إحدى أهم ميزات الانتخابات المحلية التركية الأخيرة أنها مفتوحة على عدة تقييمات بسبب وجود زوايا نظر ومعايير نجاح متعددة فيها، بحيث يختلف التقييم ولو جزئياً حسب زاوية النظر ومؤشر النجاح المعتمد.

وأحد أهم الاستنتاجات فيما يتعلق بالنتائج الأولية، التي ينتظر جزء مهم منها القرار النهائي للجنة العليا للانتخابات خلال أيام، أن حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة هو أحد أكبر الفائزين في الانتخابات بل لعله أكبرهم. وهي خلاصة تدعمها بعض الأرقام، حيث رفع الحزب عدد بلديات المحافظات والمدن الكبرى التي يديرها من 13 في انتخابات 2014 إلى 21 في الانتخابات الحالية بنسبة تزيد عن %50.

إضافة إلى ذلك فقد فاز الحزب ببلدية العاصمة أنقرة بعد غيابه عنها لمدة 25 عاماً وفي طريقه للفوز ببلدية إسطنبول كذلك ما لم تحدث مفاجأة كبيرة ضمن المسار القانوني لعملية البت في الطعون. كما أن توحد تحالف الأمة خلف مرشحي الحزب، بل وإضافة حزب الشعوب الديمقراطي له وإن بشكل ضمني غير معلن، يعد نجاحاً للحزب ورئيسه كمال قليجدار أوغلو.

كل ذلك صحيح ولا غبار عليه، لكن هل يمكن عدّ نتيجة حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات الأخيرة فوزاً كاسحاً وبداية مرحلة جديدة في تركيا؟ لا أعتقد ذلك.

هناك خمسة مؤشرات على الأقل تقول إن فوز حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات الأخيرة "مقيَّد" نوعاً ما وليس "مطلقاً"، وأن ارتداداته وانعكاساته بالتالي على المشهد السياسي التركي أقل مما رُوج له بكثير.

المؤشر الأول هو أنه لم يحصل تغيير كبير في البلاد بعد الانتخابات لا سيما على مستوى النظام السياسي، فهي انتخابات محلية متعلقة بعمل البلديات ولا تمس الرئاسة أو الحكومة أو البرلمان، كما أن مشروعية النظام الرئاسي ورئاسة الرئس أردوغان ثبتت عملياً إضافة لشرعيتها الدستورية القائمة بمعزل عن نتائج الانتخابات، حيث اختفت بعد النتائج كل التلميحات باحتمالية دعوة المعارضة لانتخابات مبكرة، وما إلى ذلك بعد حصول تحالف الشعب المكوّن من العدالة والتنمية والحركة القومية على غالبية أصوات الناخبين بنسبة %52 وكذلك على غالبية بلديات المدن والمحافظات بواقع 50 من أصل 81.

المؤشر الثاني والمكمل للأول هو أن نسبة التصويت للشعب الجمهوري نفسه وكذلك للعدالة والتنمية لم تتغير كثيراً عن الانتخابات السابقة، بل لعلها ارتفعت بشكل بسيط بالنسبة للأخير، ما يعني أن انقلاباً في شعبية الحزبين لم يحصل، وبالتالي فإن التوقعات بتغيرات كبيرة في أي انتخابات برلمانية قادمة ما زالت غير ناضجة ولا تقوم على دليل ملموس.

المؤشر الثالث هو أن فوز الشعب الجمهوري ببلديتي إسطنبول -إن تأكد- وأنقرة لم يكن بأصواته وحده وإنما بتوحد أصوات ناخبي حزبه مع "حزب إيي" المتحالف معه وكذلك أنصار حزب الشعوب الديمقراطي الذي دعم مرشحيه دون تحالف أو تعاون علني.

يعني ذلك أن فوز الحزب بهذه البلديات وغيرها لا يعكس قوته الذاتية أو شعبيته في الشارع من جهة، ويطرح علامات استفهام بخصوص المستقبل ومدى متانة التحالف وفرص استمراره من جهة أخرى، خصوصاً في ظل استياء "حزب إيي" من نتائجه إذ إنه لم يفز ببلدية أية مدينة كبرى أو محافظة مكتفياً ببعض البلديات الفرعية.

المؤشر الرابع أن الشعب الجمهوري فاز في أنقرة وإسطنبول بمرشحَيْن غير تقليديين ولا ينتمون لمدرسته الفكرية، فالأول قومي الجذور والثاني من عائلة محافظة، بل إن منصور يافاش الفائز ببلدية أنقرة ليس حتى عضواً في الحزب، وإنما ترشح بتوافق حزب الشعب الجمهوري مع "حزب إيي" إثر رفض الحركة القومية -حزب يافاش السابق- ترشيحه كما فعل في المرتين السابقتين. يطرح ذلك علامة سؤال حول مدى قدرة الحزب على فعل الأمر نفسه، أي تقديم مرشحين من خارج أطره الفكرية، وبأي نسبة في الانتخابات البرلمانية المقبلة وبالتالي مدى قدرته على استثمار النتيجة الحالية في البرلمان القادم.

المؤشر الخامس هو أن فوز الشعب الجمهوري ببلديتي أنقرة وإسطنبول ليس كاملاً ولا خالصاً، حيث فاز برئاستيهما ولكن مع أغلبية واضحة للعدالة والتنمية وتحالف الشعب في المجلس البلدي لكليهما، إذ إن المجلس البلدي يتشكل من الأحزاب السياسية المختلفة بنفس نسب التصويت لها.

المادة 18 من قانون البلديات تذكر بإسهاب صلاحيات المجلس البلدي التي تشمل التخطيط الاستراتيجي وبرامج العمل والاستثمار وإقرار الميزانية ومشاريع الإعمار والتعميمات الصادرة عن البلدية وغيرها.

وبالنظر إلى أغلبية العدالة والتنمية وتحالف الشعب في المجلس البلدي في كل من إسطنبول وأنقرة -أهم بلديات تركيا- يمكن القول إن رئيسَيْ البلديتين لا يمكنهما العمل والإنجاز دون التشاور بل والتوافق مع العدالة والتنمية تحديداً، الذي يملك إمكانية تعطيل أو تأجيل أي مشاريع أو توجهات لا يرضى عنها وفق أغلبيته في المجلسين.

والنتيجة المباشرة لذلك هو أن البلديتين، إسطنبول وأنقرة، لن تخرجا كثيراً عن الخط والسياسات التي رسمها لهما العدالة والتنمية طوال السنوات الفائتة وأن تأثير الشعب الجمهوري سيكون محدوداً فيهما ضمن بعض صلاحيات الرئيس التي لا سلطة للمجلس عليها أو ما يتم التوافق عليه بين الطرفين.

في الخلاصة، حقق حزب الشعب الجمهوري نتيجة متقدمة في الانتخابات المحلية الأخيرة مقارنة مع انتخابات 2014 وثبت رئيسه قليجدار أوغلو نفسه في منصبه إلى حد كبير بعد سلسلة الهزائم الانتخابية أمام العدالة والتنمية والتي غذت المعارضة الداخلية ضده، لكن هذا الفوز لا يعني قلب الأمور رأساً على عقب في تركيا ولا "بداية نهاية عهد العدالة والتنمية" كما روجت بعض أوساطه.

الأدق أن الحزب حصل على فرصة تاريخية تُمكنه من تغيير صورته النمطية أمام الناخب التركي، إن كان على الصعيد الفكري المرتبط بثقافة الشعب المحافظة في عمومها أو على صعيد الممارسة والنجاح والإنجاز، وهي فرصة إما أن يستثمرها بالشكل الأمثل ليحصن من فرصه في الانتخابات المقبلة أو تكون الفرصة الأولى والأخيرة إن فشل في ذلك.

ولعل إحدى أهم إيجابيات نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة هو هذا التنوع في البلديات الكبرى، والتي ستكون تحدياً كبيراً في بدايات المرحلة القادمة، إذ إن الرئيس من حزب وغالبية المجلس البلدي من الحزب المنافس، لكنها تفتح على المدى البعيد آفاق الحوار والتعاون والتوافق بين الطرفين، التي هي شروط ضرورية لنجاح عمل البلديتين الأهم في تركيا وغيرهما من البلديات المماثلة، لا سيما أن عين الناخب ستتابع الجميع وستقيّمهم الآن وفي المنافسات الانتخابية المقبلة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي