زاوجت النسخة الجديدة للرأسمالية العالمية بين التكنولوجيات الحديثة وسلطة المال، ما يمنحها إمكانيات قصوى للهيمنة ويفسح المجال أمام حركة سريعة لرأس المال، والنتيجة ارتفاع الضرائب وعقود العمل القصيرة الأجل، والتسريحات الجماعية للعمال والصمت الرسمي.

لم تكن الأنظمة الرأسمالية المتوحشة لتحقق المزيد من الأرباح، إلا باشتغالها على منطق غريب يتأسس على التكسير من أجل البناء والتجذّر، وذلكم ما يلوح بقوة في اشتغالات التسويق والاستهلاك، ففي كل مرة تؤسس الأنظمة ذاتها الحاجة إلى منتج معين، ثم تتجاوزه إلى آخر، في تكسير للسابق وتأسيس للاحق، حتى تتواصل منظومة الإنتاج والقهر، فالأصل هو خلق الحاجة وإذكاء الرغبة، ثم التخلي والبحث عن بديل.

المسار نفسه يستتبع على نحو ما في التعامل مع الطبقة العاملة، التي قامت الإمبراطوريات الاقتصادية على أكتافها ومن عرق جبينها، ففي لحظة ما من ضرورات البناء كانت الحاجة إلى عضلات العمال، ومع تكريس واقع من النيوليبرالية "اللا إنسانية"، انطلق سياق آخر من المَكْنَنَةِ والتَقْنَنَةِ، في اتجاه "طرد" العامل من سلاسل الإنتاج واستبدال ثمرات الذكاء الاصطناعي به.

لا شيء يدل على أن العامل العربي يتمتع بأقل الحقوق وأن حاله أو مآله يبعث على الارتياح.

عبد الرحيم العطري

أي نعم يحتفل العالم، ومعه الوطن العربي بالعيد الأممي للعمال، فبأي حال عدت يا عيد في هذا الهنا والآن؟ طبعاً لن نتوه بحثاً عن جواب، فما يحدث ويتواصل في أكثر من قطر عربي بشأن أزمنة العبودية الجديدة، كافٍ لتلمُّس خرائط الجواب.

ففي الخليج حيث العمالة الأجنبية والعربية أيضا، تستعبد وتداس كرامتها لقاء حفنة دولارات، كذلك في المغرب حيث العمال يقضون في الطريق جراء النقل الحاطِّ من الكرامة. في الهنا والهناك لا شيء يدل على أن العامل العربي يتمتع بأقل الحقوق وأن حاله أو مآله يبعث على الارتياح.

أينما وليت وجهك، ثمة معامل توصد الأبواب وتسرّح العمال، من غير حسيب ولا رقيب، وثم المزيد من الطرد التعسفي والتحرش الجنسي والاستغلال الاقتصادي والحرمان من الحقوق النقابية في كثير من الشركات التي لا يهمها سوى الربح السريع.

إنه النص الأكثر حضوراً في تدبير "الاقتصاديات" العربية، حيث تتراجع القيم الإنسانية لصالح بروز قيم النيوليبرالية المتوحشة، التي تنتصر للآلة بدل الإنسان، وللمال بدل الإنسانية، ولغير المرئي بدل المحسوس والمختبر واقعياً وإنسانياً.

من الواضح جداً أن الإمبراطوريات الاقتصادية الجديدة العابرة للقارات، والمنتمية إلى سجل النيوليبرالية المتوحشة، تنشغل أساساً بتخفيض كلفة الإنتاج، بهدف الرفع من الأرباح، ولأجل الوصول إلى هذا المطمح الذي قد يبدو مشروعاً إن لم يكن على حساب الفاعل الإنساني، فإنها تدخل باستمرار في تواطؤ مكشوف مع الأنظمة العربية، عن طريق نقل معاملها إلى "الجنات الضريبية"، أو ما يصطلح عليه رسمياً بالمناطق الحرة والمدن الاقتصادية والأحياء الصناعية، حيث لا صوت يعلو إلا صوت الرأسمال.

فلا حديث عن حقوق اجتماعية ولا مساواة بين عمالهم وعمالنا، فإذا كانت الشركات ذاتها تقدم نحو 3000 دولار كحد أدنى للأجور في بلدانها الأصلية، فإنها تخفض هذا الرقم إلى نحو 250 دولاراً عندما تفتح مصانعها في العالم العربي.

لا طريق أمام الطبقة العاملة في زمن تغول الأنظمة النيوليبرالية سوى الاتحاد والنضال من أجل المواجهة والصمود.

عبد الرحيم العطري

ألم يقل بيير بورديو يوماً بأن العولمة والرأسمالية المتوحشة تستهدف نزع السياسة من المجتمع، وذلك بهدف منح سيطرة أكبر للقوى الاقتصادية من خلال تحريرها من أية رقابة ومن أية عوائق أو التزامات اجتماعية؟.

لربما نحتاج اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى تلك الصيحة التي أطلقها كارل ماركس وفريديريك إنجلز في مختتم "البيان الشيوعي" سنة 1848، فقد صاحا معاً في وجه الرأسمالية "يا بروليتاريي العالم اتحدوا" لتصير بعداً متداولة على نطاق واسع بهذا التخريج الدال "يا عمال العالم اتحدوا"، فلا طريق أمام الطبقة العاملة في زمن تغول الأنظمة النيوليبرالية سوى الاتحاد والنضال من أجل المواجهة والصمود.

تزداد الحاجة إلى توحيد الصف العمالي، بالنظر إلى التحولات القادمة التي ستطرأ على منظومات الإنتاج، فالتقارير تفيد بأن العالم في طريقه إلى فقدان نحو 30 ألف نوع من المهن بسبب "الاجتياح التقنوي" واستبدال الإنسان بالآلة، فسعاة البريد لن يراهم أطفال 2030 على الأكثر، مثلما انسحب آناً القابض ومراقب التذاكر من الحافلة والترام والمترو، وراح السائق أو الآلة يلعبان الأدوار كلها.

ففي ظل هذا الوضع تشن الحرب على العمال، وتصير أكثر ضراوة وإيلاماً في أنساق عربية لا يُحترم فيها الإنسان، وتتعالى فيها سلطة المال التي تدخل في تحالفات استراتيجية مع سلطة الحاكم، ما يجعل الحديث عن حقوق البسطاء من العمال "جريمة" لا تغتفر، تدبر بالصمت أو الاحتجاج المباشر، ما يجعل النسق العربي مفتوحاً على التوتر باستمرار، ولهذا يتهيب مدبروه من كل "فاتح ماي"، ففي كل إضراب أو حتى استعراض تأييدي يكمن تنين الثورة.

ذلك أن السخط والحنق على الأنظمة السياسية أو الاقتصادية المستبدة لا ينسحب نهائياً، بزيادات معلومة في الأجور أو لقاءات مجاملاتية من أجل الحوار الاجتماعي بين أرباب العمل والنقابات، إنه سخط يتراكم وينتظر الفرصة السانحة للتعبير عنه، حراكاً واعتصاماً وهتافاً وحتى "لا مردودية" في العمل. فالاحتجاجات العمالية تؤشر على الديموقراطية المعيبة والفشل الدولوي في تدبير الملف الاجتماعي، ما دامت الشعارات المتعالية في العيد الأممي هي مطالبات سوسيو اقتصادية تنهجس بالزيادة في الأجور ومقاومة الغلاء وترسيم المُياومين والمطالبة بتوفير فرص الشغل وتخفيض الرسوم والضرائب وتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية.

إن هتافات العمال في الوطن العربي، لا ينبغي أن تُقرأ كصيحة في وادٍ لا معنى لها، بل ينبغي أن تُفهم على أساس أنها أفعال احتجاجية تروم التغيير ومقاومة كل إمكانيات التكريس وإعادة إنتاج القائم من الأوضاع، إنها ممارسات واعية ضد الهيمنة.

فالمجتمعات البشرية سائرة على درب الانتقال من الشكل القديم للرأسمالية الصناعية إلى مجتمع مرحلة ما بعد التصنيع، القائم أساساً على "البرمجة"، حيث يسيطر التكنوقراط والآلة والأرقام، وهو ما يقود نهاية إلى بروز "مجتمع مبرمج وموجّه عن بعد".

فلا يصير العامل مغترباً فقط عن المنتج الذي يصنعه بيديه دون أن يتمكن من ارتدائه أو أكله، تماماً كما في النسق الرأسمالي القديم، ولكنه يصير مغترباً عن زمنه ومجتمعه وباقي خيراته الرمزية والمادية، وذلكم هو أقصى ممكنات الإقصاء والاستبعاد.

إن هتافات العمال في الوطن العربي ينبغي أن تُفهم على أساس أنها أفعال احتجاجية تروم التغيير ومقاومة كل إمكانيات التكريس وإعادة إنتاج القائم من الأوضاع.

عبد الرحيم العطري

لقد زاوجت النسخة الجديدة للرأسمالية العالمية بين التكنولوجيات الحديثة وسلطة المال، ما يمنحها إمكانيات قصوى للهيمنة والتأثير. فالسوق كحقل لتبادل المصالح، صار مسيطراً على تفاصيل الحياة الاجتماعية كافة، عبر ثقافته المتأسسة قبلاً وبعداً على المنافسة والربح مع استبعاد تام للخسارة، والحركة السريعة لرأس المال، والنتيجة تكاد تنكشف بسهولة في الجنات الضريبية وعقود العمل القصيرة الأجل، والتسريحات الجماعية للعمال والصمت الرسمي أيضاً.

إن "الاجتماعي" اليوم يعد حقلاً نوعياً لاختبار القوة، إنه موضع منافسة شديدة بين من يملكون ومن لا يملكون، ومن الطبيعي أن يستحيل حقل محكوم بمثل هذه الرهانات إلى أفق للنضال والدفاع عن المصالح أو الوقوف ضدها، وما بين هذا وذاك يستمر العامل العربي على درب المعاناة والألم، يناضل من أجل الحرية والكرامة، في انتظار غد مفتوح على كل الاحتمالات القاسية والمربكة، والحل هو: يا عمال العالم اتحدوا وتحصنوا ضد النيوليبرالية المتوحشة، التي تسرق منا الإنسان.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.   

المصدر: TRT عربي