لم تستطع ثورات الربيع العربي أن تلبي طموحات الشعوب التي خرجت منتفضة قبل ثماني سنوات، إلا أنها بعثت فيهم الرغبة الدائمة في التغيير، وهو التغيير الواعي هذه المرة الذي يستند إلى العقل والعدل والعمل جنباً إلى جنب مع التنوير والتحرير.

ها هو الحراك ينطلق مجدداً، في أكثر من مكان، ها هو الشعب المغلوب على أمره يخرج مطالباً بالتغيير، يعلن للمرة الألف، أن السكين بلغت العظم، وألا تغييرَ حدثَ تحت مسمى الربيع العربي الفائت، إن هي إلا انقلابات ورجّات وتحويرات، لم تستطع تجفيف منابع الفساد، ولا تمكّنت من إعادة توزيع الثروة وتكريس العدالة الاجتماعية.

المتغير اليوم هو وضوح المطالبات، وانتقالها من العام إلى الخاص، لم تعد يافطة "الشعب يريد التغيير" هي الأكثر تلويحاً في ساحات الاحتجاج العربي، بل باتت يافطات أخرى تسائل قضايا مخصوصة، هي التي ترتفع في هذا الهُناك وفي ذاك الهناك. فمن مُطالِبٍ بالخبز، إلى مُطالب بالمساواة في الإرث، إلى منشغل بالإفادة من خيرات التنمية. فما عاد في المقدور الصبر على سياسات التفقير والتجويع والظلم، الشارع بات محكمة شعبية للاقتصاص من سوء التدبير السياسي لقضايا الشعوب، مثلما صارت مواقع التواصل الاجتماعي، سلاحاً فريداً في يد المواطن اليقظ والملتزم بهموم الوطن وآماله.

ما لم تتوفر العدالة الاجتماعية والاقتصادية والقضائية والسياسية والمجالية، فلا يمكن الحديث عن التغيير.

عبد الرحيم العطري

في قراءة لا تخلو من تعسف، لمضامين الشعارات المرفوعة آناً، وفي كثير من الأقطار العربية، يمكن القول بأنها تتوزع على عيون مركزية، وفي مستوى أكبر على ثلاث تاءات، عفواً أيها القارئ العزيز، لا نريد الدخول في صناعة أحجية أو تركيب متاهة، وإن كان سياقنا العربي مفتوحاً على أحجيات مُلغزة ومتاهات مُربكة، فقط نريد الاقتراب حقاً من الصوت المعلن والمضمر للشعوب العربية، وهي تخرج صادحة بالتغيير.

وعليه، فالعين الأولى هي عين العدل، أي نعم العدل بمختلف مدخلاته ومخرجاته، إنه المطلب الرئيس للشعب العربي، والمدخل الرئيس لكل تنمية منشودة، فما لم تتوفر العدالة الاجتماعية والاقتصادية والقضائية والسياسية والمجالية، فلا يمكن الحديث عن التغيير، ولا يمكن القول بأننا ننتمي إلى ما بعد الربيع، الذي يُفترض فيه أن يكون مثمراً ومزهراً كرامةً ومواطنةً حقة.

أما العين الثانية فهي عين العمل، باعتباره مفتاحاً/مغلاقاً لكل المشاكل الاجتماعية والسياسية، ذلك أنه عندما تصير البطالة واقعاً قرر عدم الارتفاع، يستمر الهدر التنموي للطاقات والكفاءات، ويتجذر الفقر والتهميش، ويُمنع الناس من الحراك الاجتماعي، باتجاه العمل وتأكيد الذات. فما معنى أن يتحصل الطالب على الشهادة الجامعية في سنته الثالثة والعشرين، ولا يحصل على الوظيفة إلا في الخامسة والأربعين، إن كان محظوظاً طبعاً؟ فمن يعوضه عن 12سنة من البطالة القسرية والهدر العمري؟ ألن يكون وقوداً للعنف والعنف المضاد بسبب هذا الإقصاء من مسارات الترقي الاجتماعي؟ أليست الأنظمة العربية هي التي تصنع أعداءها عن طريق الإهدار المتواصل للطاقات الشابة؟

لم يعد ممكناً تدبير أكثر القضايا حساسية في الزمن العربي بإستراتيجيات "حمَلة المباخر" أو "الأقراص الفوارة" فثمة حاجة قصوى إلى الانتصار للعلم والعقل في تدبير أزماتنا وإخفاقاتنا.

عبد الرحيم العطري

على مستوى آخر تُفهم هذه العين بأنها مطالِبة لصناع القرار بالعمل على أجرأة الوعود المعسولة التي قدمت خلال بناء الدساتير التأسيساتية، واللحظات الانتخابية التي أعقب ربيعاً استحال خريفاً بقوة الأشياء، إنها دعوة مباشرة إلى الانتقال من الخطاب إلى الممارسة، فقد عيل صبر المواطن العربي، وبات يصرخ ويحرق ويفجر السخط المتراكم في الواقعي والافتراضي.

أما ثالثة الأثافي، فهي عين العلم والعقل، والتي يمكن تلمُّسها في الاحتجاجات المطالِبة بالدولة المدنية وبفصل الدين عن الدولة، وكل الدعوات التي تدعو إلى إيلاء الأهمية للعلم والعقل في بناء السياسات العمومية وتخطيطها وتنفيذها فلم يعد ممكناً تدبير أكثر القضايا حساسية في الزمن العربي بإستراتيجيات "حمَلة المباخر" أو "الأقراص الفوارة"، ثمة حاجة قصوى إلى الانتصار للعلم والعقل في تدبير أزماتنا وإخفاقاتنا، وهو ما يقتضي الاهتمام بالبحث العلمي والثقافة والإبداع، باعتبارها أساس كل رهان تغييري. فلا يمكن أن تكون الكلمة فقط في أزمنة ما بعد الربيع لثلاث دعاة فقط، وهم على التوالي: داعية التقنية (التكنوقراط)، داعية السياسية وداعية الدين والتدين، فيما العلماء والمثقفون العضويون على الهامش، لا يتم الانتباه إليهم إلا نادراً.

إنها العيون التي يريدها الشعب العربي من أدناه إلى أقصاه، مع اختلاف تفاصيل المطالبات، وتنوع صيغ الاحتجاج. ففي السودان وتونس ومصر والمغرب والأردن … كانت هذه العيون هي الأكثر اشتغالاً مدّاً ومَدىً، وهي التي تعلن وتخفي في مستوى ثانٍ حاجة أخرى إلى ثلاث تاءات، تضمن لنا جميعاً العبور الآمن نحو بر الأمان.

يريد المواطن العربي تغييراً جذرياً لا صورياً ينبني على إعادة ترتيب بيادق لعبة الشطرنج بما يحافظ على نفس البنية الأصلية.

عبد الرحيم العطري

لربما نحن مقبلون على طوفان عربي قادم، وليس في مقدورنا، كما تقول الحكاية الشهيرة، سوى خيار أول يقتضي بناء قارب للنجاة، أو اتباع سيناريو ثانٍ يقتضي بناء سور عظيم عَلَّهُ يمنع عنا الماء، وطبعاً فالنجاة تنكتب لمن قرر المواجهة لا الهروب وراء الجدران fight or flight. فليس ممكناً، لمواجهة هذا الغضب الهادر، سوى بناء قارب للإبحار في اتجاه العيون الثلاث (العدل، والعمل، والعلم والعقل)، وهو أمر مستوجب في البدء لاستنبات تاءات التنوير والتحرير والتغيير بعداً.

فالمجتمع العربي، في مَسِيس الاحتياج إلى نهوض تنويري جديد، لاجتثاث كل مظاهر التخلف والخرافة بُغية الخروج من عصر الانحطاط والظلام إلى عصر الأنوار، فمن المثير للشفقة والقرف أيضاً، أن تتحول فضاءاتنا العامة إلى سوق هادرة لترويج السحريات والشعوذات، وأن ننتهي من إنتاج الأسئلة الكبرى، ونتحول إلى مستهلكين خاملين في سوق دينية وسياسية لا تُبقي ولا تذر.

إن هذا التنوير المأمول يقتضي تاءً ثانية متأسسة على تحرير الطاقات والأفكار وإعادة بناء الإنسان، إننا مكبَّلون بأغلال القبيلة والتقليد، مرتكنون إلى الجبن والخوف من التغيير، بل إننا أعداء التغيير، لأننا نستحب عدم الخروج من منطقة الأمان، لأننا، وبكل بساطة، لم نجرب طعم الحرية. لهذا كله لا بد من تحرير إمكاناتنا وأحلامنا وقيمنا وكافة خطاباتنا وممارساتنا، لا بد من الخروج من العلبة thinking out of the box، حتى نستحق الحياة وتستحقنا بالتالي هذه الحياة التي نبتغيها جديرة بالإنسان العربي.

لنصل ختاماً إلى تاء التاءات وهي التغيير، فكل ما يريده المواطن من المحيط إلى الخليج، يُستجمع في هذه العبارة الجامعة المانعة، يريد التغيير كما علا بها صوته في الربيع الفائت، وكما يصدح بها اليوم في أكثر من ميدان، يريد تغييراً جذرياً لا صورياً ينبني على إعادة ترتيب بيادق لعبة الشطرنج، بما يحافظ على نفس البنية الأصلية، بحيث تتغير المواقع دون أن تتغير السلط والسياسات الموجهة.

لم تعد المسكنات والمنومات السياسية وحتى "الإيديو دينية" قادرة اليوم على تعليب وعي المواطن العربي وغسل دماغه، لهذا بات يحتج على كل رموز الدولة ويطالبها مباشرة، بتغيير أدائها وتنفيذ التزاماتها تجاهه، إنه يهفو إلى عيون العدل والعمل والعلم والعقل، ويستنجد بتاءات التنوير والتحرير والتغيير، ذلكم هو القارب المفضي إلى الخلاص، وما دون ذلك هو عبث مُوجِبٌ للارتطام بالحائط. فهل من مستمع جيد وهل من مجيب حكيم؟.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي