مشروع التسوية أفقد الفلسطينيين مكتسباتهم التي حقّقوها طوال كفاحهم، ومنح الاحتلال مكاسب كبرى خلّصته من عبء الإدارة المدنية والتشغيلية للسكان الفلسطينيين؛مع احتفاظه بسطوته الأمنية كاملة ومُعزّزة

اقتراحات الحكم الذاتي، أو إقامة سلطة فلسطينية في ظلّ الاحتلال، أخذت بالظهور القويّ منذمطلع سبعينيات القرن الماضي، من أوساط فلسطينية داخل الأرض المحتلة، وهو الأمر الذي تعاملت معه –في حينه- قيادة منظمة التحرير وفصائلها بقدر عالٍ من الرفض الذي بلغ حدود التخوين، بيد أنّه لم يمر وقت طويل، حتى أخذت القيادة نفسها تسعى إلى الترويج لهذه المقترحات داخل أوساط الثورة الفلسطينية وذلك تحديدًا من بعد حرب تشرين أول/أكتوبر 1973، وهو ما أخذ خطوة عملية فيما عرف بـ مشروع "النقاط العشر"أو الحل المرحلي في العام 1974.

وبالرغم من التنبؤات التي قدّمها عدد من المثقفين والمناضلين الفلسطينيين منذ الظهور الأول لتك المقترحات، وقراءتهم البصيرة لمآلات فكرة الحكم الذاتي، وملاحظتهم المبكرة حول استحالة تحوّلها إلى دولة حقيقية على الأراضي المحتلة عام 1967، وإدراكهم لاشتراط سلوكها وآفاقها بالإرادة الإسرائيلية.. بالرغم من ذلك فإنّ القيادة الفلسطينية ظلّت ماضية في خيارها هذا، والذي انتقل إلى مراحل جدّية منذ أواخر السبعينيات،بفتح قنوات اتصال مع الإسرائيليين ظلّت تتدرج وصولاً إلى توقيع اتفاقية أوسلو فيالعام 1993.

كان في دوافع تلك القيادة جملة من العوامل، منها وعيها بحقيقة حرب أكتوبر من الناحيةالمصرية، وأنها سوف تفضي إلى مفاوضات تخرج مصر من معادلة الصراع مع"إسرائيل"، وبالتالي اختلال موازين القوى التي دعمت الوجود الفلسطيني في لبنان بعد خسارته للساحة الأردنية.

ذلك فيما يخص العوامل المباشرة، إلا أن العوامل التأسيسية الكامنة في وعي القيادة،كانت في هاجس التمثيل الفلسطيني، الذي حكم سلوكها وفكرها السياسي، سواءً في علاقتها بالإقليم العربي، ولاسيما مع الأردن وسوريا في حينه، أو في خشيتها المزمنةمن خروج قوى وقيادات بديلة من الساحة الفلسطينية نفسها.

وعلى أيّ حال، فإنّه لا يمكن أبدًا إغفال تجربة الثورة المريرة التي اكتشفت مبكراً أن النظام الإقليمي العربي، بشقيه "التقدمي والرجعي" حسب تصنيفات ذلك الزمن، غير معنيّ في الحقيقة بتحرير فلسطين، فكلا الشقين يستخدمان القضيةالفلسطينية ورقةً لتعزيز الأنظمة الحاكمة في سياقاتها الإقليمية والدولية، وفي الصراعات التي قامت بين تلك الأنظمة، فظلّت فلسطين إمّا حقيبة يُدفع الثمن منها لكسب القوى الدولية، أو أداة للابتزاز والمقايضة وإثبات المكانة الإقليمية.

تلك عوامل مركزية وشديدة الفاعلية، في جانبها المباشر والتأسيسي، في تشكيل وعي القيادة الفلسطينية وسلوكها، بيد أنّها وإلى حدّ كبير خاصة بالقيادة نفسها، أي بموقعها ومكانتها وصراعاتها ومخاوفها، أكثر مما هي اعتبارات موضوعية تحتاج معالجة مختلفة عن المعالجة الذاتيّة، فالانتقال الحادّ من مرحلة الثورة إلى مرحلة التسويةالسلمية، انطوى على انقلاب كامل على كل مكتسبات الثورة الفلسطينية، وهذا بالضرورة كان متوقعاً، بل كان معلومًا لدى القيادة.

لقد اعترفت القيادة الفلسطينية في العام 1993 بـ "إسرائيل" دون أن تبادلها هذه الأخيرة اعترافًا مماثلاً بحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه،بمعنى أن جوهر الصراع خسرته القيادة الفلسطينية لصالح "إسرائيل"

ساري عرابي

لقد اعترفت القيادة الفلسطينية في العام 1993 بـ "إسرائيل" دون أن تبادلها هذه الأخيرة اعترافًا مماثلاً بحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه،بمعنى أن جوهر الصراع خسرته القيادة الفلسطينية لصالح "إسرائيل" في ثمن مدفوع سلفاً لقاء إقرار مصالح تلك القيادة، أي الاعتراف بها ممثلاً وحيداً للفلسطينيين، وهي بذلك تسلك المسلك ذاته للنظام الرسمي العربي الذي طالما شكا منه الفلسطينيون، والحال هذه، فإنّها فعلياً تُرسّم نفسها عضواً في النظام العربي،ولكن دون تحرير فلسطين، ويُدفع الثمن من الثورة وتضحيات الفلسطينيين.

إنّ المشكلة في توجّه الفلسطينيين نحو مشروع التسوية، تكمن في المقدمات الواضحة والمتمثلة في موازين القوى، التي لا تمكّن الفلسطينيين من البناء على تنازلاتهم سقفاً سياسياً أرقى من سلطة مرهونة بالإرادة الاستعمارية المباشرة أو الدولية،وذلك متعلق جوهرياً بالكينونة الإسرائيلية المفتقرة إلى العمق الإستراتيجي في قلب محيط عربيّ وعلى الضدّ من منطق التاريخ، إذ تعني الضفة الغربية في هذه الحالة،بالنسبة لـ "إسرائيل" قيمة إستراتيجية قصوى لا يمكن التخلّي عنها ضمن موازين قوى ما تزال داعمة لـ "إسرائيل"، وهذا فضلاً عن منزلة الضفة الغربية في المقولتين الأيديولوجية والدعائية للمشروع الصهيوني، فحتى القوى اليسارية الإسرائيلية الوازنة في حينه، والتي كانت داعمة للانفصال عن الفلسطينيين،كانت تتمسك بحدّ إستراتيجي من البقاء في الضفة الغربية، ولم يفعل اليمين الإسرائيلي الحالي أكثر من توسعة ذلك الحدّ الأدنى المتفق عليه!

وطالما كان الأمر كذلك، فإنّ مشروع التسوية بالنظر إلى هذين الاعتبارين المتضافرين، أي الاعتبار الإسرائيلي الخاص واعتبار موازين القوى العامّة، لا يمكن أن يزيد فيما يقدّمه للفلسطينيين عن سلطة تنتهي إلى هدف قائم في ذاته يؤدّي دوراً وظيفياً، دونأن يرقى في النهاية إلى دولة فلسطينية محترمة.

الدور الوظيفي المقصود هنا لا يقتصر على الجانب الأمني متعدد الاتجاهات المباشرة وغير المباشرة، والتي منها تعزيز قوى حماية الأمن الإسرائيلي، والانصراف بالجماهير الفلسطينية عن واجبها التاريخي في مواجهة الاحتلال إلى أنماط معيشية غريبة عن الصراع ومتطلباته، وإنما وبالإضافة إلى ذلك، يسكّن هذا الدور الصراعَ، ويصادر من الفلسطينيين حجّتهم القويّة على الاحتلال التي امتلكوها مرحلة الثورة، ويفتح بوابةالتطبيع المجاني، ويخلق تناقضات فلسطينية عميقة ومتنوعة، سياسية وطبقية، و على نحو يمسّ هوية الشعب الفلسطيني، الذي وحّدته الثورة، وقسّمه مشروع التسوية.

إنّ المآل الطبيعي لمشروع التسوية، ابتداء من كامب ديفيد المصرية، إلى اللحظة الفلسطينية الراهنة، هو تعاظم الهيمنة الإسرائيلية على المجال العربي، واسترخاءالاحتلال الإسرائيلي بما يمنحه فرصة أكبر للتمدد في العالم

ساري عرابي

إنّ المآل الطبيعي لمشروع التسوية، ابتداء من كامب ديفيد المصرية، إلى اللحظة الفلسطينية الراهنة، هو تعاظم الهيمنة الإسرائيلية على المجال العربي، واسترخاءالاحتلال الإسرائيلي بما يمنحه فرصة أكبر للتمدد في العالم، ثم بلوغ اليقين الإسرائيلي في العمل على التصفية النهائية للقضية الفلسطينية باستثمار اللحظات الدولية والإقليمية المواتية، كما هو الآن، فيما يتجلّى بما يعرف بـ "صفقةالقرن"، والتي رغم غموضها أسفرت عن خطوات فعلية، كتكريس الحقائق الاستعمارية التي أوجدها الاحتلال فترة استرخائه في الضفة، وكالاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمةلـ "إسرائيل"، والبدء الفعلي في تصفية حقّ العودة الفلسطيني!

يمكن القول، إنّ مشروع التسوية أفقد الفلسطينيين مكتسباتهم التي حقّقوها طوال كفاحهم، ومنح الاحتلال مكاسب كبرى خلّصته من عبء الإدارة المدنية والتشغيلية للسكان الفلسطينيين؛مع احتفاظه بسطوته الأمنية كاملة ومُعزّزة، وامتلاكه الوقت الكافي لإعادة هندسة القدس والضفة الغربية وفق رؤيته الاستعمارية النهائية، بالإضافة لتفتيت الفلسطينيين وتقسيمهم وتهميش اللاجئين، وزيادة عناصر تطبيع وجوده، وتمدده إقليمياً ودولياً.

لقد كان الصمود، المحمول على برنامج كفاحي يراعي ممكنات الشعب وقدراته وظروفه، ويقرأ موازين القوى جيداً، ويعمل بدأب وصبر على المساهمة في تغيير تلك لموازين.. هو السبيل الأمثل أمام الفلسطينيين طالما أن مشروع التسوية قد أثبت بمآلاته الجارية ما قيل فيه مبكّراً.

المصدر: TRT عربي