وجه الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين يوم الأربعاء 8 يناير/كانون الثاني، دعوة للأطراف المتصارعة في ليبيا إلى وقف لإطلاق النار ابتداء من منتصف ليل الأحد 12 من يناير/كانون الثاني.

تأتي هذه الدعوة في سبيل إعطاء فرصة للحل السلمي في مسعى منهما لإيجاد تسوية سياسية للصراع الليبي. وذلك بعد اجتماع جمع الرجلين على هامش افتتاح مشروع السيل التركي الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا.

وقد جاءت هذه الدعوة بعد أقل من أسبوع على موافقة البرلمان التركي على إرسال قوات تركية إلى ليبيا على إثر طلب حكومة الوفاق الليبية التي تتعرض لهجمة شديدة من قوات الجنرال حفتر المدعومة من عدة دول للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس.

حاولت الدول الداعمة لحفتر حثه على السيطرة على العاصمة طرابلس قبل مؤتمر برلين، في ظل وعود من حفتر لهذه الدول بمشاريع مغرية في ليبيا مستقبلاً، وبالتالي لو تحققت هذه النتيجة لكان الليبيون في طرابلس أمام مؤتمر استسلام وترسيخ لديكتاتورية جديدة، وربما لم يكن أمام المجتمعين في برلين سوى الترتيب بين الدول الأوروبية والدول الراعية لحفتر لإعادة الإعمار وتوزيع المغانم.

ولكن هذا المسار تعرقل بالدعم التركي لحكومة الوفاق منذ نيسان 2019 وتزايد بموجب مذكرتَي تفاهم بين الطرفين إحداهما في المجال البحري والأخرى في المجال الأمني والعسكري قطعت في خطوطها الطريق على مشاريع أخرى لترتيبات الغاز شرق المتوسط.

على الطرف الآخر كان لدينا موقف روسي يعترف بحكومة الوفاق رسميّاً لكنه يعمل ضدها من خلال دعم حفتر، وبالرغم من أن موسكو أنكرت وجود قوات لها في صفوف حفتر، إلا أن مصادر ليبية وتركية أكدت وجود مرتزقة شركة فاغنر الروسية جنباً إلى جنب مع قوات حفتر تقدم له الدعم اللوجيستي وتساعده في إعداد الخطط العسكرية والقتالية، ولا يمكن لشركة فاغنر أن تعمل بطبيعة الحال دون موافقة الكرملين.

وقد أشار الرئيس التركي بنفسه إلى وجود شركة فاغنر حيث قال "لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي حيال مرتزقة "فاغنر" الروس في ليبيا" و"أنتم تعرفون من يدفع لهم".

على كل الأحوال لا يمكن لروسيا أن تخفي دعمها لحفتر، ويستدل على هذا بهجوم وزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا على روسيا، متهماً إياها بتأجيج الحرب في ليبيا وصب الزيت على النار في محاولة منها لإعادة السلطة إلى أتباع القذافي حتى تتمكن من "تعزيز نفوذها في أفريقيا والجناح الجنوبي في أوروبا".

ولكن مع ذلك يبدو أن روسيا أرادت أن تترك الباب موارباً في العلاقة مع حكومة الوفاق فقد وجهت دعوة لفايز السراج رئيس الحكومة لحضور القمة الروسية الإفريقية في سوتشي في أكتوبر الماضي، وقد حاول السراج حينها في لقاءاته مع الروس تقديم حكومته كبديل للتعامل مع روسيا، حيث أعرب عن اهتمامه بالتعاون مع روسيا في مجالات مثل التنقيب عن النفط والغاز والكهرباء.

إضافة لتقديم يد العون في بناء محطة للطاقة. لكن يبدو أنه لم ينجح في ذلك. ومع ذلك لم تنقطع العلاقات، ويمكننا فهم هذا الموقف الروسي الذي يترك هامشاً ولو ضئيلاً للعمل مع حكومة الوفاق في ظل فشل حفتر في بسط سيطرته على كامل ليبيا منذ عام 2014.

من بين الأطراف الداعمة لحفتر تعتبر روسيا الدولة الأقوى دوليّاً، والأكثر تواصلاً مع تركيا التي تعتبر الداعم الأكبر لحكومة الوفاق، والتي تؤكد دوماً أن التدخل العسكري التركي لا يهدف للمشاركة في القتال، بل هو لحماية حكومة الوفاق ولتحقيق نوع من التوازن. كما أن وزير الخارجية التركي صرح مؤخراً أن حفتر طرف في ليبيا ولا تعترض تركيا على الحوار مع أي طرف، ولكن يجب أن يلتزم حفتر بوقف إطلاق النار، وهذا يجعل تركيا تعمل بشيء مقارب لما تعمله روسيا مع حكومة الوفاق.

تعمل روسيا، قدر الإمكان، على أن تجري إدارة الحوار بين الأطراف برعايتها بالرغم من دعمها الواضح لأحد الأطراف كما حدث في مباحثات سوتشي وأستانا حول سوريا. وربما يرجع ذلك إلى الإمكانات الروسية وإلى تفضيلها تخفيف الأعباء.

وتعتبر تركيا شريكة لروسيا في مساري أستانا وسوتشي، وبالتالي فإن تجربة البلدين تؤهلهما للتفاهم على إدارة حوار ما حول ليبيا خاصة أن هناك مصالح مشتركة بين البلدين. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى تدرك روسيا أن أنقرة مصممة على المضي في حماية حكومة الوفاق ولا خيار آخر لها عدا ذلك. فسقوط حكومة الوفاق يضر بالأمن القومي التركي على عدة مستويات، كما أن كلاً من تونس والجزائر المجاورتين لليبيا لا يريدان سقوط حكومة الوفاق، وبالتالي ومع حجم الوجود الروسي الحالي وغير الرسمي فإن احتمالات التفاهم بين البلدين للعمل نحو صيغة استقرارية تبدو أكبر.

كانت الدعوة المشتركة من تركيا وروسيا لوقف إطلاق النار في ليبيا مؤشراً على إمكانية تنسيق البلدين معاً لمسار حوار قد يكون أحد عوامل نجاح مؤتمر برلين وقد يكون بديلاً عنه مستقبلاً، وقد رأينا مؤخراً رفض السراج للتجاوب مع الوزراء الأوروبيين بسبب سياستهم الملتوية في التعامل بينه وبين حفتر. ولكن الحقيقة التي لا مفر منها أن البلدين لديهما قوات على الأرض ولديهما تجربة دبلوماسية ومصالح مشتركة قد يكون وزنها أثقل من وزن الملفات الخلافية في حسابات الربح والخسارة.

يستفيد البلدان أيضاً من الموقف الأمريكي الذي يبدو وكأنه غائب بشكل شبه كامل. ولكن علينا ألا ننسى أن استمرار أمريكا بهذا النسق أمر غير مضمون. ففي العام الأخير من إدارة أوباما وبعد انقلاب عسكري فاشل في تركيا تزايد التنسيق التركي الروسي في سوريا، ونجم عن ذلك عملية درع الفرات، وحالياً في السنة الأخيرة من الفترة الأولى لترمب لا يمكن قول نفس الأمر لأن علاقات أنقرة بواشنطن في عهد ترمب أفضل منها في عهد أوباما، وعلى الأرجح هي في عهد ترمب أفضل من رئيس ديمقراطي جديد.

إن قبول الأطراف المتنازعة في ليبيا لدعوة كلٍّ من تركيا وروسيا لوقف إطلاق النار يعبر عن نجاح مبدئي لمساعي الشريكين. وهذا ربما يؤسس لنزع فتيل الأزمة هناك، ويؤسس لبداية مسار سياسي يفضي إلى حل نهائي.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي