مع نهاية الشهر الماضي أصدرت الإمارات تعديلاً جديداً جوهرياً في اللائحة التنفيذية لقانون الجنسية، فتحت بموجبه المجال لمنح جنسية الدولة للمستثمرين والموهوبين والمتخصصين في مختلف العلوم والفنانين وغيرهم، وألغت شرط منع ازدواج الجنسية لهذه الفئة بالذات.

وبذلك وضعت الإمارات نفسها على أعتاب مرحلةٍ جديدةٍ من الناحية الاجتماعية، ولعلها تتوافق مع التغيرات الجديدة في الدولة مع توقيعها اتفاق أبراهام للتطبيع مع إسرائيل.

ذلك أن هذه التعديلات باتت تتيح لأي مستثمر الحصول على الجنسية الإماراتية بشرط شراء عقار فيها، وبشروطٍ أخرى ميسرة لم يعد من بينها اشتراط التخلي عن جنسيته الأصلية، ممَّا يعني بالضرورة أن أي مستثمر إسرائيلي بات بإمكانه الحصول على الجنسية الإماراتية مع احتفاظه بجنسيته الإسرائيلية، وبذلك ينفتح له العالم العربي على مصراعيه!

إن جواز السفر الإماراتي مقبول في كل الدول العربية تقريباً، وخاصة في دول الخليج التي تتشدد عادةً في منح تأشيرات الدخول، لا سيما السعودية التي لا تستثني أحداً من التأشيرة إلا دول الخليج العربي. ليس ذلك فقط، وإنما يتمتع المواطن الخليجي بحق التملك وحق الإقامة بحرية دون اشتراط مدة محددة في أي دولة من هذه الدول، ودون قيود على المناطق التي يمكنه أن يتحرك فيها داخل هذه الدول.

ففي السعودية مثلاً، يحظر على المواطن العربي أو الأجنبي الذي دخل بتأشيرةٍ لأداء مناسك العمرة أو الحج التحرك في مناطق أخرى في المملكة، إلا لو كان هذا الشخص مواطناً خليجياً، فإنه لا يمنع من الدخول بحرية في أي وقت وإلى أي بقعة في المملكة، كما أن حدود المملكة تغلق كل عام في فترة الحج أمام جميع الجنسيات، لضبط أمور الحج، إلا لمواطني دول الخليج العربي الذين يمكنهم التنقل بحرية حتى في أثناء إغلاق الحدود أمام بقية الجنسيات. كما أن المواطن الخليجي يمكنه الاستفادة من الإعفاءات الجمركية وحرية التجارة في جميع دول الخليج العربي.

الآن، تخيل معي أن مستثمراً إسرائيلياً عمل بموجب التعديل الأخير في اللائحة التنفيذية لقانون الجنسية الإماراتية، وحصل بالتالي على الجنسية الإماراتية مع احتفاظه بجنسيته الإسرائيلية، ما هي الميزات التي سيحصل عليها هذا الشخص؟ في البداية سيتمكن اليوم من التحرك بحرية في غالبية الدول العربية المغلقة على الإسرائيليين ودون تأشيرات ولا معيقات بصفته مواطناً إماراتياً! سيكون بإمكانه التجول بحرية في لبنان، الذي يعد قانونياً في حالة حرب مع إسرائيل، وبحماية السفارة الإماراتية، وسيتمكن من دخول دول عربية وإسلامية تنص قوانينها على منع الإسرائيليين من دخولها مثل بروناي وماليزيا وإيران والعراق والجزائر وبنغلاديش وباكستان وليبيا.

وأما في دول الخليج العربي، فإنه سيتمكن من التحرك بحرية في كل أوقات السنة ودون أي معيقات أو محددات لفترة الإقامة، وخاصة في دول لا تعترف بإسرائيل وترفض التطبيع معها بصرامة مثل الكويت، بل وسيكون بإمكانه امتلاك العقارات والشركات والأعمال بحرية ودون أي جمارك أو ضرائب في كل دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، أي أن الإسرائيلي-الإماراتي سيعامل معاملة المواطن الخليجي تماماً حتى في الدول التي ترفض التطبيع مع إسرائيل!

يأتي هذا التعديل في اللائحة التنفيذية للقانون في الوقت الذي لا زالت فيه قضية (البدون) بعيدةً عن الحل في دولة الإمارات العربية المتحدة، والبدون هم مجموعة تبلغ حسب تقديرات منظمة العفو الدولية نحو 15 ألف شخص يعيشون في دولة الإمارات دون أن تعترف بهم، ولا تعترف بهم الدول الخليجية الأخرى، وهم مجردون من كل حقوق المواطنة كالتعليم والصحة والسفر. وكانت منظمة العفو الدولية قد سلطت الضوء على قضيتهم في تقريرٍ صدر عام 2018، وفي ذلك الوقت حاولت الإمارات حل هذه المشكلة عن طريق "شراء" جوازات سفر للبدون من جمهورية جزر القمر التي كانت قد أقرَّت برنامجاً لبيع جوازات السفر في 2008 لجمع الأموال بسبب الحاجة الملحة للاقتصاد كما نقلت في حينه وكالة رويترز.

وتحول البدون منذ ذلك الوقت إلى مقيمين أجانب في الإمارات التي باتت تعتبرهم مقيمين أجانب من مواطني جزر القمر! وفي نفس الوقت، لا زالت قضية أبناء المواطنات الإماراتيات عالقةً في الإمارات، حيث كان قانون الجنسية الصادر عام 1972 في مادته الثانية يمنع إعطاء الجنسية لأبناء المواطنة الإماراتية، ويحكرها على أبناء المواطنين الرجال فقط، ممَّا أدى إلى تفاقم أعداد أبناء المواطنات الذين شكلوا حالةً مستعصيةً على الحل، وحاولت الإمارات عام 2017 حل المشكلة بإجراء تعديل في القانون الاتحادي للجنسية، حيث أضيفت مادة تسمح بالتقدم بطلب الجنسية لأبناء المواطنات الإماراتيات بعد مولدهم بست سنوات على الأقل، وأثار هذا التعديل جدلاً منذ ذلك الوقت بسبب اعتباره أن هذه الجنسية ليست حقاً بموجب هذا القانون! وبالتالي فإنها تعتبر مواطَنةً ناقصةً.

والسبب في ذلك أن دولة الإمارات تفرِّق بين حملة الجنسية الإماراتية أنفسهم، حيث تقسمهم إلى قسمين: قسم يحمل الجنسية "بحكم القانون"، وهم العائلات المقيمة في منطقة الإمارات منذ عام 1925م أو قبله، وهؤلاء يحق لهم الترشح والانتخاب في أي هيئات، على الرغم من الغياب الفعلي للانتخابات في الإمارات، ويحق لهم إعادة الحصول على الجنسية لاحقاً في حال فقدانها (بسبب الحصول على جنسية أخرى على سبيل المثال)، أي أنهم يكتسبونها باعتبارها حقاً طبيعياً.

أما القسم الآخر فيحمل الجنسية "بالتجنيس"، وهؤلاء يعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية، حيث لا يعملون في بعض الوظائف الحساسة كقوى الأمن والجيش ولا يسمح لهم بتبوء مناصب عليا في الدولة ولا الترشيح ولا الانتخاب، ويمكن سحب الجنسية منهم في حال "الإقامة غير المبررة خارج الدولة لعامين"! وذلك يعني أن أبناء المواطنات الإماراتيات الذين يمكن أن يحصلوا على الجنسية يتم اعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية ودون اعتبار ذلك حقاً لهم. بل إنه حسب التعديلات الأخيرة يمكن اعتبار هؤلاء مواطنين من الدرجة الثالثة أيضاً، حيث إن التعديلات الجديدة تسمح للحاصلين على الجنسية الإماراتية من المستثمرين والفنانين بالاحتفاظ بجنسيتهم الأصلية، وفي الوقت نفسه لا تسمح لأبناء المواطنات الحاصلين على الجنسية بالاحتفاظ بجنسية آبائهم وتشترط عليهم التخلي عنها للحصول على جنسية الإمارات! ممَّا يجعل المستثمر الحاصل على جنسية دولة الإمارات أعلى رتبةً وشأناً من المواطن الإماراتي المنحدر من أم إماراتية وأبٍ غير إماراتي! فضلاً عن أن فئة البدون التي هي في الأصل من القبائل العربية التي كانت تقيم دائماً في أرض الإمارات لا تعتبرها الحكومة الإماراتية اليوم أكثر من فئةٍ من مقيمين أجانب يحملون جنسية جمهورية جزر القمر، ويمكن سحب حق الإقامة منهم وترحيلهم إلى "بلدهم" التي لا يعرفونها!

هكذا يأتي هذا التعديل في قانون الجنسية الإماراتي ولوائحه التنفيذية ليجعل الإسرائيلي فوق بعض أبناء الأرض أنفسهم، فالمستثمر الإسرائيلي الذي سيحصل غداً على الجنسية الإماراتية لن يكون مهتماً بأكثر من استغلال جواز السفر الإماراتي في التحرر من قيود المقاطعة العربية، والتحرك بحرية في العالم العربي بجواز سفره الإماراتي وبحماية السفارات الإماراتية المنتشرة في البلدان العربية، ذلك إلى جانب جواز سفره الإسرائيلي الذي يمنحه حرية الحركة والحماية في أغلب البلدان الغربية، ممَّا سيجعله أعلى درجةً من مواطني العالم العربي والغربي. وهذا يحتم علينا التساؤل: مَن الذي تخدمه هذه القوانين فعلياً؟ ولماذا هذا الاندفاع الشديد في خدمة الإسرائيليين وتنفيعهم بالرغم من عدم حصول الإمارات على ما كانت ترجوه من اتفاق أبراهام؟ فلا هي حصلت على طائرات F-35، ولا هي حصلت على الدعم الأمريكي في اليمن، ولا هي بقيت في محيطها العربي الشعبي!

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً