمراء الحقيقية لأمن مصر؟ أو أنّ الأمر يتعلق بتغطية للزّلة الجسيمة التي جعلت السيسي يوقع على اتفاق الخرطوم في مارس/آذار 2015، الذي منح أديس أبابا غطاء قانونياً لبناء السدّ؟

أياً كانت الأسباب، فإنّ ما يُهدد بِحقّ الأمن القومي العربي وليس المصري فقط، هو إدخال الجيش المصري في مستنقع حرب غير متوازية في ليبيا، ستزيد من تمزيق وحدة هذه الأخيرة، وتستنزف ما تبقى من قدرات مصر، وتدخلها في نادي الدول الفاشلة التي يتزايد عددها ولا ينقص في المنطقة العربية، وبذلك تكون على نفسها قد جنت براقش!

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي