تعتقد قطاعات واسعة من اليمين الإسرائيلي أن الانتخابات البرلمانية القادمة، في حال أفرزت نتائج تشكل ائتلافاً حكومياً صافياً، قد تُعبِّد الطريق نحو طي صفحة اتفاق أوسلو، والعودة إلى ضم الضفة الغربية، مساحةً وسكاناً

ما إن أعلن الكنيست الإسرائيلي عن حل نفسه أواخر ديسمبر/كانون الأول، حتى بدأت تخرج المواقف السياسية الإسرائيلية، الداخلية منها والخارجية، وقد احتل الموضوع الفلسطيني حيزاً واضحاً من هذه المواقف، في ظل توتر الوضع القائم مع الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، أو مع السلطة الفلسطينية أو حماس.

هناك الكثير مما قد يقال في الموسم الحالي من الانتخابات الإسرائيلية، لا سيما الانزياح الحاصل نحو اليمين، واليمين المتطرف، في ظل ما تمنحه استطلاعات الرأي لمرشحي هذا التيار من تفوّق واضح على من عداهم من مرشحي تيارات الوسط، وما تبقى من يسار، إن تبقى أصلاً.

مستقبل الوضع في غزة

تم الإعلان عن الانتخابات الإسرائيلية المبكرة والوضع الأمني في قطاع غزة على أشُده من حيث التوتر، والقابلية للاشتعال، صحيح أنه تم تسكين الظروف الميدانية عدة أسابيع، وتراجع حدة مسيرات العودة على حدود غزة مع إسرائيل، عقب التدخلات القطرية التي منحت موظفي حماس في غزة رواتب شهرين سابقين، وخففت من أزمة الكهرباء الطاحنة، لكن الأمور لا تعني أننا قد نصل يوم الاقتراع في أبريل/نيسان القادم ونحن بذات الهدوء والاستقرار.

تسببت الأوضاع الميدانية في غزة بأن تحوز على نصيب وافر من الدعاية الانتخابية الإسرائيلية المبكرة، ويمكن تصنيفها على محورين:

اليمين المتطرف، المتمثل في حزبي "إسرائيل بيتنا"، بزعامة وزير الحرب المستقيل أفيغدور ليبرمان، والبيت اليهودي برئاسة نفتالي بينيت، وزير التعليم، قبيل أن ينشق عنه ويشكل حزبه الجديد "اليمين الجديد".

هذان الحزبان يعتقدان أن الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو لم تقم بالجهد الكافي منها تجاه حركة حماس في غزة، بل إن هذه الحكومة التي يشكل حزب الليكود عصبها الأساسي، أبدت تهاوناً مفرطاً تجاه الحركة، التي استغلت ذلك، ونجحت في ابتزاز إسرائيل، من خلال إحداث تسهيلات ملموسة في حصار غزة، بحسب مزاعم خصوم نتنياهو في التيار اليميني.

مع العلم أن الحكومة ومن خلفها الجيش الإسرائيلي بقيادة الجنرال غادي آيزنكوت، الذي يغادر موقعه بعد أيام قليلة، واصلت معركتها ضد أنفاق حماس في غزة، وتعاملت خلال الشهور الثمانية الماضية مع المسيرات الشعبية الفلسطينية على حدود غزة، فقتلت 260 فلسطينياً، وأصابت 13 ألفاً، بينهم 6 آلاف بنيران القناصة.

يحاول نتنياهو الدفاع عن نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي والرأي العام الذي يحاول اختيار مرشحيه لهذه الانتخابات بصورة مبكرة، من خلال تسويق موقف الجيش الذي يرى أن معركة عسكرية مفتوحة مع حماس سترتب على إسرائيل خسائر بشرية كبيرة

عدنان أبو عامر

يحاول نتنياهو الدفاع عن نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي والرأي العام الذي يحاول اختيار مرشحيه لهذه الانتخابات بصورة مبكرة، من خلال تسويق موقف الجيش الذي يرى أن معركة عسكرية مفتوحة مع حماس سترتب على إسرائيل خسائر بشرية كبيرة، بجانب الأثمان الاقتصادية، والأهم من ذلك إعاقة مشروع العائق المادي لمواجهة أنفاق حماس على حدود غزة الشرقية.

في المقابل، لا يتوانى تيار الوسط وما تبقى من اليسار الإسرائيلي عن مهاجمة الحكومة الحالية، ليس لأنها لا تشن حرباً على غزة، كما يطالب اليمين، وإنما لأنها تعقد صفقات سياسية مع حماس، التي تطالب بالقضاء عليها، وتواصل إغلاق الطريق أمام أي مفاوضات مع السلطة الفلسطينية التي تنادي بتحقيق السلام معها.

يعتقد أقطاب هذا التيار أن إبرام التهدئة الأمنية وإدخال أموال الموظفين إلى غزة، تحت سيطرة حماس وسلطتها، مع استمرار الجمود السياسي مع السلطة الفلسطينية، شريك إسرائيل الأساسي في الساحة الفلسطينية، سيؤدي حتماً إلى انهيار هذه السلطة، وانتعاش حماس، بعدما يوقن الفلسطينيون أن خيار العمل المسلح الذي تنتهجه الحركة أجبر إسرائيل على التسليم لشروطها ومطالبها.

هذا الاستقطاب الانتخابي الإسرائيلي حول مستقبل الوضع في غزة قد يفسح المجال أمام سيناريوهات قد لا تكون متوقعة أمام الفلسطينيين، لا سيما في ظل حالات المزايدة الانتخابية بين الأحزاب الإسرائيلية المختلفة، ورغبة نتنياهو المتطلع إلى ولاية دستورية خامسة أن يثبت للإسرائيليين أنه ليس أقل صقورية من خصومه اليمينيين.

العلاقة مع السلطة الفلسطينية

منذ أبريل/نيسان 2014 توقفت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في أعقاب توقيع اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس، الأمر الذي أغضب إسرائيل بقيادة نتنياهو حينها، الذي خيّر الرئيس الفلسطيني بين التفاوض معه أو المصالحة مع حماس.

منذ ذلك الوقت تعيش العلاقات السياسية بين الجانبين حالة من الجمود غير المسبوق، وتوقفت الاتصالات في جميع المجالات باستثناء التنسيق الأمني، الذي ازداد على عكس المتوقع، وكأنه ليس هناك من سبب ونتيجة بين الأمرين، مع أن العكس هو الصحيح، فإن تواصلت المفاوضات استمر التنسيق الأمني، وإن تجمدت المفاوضات توقف التنسيق.

هذا يعني بالضرورة أن إسرائيل تشعر أنها مستفيدة في الحالتين، سواء تفاوضت مع السلطة أو قطعت علاقتها معها، طالما أن أمنها محفوظ بفعل التعاون الاستخباري والتنسيق الأمني معها، في حين أن السلطة الفلسطينية تظهر كما لو كانت تقدم خدمات أمنية لإسرائيل دون أن يعود عليها ذلك بفوائد سياسية.

اليوم، وبينما تزداد سخونة الدعاية الانتخابية الإسرائيلية المبكرة، تزيد الحكومة الإسرائيلية الحالية من تصريحاتها ومواقفها المعادية للسلطة الفلسطينية، واتهامها بالتحريض على تنفيذ العمليات المسلحة ضدها، رغم ما بينهما من تنسيق أمني لملاحقة عناصر حماس والجهاد الإسلامي، ومن المتوقع أن يزداد الهجوم على السلطة كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية.

هناك دعوات انتخابية يمينية متطرفة تنادي بإسقاط السلطة الفلسطينية كلياً، واستبدالها بروابط القرى، والحكم الذاتي، والعودة إلى ما كان عليه الوضع في الأراضي الفلسطينية قبل توقيع اتفاق أوسلو.

عدنان أبو عامر

كما هو التباين الإسرائيلي تجاه حماس في غزة، يتكرر الأمر ذاته في النظر إلى السلطة الفلسطينية، فهناك دعوات انتخابية يمينية أكثر تطرفاً تنادي بإسقاط السلطة الفلسطينية كلياً، واستبدالها بروابط القرى، والحكم الذاتي، والعودة إلى ما كان عليه الوضع في الأراضي الفلسطينية قبل توقيع اتفاق أوسلو.

تعتقد قطاعات واسعة من اليمين الإسرائيلي أن الانتخابات البرلمانية القادمة، في حال أفرزت نتائج تشكل ائتلافاً حكومياً صافياً، قد تُعبِّد الطريق نحو طي صفحة اتفاق أوسلو، والعودة إلى ضم الضفة الغربية، مساحةً وسكاناً، رغم ما لهذا القرار والخطوة من كلفة وأثمان باهظة: سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

في المقابل، ما زال تيار الوسط واليسار الإسرائيلي يرى أن السنوات الأربع الأخيرة من الجمود السياسي مع السلطة الفلسطينية تسببت لإسرائيل بعزلة مع المجتمع الدولي، الأمر الذي يتطلب استئناف المفاوضات معها، والوصول معها إلى حلول سياسية، تحفظ لإسرائيل مصالحها الأمنية، رغم وجود تباينات داخل هذا التيار حول المآلات النهائية لهذه المفاوضات.

أخيراً، سيبقى الملف الفلسطيني حاضراً في الدعاية الانتخابية الإسرائيلية خلال الأسابيع القادمة، الأمر الذي قد يسفر عنه خروج مواقف أكثر تطرفاً تجاه الفلسطينيين، سواء تجاه قطاع غزة أو الضفة الغربية، على اعتبار أن المواقف الأكثر يمينية في الساحة الإسرائيلية ستكون أكثر رواجاً في الحلبة الانتخابية، وقد جرت العادة أن صاحب الحنجرة الإسرائيلية العالية سيكون ذا حظ أكثر في نيل أصوات الناخبين الإسرائيليين.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي