منذ بداية عملية نبع السلام التركية في الشمال السوري، كان الموقف الأمريكي - وما زال - الأكثر تذبذباً وغموضاً من بين مواقف مختلف الأطراف.

فمن تقييمات الضوء الأخضر الأمريكي للعملية خلال اتصال اردوغان - ترمب قبلها، إلى التهديدات بفرض عقوبات على تركيا بسبب العملية، ثم التفاهمات التي أبرمها نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس مع الرئيس أردوغان وصولاً للعقوبات الأخيرة التي فرضها مجلس النواب الأمريكي على أنقرة مسار طويل من المد والجزر في الموقف وارتداداته.

ولعل قرارات مجلس النواب الأمريكي الأخيرة هي الأكثر لفتاً للأنظار والعمق في الدلالة، ليس فقط لأنها أتت بعد التفاهمات الأمريكية - التركية التي يفترض أنها أطّرت للعملية التركية وأقرتها وعادت عن العقوبات، وإنما لمضمون المداولات ونتائج التصويت على حد سواء.

ففي التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الفائت، أقر مجلس النواب الأمريكي وبتأييد 405 من أعضائه مقابل رفض 11 عضواً قرار الاعتراف بأحداث عام 1915 على أنها "إبادة للأرمن" على يد الدولة العثمانية. وإذا كان هذا القرار رمزياً يراد منه الضغط على أنقرة معنوياً، فإن المجلس لم يكتفِ به وإنما تخطى ذلك نحو إقرار قانون يتضمن عقوبات على أنقرة، بتأييد 403 من أعضائه ورفض 16 عضواً.

ثمة من يرى أن تركيا وقعت هنا ضحية للمناكفات الأمريكية الداخلية وخصوصاً ملف عزل ترمب الذي بدأت إرهاصاته الأولى، بحيث يصبح الدعم الذي أبداه ترمب – أحياناً وجزئياً - للعملية التركية وعلاقاته الجيدة - وفق المعلن - مع أردوغان الخاصرة الرخوة التي يرغب الكونغرس بالضغط من خلالها.

يبدو ذلك صحيحاً إلى حد بعيد، ولكنه لا يكفي لتفسير نسبة التصويت المرتفعة والتي بدت عابرة للكتلتين الكبيرتين، الديمقراطيين والجمهوريين. بل إن لجنة الصداقة التركية في مجلس النواب عارض منها 4 أعضاء فقط قرار الاعتراف بمزاعم الإبادة كما رفض 3 أعضاء منها فقط قانون العقوبات، من أصل 106 أعضاء.

العقوبات على تركيا لم تنحصر في مجلس النواب وإنما سبقته لها غرفة الكونغرس الأخرى، حيث قدم السيناتوران الجمهوري ليندسي غراهام والديمقراطي كريس فان هوللين مشروع قرار بالعقوبات على تركيا تضمن - بالتوازي والتشابه مع مجلس النواب - العقوبات على شخصيات تركية قيادية في مقدمتها الرئيس أردوغان وعلى المؤسسة العسكرية وشركات الأسلحة التركية فضلاً عن تفعيل قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات (كاتسا) ضدها.

وفق الدستور الأمريكي، يملك الرئيس حق النقض/الفيتو على مشاريع القوانين الصادرة من الكونغرس في نسختها الأولى، لكنه لا يستطيع منع صدور القوانين التي تحظى بنسبة "الأغلبية المطلقة/العظمى" super majorit الممثلة بأغلبية ثلثي مجلسي النواب والشيوخ في حال أعاد الكونغرس التصويت على القرار بعد الفيتو الرئاسي.

وتبدو هذه النسبة ممكنة بالنظر لنتائج التصويت الحالية، ما يعني أن المواقف الرئاسية الأمريكية التقليدية التي تراعي العلاقات السياسية مقابل حماسة الكونغرس للعقوبات قد لا تفيد تركيا في المستقبل القريب، وبالتالي تتحول العقوبات التي يقترحها الكونغرس إلى حقيقة قائمة لا تحتاج لموافقة ترمب.

فإذا ما أضفنا لكل ما سبق الرسالة التي بعثها عدد من أعضاء الكونغرس لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو تطالبه بالتأكد من ادعاءات انتهاك تركيا لتفاهماتها مع الولايات المتحدة بخصوص عملية نبع السلام واتخاذ العقوبات اللازمة بحقها، وكذلك احتمالات عودة بعض القوات الأمريكية لمناطق شرق الفرات وفق ما أوردت رويترز نقلاً عن مسؤوليين أمريكيين، يمكن القول إن الرياح السياسية في واشنطن لا تجري حالياً بما تشتهيه سفن أنقرة.

ولعل هذا التيار المعادي لتركيا - وتحديداً للرئيس أردوغان – في الولايات المتحدة عموماً والكونغرس خصوصاً من أهم أسباب عزم الأخير إتمامه الزيارة المرتقبة للولايات المتحدة؛ فقد كان ترمب قد وجه إليه دعوة رسمية للقائه في الـ13 من الشهر الجاري، وصدرت عنه وعن مسؤولين آخرين إشارات عن تردده أو تفكيره في الأمر واعتبار الزيارة غير مؤكدة.

إذ ثمة تقدير في أنقرة بأن إتمام الزيارة في هذه الظروف العدائية سيكون محرجاً وغير مناسب لأنقرة، لا سيما بعد "الرسالة الفضيحة" التي أرسلها ترمب مؤخراً لأردوغان، بينما هناك تقدير مقابل يرى إمكانية التأثير في مسار المداولات الجارية في واشنطن. إذ ما زال ترمب يملك ولو نظرياً إمكانية التأثير في قرار الجمهوريين في الكونغرس، فضلاً عن قرار الانسحاب من سوريا أو العودة لها.

إرجاء أردوغان قراره النهائي بخصوص إتمام الزيارة لما بعد اتصاله هاتفياً مع ترمب يشير إلى تغليب الرأي الثاني، وإلى أن الاتصال قد يكون تضمن ما يُطمئن أنقرة ولو نسبياً بأن الزيارة ستكون ناجحة ومفيدة، على صعيد ترميم ترمب لارتدادات رسالته غير الدبلوماسية على شكل اعتذار أو استدراك أو على صعيد ما يتعلق بملف العقوبات على تركيا.

وبذلك، سيكون لقاء أردوغان مع ترمب مهماً جداً لتلمس المسار المستقبلي للعلاقات بين البلدين، القوتين الأكبر في حلف الناتو، وما إذا كانت ستبقى ضمن المعقول السياسي الذي يحفل بالمصالح والمهددات المشتركة أم ستسير في منحدر من الأزمات يدفع أنقرة للاقتراب أكثر فأكثر من موسكو.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي