لا تعاني الشعوب العربية من حرمان مادي وحسب، بل من حرمان حقوقي أيضا، وهو عندما يتم استبعادهم من ممارسة حقوقهم العامة كمواطنين أو ممارسة حقوقهم المدنية الخاصة التي تحفظ لهم كرامتهم.

منذ عقود، كتب مستشرقون مثل جون إسبيزيتو، وعرب مثل سعد الدين إبراهيم، يحلّلون وضع العالم العربي والإسلامي ويتناولون موضوع "التهديد الإسلامي" أو الإرهاب أو المجموعات المتطرفة، أو حالة السخط الشعبي العام وعدم الرضا، أو موضوع الغليان الاجتماعي، في مسار دراسة طويلة يقوم بها العالم الغربي عن العالم الإسلامي؛ دراسات في الغالب تقوم على فرضيات مسبقة وعلى مقدمات اتفقوا عليها ثقافياً وعرفياً في السياق الأكاديمي حول القيم العامة والثقافة وحول الشعوب وحول الأديان وعلاقة الدين بالسياسة وحول الشرق تحديداً.

لأجل ذلك؛ حينما يدرسون الشعوب الإسلامية ووجود عمليات الإرهاب من جهة، أو وجود حالات الرفض العامة أو حالات عدم الرضا وحالات اليأس والإحباط العامة من جهة أخرى، يتناولون تلك المظاهر التي تعم الشعوب بين فينة وأخرى أو تتشكّل بتمظهرات مختلفة ضمن التفسير الاجتماعي، ويقدّم هؤلاء المستشرقون أو العرب تحليلًا بأن "الحرمان" هو الدافع الاجتماعي والنفسي لحالات السخط وعدم الرضا وعدم الاستقرار.

أبرز أشكال الحرمان هو الحرمان الحقوقي والشعبي العام المتمثل في تجريد المجتمع من قيم المشاركة العامة واتخاذ القرار.

عبد الله العودة

وحينما نتحدث عن "الحرمان"، فإن هؤلاء الدارسين يتحاشون بشكل فج شيئين ظاهرين: الشيء الأول، أن أبرز أشكال الحرمان هو الحرمان الحقوقي والشعبي العام المتمثل في تجريد المجتمع من قيم المشاركة العامة واتخاذ القرار والتأثير والتفاعل الطبيعي مع النظام العام؛ لأن هذا الاعتراف يعني دعم الحقوق والحريات والمطالب العامة. والشيء الآخر الذي يتحاشونه، هو أن الحرمان يعني أيضاً بشكل خاص تعريض المجتمع للاهتزاز والتناقض والارتباك عبر حرمانه من قيمه الأخلاقية وتجريده من مرجعيتها ومعياريتها.

تلك التحليلات العامة دائمًا تلجأ لتفسير حالة عدم الاستقرار في العالم الإسلامي بحالة الحرمان المادية، التي يحددونها بشكل رياضياتي صِرف عبر أرقام وتحليلات دنيوية بسيطة؛ فالحرمان بهذا المعنى يعني وجود حالة شائعة من تدني مستوى دخل الفرد والمعايير الاقتصادية.

وحينما يرى هؤلاء المحللون مجتمعات أخرى لا تشتكي من ذلك الفارق الكبير في دخل الفرد؛ بل مجتمعات تعيش مستوى جيداً نسبياً من الاستقرار الاقتصادي ومستوى لا بأس به من دخل الفرد، يرون أن هذه المجتمعات تحديداً تنتشر فيها حالة عدم الرضا وحالة الإحباط والسخط بشكل أعلى؛ لأجل ذلك لجأوا إلى محاولة تطوير التحليل التقليدي الذي يفسر السخط بالحرمان، ليتحولوا إلى تفسير آخر استعاروه من بعض العلوم الإنسانية الأخرى، يسمونه "نظرية الحرمان النسبي".

نظرية الحرمان النسبي، تقول بأن الشعور بالحرمان يحمل نفس المظاهر للحرمان نفسه، بمعنى أنه حتى الإنسان الذي لا توجد فيه أي مظاهر الحرمان المفترضة قد يشعر بالحرمان بسبب عوامل أخرى، وفي الأغلب يشعر بالحرمان إما بسبب مقارنته لوضعه بأوضاع شعوب شبيهة، أو بسبب مقارنته لوضعه بما كان يعد به نفسه، أو بسبب مقارنته لوضعه بما كان يتوقع أو يفترض به أن يكون.

الحرمان النسبي، يفترض أن الإنسان أو الشعب قد لا يكون محروماً نسبة إلى بلد مجاور لكنه قد يكون محروماً نسبةً إلى بلد آخر، أو قد لا يكون محروماً نسبةً إلى المعايير العامة أو حتى "العالمية"، لكنه يشعر بالحرمان نسبةً إلى ما يريد أن يكون عليه، أو نسبةً إلى ما كانت تعده به حكومته ونظامه.

المجتمعات العربية والإسلامية تعاني من حالة حرمان أعمق مرتبط بالقيم الثقافية وحالة التناقض والارتباك والفقر الحقوقي.

عبد الله العودة

نظرية الحرمان النسبي هنا يستخدمونها لتفسير حالة عدم الرضا في المجتمعات العربية والإسلامية، ولكنها كسابقتها تكون في حصر معنى "الحرمان" على المعايير الاجتماعية الغربية التي تعتمد على قياس الحرمان بأشياء مادية ورياضاتية محددة مسبقاً، في حين أن المجتمعات العربية والإسلامية تعاني أيضاً إلى جوار كل ذلك من حالة حرمان أعمق مرتبط بالقيم الثقافية وحالة التناقض والارتباك والفقر الحقوقي؛ لأن كل تلك العناصر خارج مسار البحث والتقييم والاعتبار.

وعلى الرغم من أن التفسير بالحرمان أو نظرية الحرمان النسبي يمثّل تطوراً جيداً لمحاولة فهم حالة السخط، وأن كل ذلك الدور الاقتصادي له نصيب ينبغي تقديره والاعتراف به؛ فإن ذلك ليس هو التفسير ولا العامل الوحيد، وينبغي أيضاً توسيع فهم فكرة الحرمان لتشمل المعنى العام له في الحرمان السياسي والاجتماعي والحرمان الثقافي والأخلاقي.

الشعوب العربية بالفعل تشعر بالحرمان، وهذا الحرمان ليس "شعوراً" محدوداً، وليس "إحساساً" بالحرمان النسبي؛ بل هو حرمان عميق مرتبط بالحرمان الحقوقي والسياسي والأخلاقي؛ لأن المال لا يشتري الرضا والسعادة والإحساس بالوجود والحضور، ولا يستطيع أن يعوّض حالة عدم الرضا بالوضع السياسي والحقوقي والثقافي، وحالة الحرمان الأخلاقي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي