استشراء العقلية الريعية في العالم العربي يعتبر أحد أهم الأسباب التي تعوق عمليات التغيير التي يطمح إليها الكثير من أبناء المنطقة.

تتسرب ثقافة الريع إلى كل المجالات والاحتمالات، من الاقتصاد إلى الاجتماع إلى السياسة والثقافة، وتتعمق أكثر فأكثر في المخيال والسلوك، لتصير موجهة وحاضنة لكل التصورات والممارسات.

فلا تثير أي اعتراض، بل تحظى بالمباركة والشرعنة، وذلك في ظل بنية مأزومة لا تعوزها الأعطاب والإخفاقات النفسية والاجتماعية، فالريع مسؤول وإلى حد كبير عن إفلاسنا السياسي وبؤسنا الاجتماعي وتخلفنا الاقتصادي.

بالعودة إلى مرادفات الريع، نجد الدخل والزيادة والنمو والخصب، وبالرجوع إلى السجل الاقتصادي الذي نشأ فيه المفهوم وتبلور مع آدم سميث وكارل ماركس، نلفي أنفسنا قبالة معانٍ مركبة تشير إلى حالة اقتصادية تتعطل فيه دورة الإنتاج، وتُفرغ فيها الممارسة الاقتصادية من بعدها الإنتاجي التراكمي، لتدل على "دخل من غير عمل أو مجهود"، أو على "اعتماد حصري على مورد واحد لتحصيل المنافع".

ففي اللحظة التي يفيد فيها "الكبار" من رخص وامتيازات ومأذونيات لاستغلال مناجم الرمال والرخام، وتراخيص الصيد في أعالي البحار، نكون قبالة اقتصاد ريعي بامتياز، فنحن حينها داخل الاقتصاد وخارج القانون في الآن ذاته، حيث ينتصر العلائقي على المؤسسي، وتتراكم الثروة خارج الدورة الطبيعية لوسائل الإنتاج.

إن منح امتياز استيراد بعض السلع من الخارج، والدفع نحو احتكار تسويقها، كان ولا يزال، بيد السلطة، ذلك أن الاقتصاد الريعي لا ينمو في غفلة من أعين مالكي وسائل الإنتاج والإكراه، وإنما يكون من "إكرامياتهم" الممنوحة لمن ثبت أنه مُفيدٌ للنسق.

فثمة عائلات بعينها خصتها السلطة المخزنية في المغرب خلال بداية القرن العشرين، باحتكار إدخال أثواب المِلْفِ والحبوب والقطاني، جزاءً لها على الخدمات التي قدمتها لذات السلطة. وهو ما تواصل ويتواصل لحد الآن مع السياسيين والعسكريين الذي استفادوا من أراض ومقالع ومأذونيات نقل، لقاء مساهماتهم المعلنة والمضمرة في سبيل إعادة إنتاج الوضع القائم.

خارج نسق الهبة والدخل المجاني، فردياً كان أو جماعياً، يمتد الريع إلى أشكال الدول التي تتأسس اقتصادياتها على الريع، باعتمادها على موارد مخصوصة، كالنفط والغاز الطبيعي، وعائدات العمال المهاجرين، وسياسات التضريب والمعونات الخارجية.

وهي موارد تتحصل منها الدولة على إيرادات وامتيازات، دون أن تسهم في تدويرها أو إثرائها اقتصادياً وإنتاجياً، مثلما هو قائم في بلدان الوفرة النفطية. ليتسرب الريع مرة أخرى من البنية الفوقية إلى الأخرى التحتية وبشكل عرضاني، منتجاً لثقافة غنائمية ريعية تتسم بالانتهازية المعيبة.

لا يقتصر الأمر عند دوائر النخب العالية، وإنما يشتغل في مستويات القاع الاجتماعي، ريعاً واستغلالاً من غير وجه حق، فالأب أو الأخ الذي يتكسب "أجرةً" يومية من عرق ابنته أو أخته، التي قد تبيع جسدها في سوق "النخاسة الجنسية"، هو من آل ثقافة الريع.

وهو ما ينطبق على "فتوة" الحارة الذي يستجمع الإتاوات من البسطاء والأغنياء، بدعوى القيام على حمايتهم، ودون أن يؤدي عملاً يستحق الأجر، هو أيضاً من الكائنات الريعية التي تستحلي "أكلَها باردةً" بلا موجب حق.

بل إن الدولة ذاتها التي تثقل كاهل مواطنيها بالضرائب، من غير أن تنعكس هذه المكوس والجبايات رخاءً اقتصادياً ورفاهاً مجتمعياً، هي ذاتها في صميم الريع.

إننا في النهاية أمام نظام لتوزيع الامتيازات والحرمانات، تبعاً لمسافتي القرب والولاء، وهو نظام مسنود بشواهد تاريخية تمتد إلى زمن الغنائم والخراج والجزية، لما كان السلطان وخلفاؤه وولاته يوزعون حاصلَ السبي والفتح والغزو على المقربين، تأكيداً لسلطة العطاء وتوكيداً لواجب الموالاة وتحذيراً، ضمناً، من مغبة المعارضة.

فبعد حروب الخلافة التي حسمها الأمويون بالانتقال إلى التوريث بدل التوافق الشوري، كانت الحاجة ماسة إلى شرعنة الحكم وتدعيم قواعده، بالعنف واللا عنف أيضاً، وذلك في حالات المنح والعطاء، بتعيين الولاة وإقطاع الأراضي وتوزيع المنافع والمكاسب، والذي يعزز بالرسائل والظهائر السلطانية التي تؤسس الجاه والنفوذ، وذلك عبر خطاب مسكوك من قبيل: "لقد أنعمنا على محب جنابنا الكريم بالبستان الفلاني والأرض الفلانية والجارية الرومية والغلام الأمرد...".

للريع بنية ثقافية حاضنة ومؤسسة تعود إلى الفتوحات والغزوات الإسلامية، وتحديداً إلى مسلك التمييز بين بلاد الإسلام في مقابل بلاد الكفر، وما ينتج عنه من تمايز بين المسلم والذمي (من أهل الذمة)، ينشرط أساساً بالأداء الذي يتخذ تسميات الخراج والجزية والعشر والمكس والواجب والهدية والفريضة.

ولأن هذه العوائد الغنائمية/الريعية تحولت إلى مصادر لإثباب القوة وتأكيد فاعلية الولاة، فإنها مع الحجاج الثقفي، والي العراق في عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد، لن تبقى حكراً على أهل الذمة، وإنما ستفرض على حديثي العهد بالإسلام، فقد أصدر أمره الذي لا يرد بألا تسقط الجزية عنهم، وهو ما أدى بهم إلى الردة، ما دام الدين الجديد لا يحقق لهم أي "امتياز" اقتصادي.

إن شيوع الممارسات الريعية في السياق العربي، لا بد أن يجعل الاقتصاد دائراً في منظومة مغلقة، لا تتجاوز الاستثمار في الأرض واستخراج النفط وتدوير العقار والمضاربة المالية، دون "المغامرة" في أنشطة اقتصادية منتجة، تستثمر في البشر قبل الحجر، وتُنتج الثروة خارج الأطر التقليدية.

فنحن في النهاية أمام اقتصاد لا يُدمن المخاطرة والإبداع، ولا يتجاوز الحدود المرسومة، ولا يفكر فاعلُوه خارج نسق الغنائم والأعطيات، ما يقود إلى إنتاج عقليات ريعية تحتقر العمل وتمجد الكسل، وتبخس الكفاءة وتُعْلِي من شأن القنوات الاستزلامية، حيث العلاقات والأشخاص أهم من البنيات والمؤسسات، وحيث الوقائع والأشياء تبرر بالامتياز لا بالحق والاستحقاق.

ففي البرلمان مثلاً يتضح مفهوم الريع بجلاء، وتحديداً في مستوى المعاشات غير المستحقة، والتي لا يخجل برلمانيو الدول العربية من المطالبة بتكريسها والزيادة فيها، فمعلوم أن المعاش يكون بعد سنوات من الخدمة الفعلية، والحال أن التمثيل النيابي في البرلمان ليس مهنة تستدعي معاشاً، وإنما هو تمثيل سياسي أو نقابي محدود في الزمان، لا تتوفر فيه شروط العمل المرتبطة بعقود والتزامات مهنية بين العامل ورب العمل، إلا أنه في الحالة العربية، وخلافاً لما هو معمول به في أعرق الديمقراطيات، يغدو "عملاً" يقتضي معاشاً سميناً، لا يمكن تفسيره إلا في مستوى "ريع سياسي" خالص.

فكيف نتصور برلماناً قوياً يعارض وينتصر لقضايا الشعوب، وهو غارق في الريع الذي تغدقه عليه السلطة الحاكمة وتكبله به؟

فالريع من أهم أدوات الهيمنة والإخضاع، التي تتوفر للحاكم، إذ يطوع بها المعارض ويستجلب بها الراغب في القرب، ويحافظ بها على الموالي والخاضع.

فالحاكم يصير بمثابة الواهب/المانح الذي يقطع الأراضي ويجود بالإكراميات ويتصدق بالدُّخُول والمعاشات من غير عمل، وبالطبع فمن يفيد من هذه الأعطيات لا يمكنه بالمرة أن يجهر باللاءات في مواجهة ما قد يصدر عن الواهب، ولو كان متعارضاً ضدياً مع المنطق والمصلحة العامة، فالريع يُخرس الألسنة ويُلهب الاحتفاء والمباركة والموالاة.

عندما تصير الامتيازات والهبات واقعاً لتدبير العلاقة مع الرعايا، نكون حينها في صلب بنية تقليدية مُخفقةٍ اجتماعياً وسياسياً، لأن المفروض هو استبدال الامتياز بالحق، والرِعْية بالمواطنة، والريع بالإنتاج والعمل والكفاءة والاستحقاق.

ذلك أن البنية الريعية لا تعتمد إلا على العلاقات الزبونية والقرابية لتحصيل منافع وبناء مكانات ووضعيات، بعيداً عن أي استحقاق مشروع. وهو ما ينعكس سلباً على المناخ الاقتصادي العام، ويمتد بتأثيراته إلى مختلف الأبنية المجتمعية، التي تغيب منها المبادرة والنزاهة والمسؤولية.

إن الرسالة التي يلتقطها الفاعل الاقتصادي من الثقافة الريعية تتلخص في أن النجاح متصل بالإمكان العلائقي لا غير، وأن القرب من دوائر السلطة، هو الكفيل بتحقيق الثروة، ولا سبيل لبلوغ ذلك سوى تقديم فروض الطاعة والولاء، بالانتماء إلى الحزب الحاكم، والدوران في فلك من تدور حوله الأفلاك.

ولهذا يُفهم كيف يزداد الإقبال على الأحزاب الخارجة من رحم السلطة، تماماً كما حدث مع حزبي مبارك وبنعلي ما قبل الربيع الأول.

فالقرب من موزعي الريع يُثمر مكاسب اقتصادية في صيغة إعفاء ضريبي أو إقراض مُجْزٍ أو حتى صفقات مربحة وامتيازات مهمة، وكل ذلك خارج القانون قريباً من الريع.

وما لم نقطع مع هذه العقلية الغنائمية في المجال التداولي العربي الإسلامي، وننقلب على ثقافة الريع التي تورمت سرطاناً خبيثاً، في الاقتصاد والسياسة والثقافة وكل احتمالات الوجود والمشترك، فإننا باقون في الدرك الأخير من "اللا دولة" و"اللا مواطنة"، فلا انتقال نحو الديمقراطية مع استمرارية مشتملات الريع والغنيمة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.  

المصدر: TRT عربي