رئيس الوزراء البريطاني في زيارته إلى العاصمة السعودية الرياض  (Stefan Rousseau/AP)
تابعنا

ورغم الجهود التي بذلتها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في الضغط على الدول المصدرة للنفط، وتحديداً المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، من أجل رفع مستوى إنتاج النفط للحفاظ على استقرار الأسعار وتقليل المخاوف العالمية، فإن موقف السعودية والإمارات الأخير، المتمثل بعدم الانصياع للضغوط الأمريكية، وضعف هامش فرض العقوبات عليهما أيضاً، بحكم الارتباط الوثيق بين الاقتصاد الأمريكي والاقتصادات الخليجية، من أجل إجبارهما على الانسياق مع السياسات الأمريكية كما تفعل الولايات المتحدة عادةً، يشير إلى أن إدارة بايدن تواجه تحدياً كبيراً في سبيل إنجاح سياسة العقوبات المفروضة على روسيا.

علاقات متأرجحة وفجوة كبيرة في المواقف

لقد أثارت العلاقات الأمريكية-الخليجية، وتحديداً مع السعودية والإمارات، الكثير من التساؤلات حول المستقبل الذي ينتظرها في عهد الرئيس بايدن، إذ إنه من خلال نظرة بسيطة إلى طبيعة التعاطي الأمريكي مع البلدين خلال الفترة الماضية من عمر إدارة بايدن، يمكن القول إنها كانت في أدنى مستوياتها، إذ حرص الرئيس بايدن على شنّ هجوم لاذع على وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حملته الانتخابية، وحرص على عدم اللقاء معه في أكثر من مناسبة بعد فوزه، محمِّلاً إياه المسؤولية المباشرة عن مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، كما أن من بين القرارات الحاسمة التي اتخذها الرئيس بايدن وقف صفقة بيع طائرات F-35 للإمارات، التي كانت جزءاً من صفقة أوسع مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل.

حتى اللحظة يبدو أن بين الولايات المتحدة والسعودية والإمارات فجوة كبيرة بخصوص العقوبات على روسيا، وهو ما تَمثَّل برفض كل من الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد الرد على المكالمات الهاتفية للرئيس بايدن الأسبوع الماضي، ومن أجل إعطاء العقوبات الأمريكية هامشاً أوسع للتأثير حرص الرئيس بايدن مؤخراً على استمرار التواصل مع زعيمَي البلدين، إلا إنه لم يُوفَّق في ذلك، وهو سيناريو لم يكُن من الممكن تصوُّره خلال الإدارات السابقة، فالأولوية المباشرة لبايدن هي أن يساعد كلا البلدين في ممارسة أقصى قدر من الضغط الاقتصادي على روسيا، من خلال زيادة إنتاجهما النفطي، التي من شأنها أن تخفف التأثير في المستهلكين الأمريكيين من خلال استقرار أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والتي قد تهدِّد سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، وفي ظلّ الموقف السعودي الإماراتي الحالي، فإن الحسابات الحالية قد تُعيد ترتيب النظام الإقليمي على أساس شروط تضعها الرياض وأبو ظبي، إذ أوضح زعيما البلدين أنهما لن يكونا جزءاً من سياسة العقوبات الأمريكية، خصوصاً أن بعض الملفات لا يزال معلقاً.

إذ لا يتوقف الأمر على الخلاف الشخصي بين الزعيمين والرئيس بايدن فحسب، وإنما يتداخل أيضاً بنظرة كل منهما إلى طبيعة العلاقة مع روسيا من جهة، ومستقبل الاتفاق النووي مع إيران من جهة أخرى، إذ إنه على الرغم من أن روسيا ليست شريكاً استراتيجياً للسعودية والإمارات، فإنه نظراً إلى قدراتها الإنتاجية في قطاع النفط، أصبحت روسيا محاوراً مهمّاً للسعودية في الكتلة النفطية الكبيرة المعروفة بـ"أوبك+"، التي تسيطر على ما يقرب من 40% من الإنتاج النفطي العالمي.

كما أقامت روسيا شراكات استراتيجية واتفاقيات تعاون عسكري مع السعودية والإمارات، جعلتهما تتحرران من الضغط الأمريكي، رغم أهمية العلاقة مع واشنطن في هذا الإطار، وفي ما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران تخشى كل من السعودية والإمارات أن تكون الولايات المتحدة مضطرة إلى تقديم تنازلات لإيران في سبيل إنجاز صفقة سريعة، خصوصاً بعد التسريبات التي تتعلق ببنود الاتفاق النووي الجديد، والتي يتضح منها أنها اقتصرت فقط على البرنامج النووي، دون الحديث عن برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، وهما ملفان أثارا حفيظة كل من السعودية والإمارات بصورة مستمرة.

ما المقابل الذي تريده السعودية والإمارات إذاً؟

تستند هذه الفكرة إلى افتراض أن التعددية القطبية ستفتح مساحة للقوى الإقليمية للمناورة والتموضع الاستراتيجي، والتخلي عن تكاليف المواءمة الاستراتيجية لفوائد المواقف التكتيكية، والموجهة نحو المصالح والسياق السياسي المحدد، إذ يوفر غزو أوكرانيا تجربة عملية لهذه الاستراتيجية.

فإلى جانب الإمارات، تشارك السعودية بشكل أكثر بروزاً في البعد النفطي للأزمة الأوكرانية، إذ تعتمد قدرة روسيا على تمويل العمليات العسكرية بشكل كبير على عائدات تصدير النفط. وفي محاولتهم للتنقل في نظام عالمي متعدد الأقطاب، حرصت السعودية والإمارات على ترسيخ فكرة أنه لا ينبغي إجبارهم على الانحياز إلى جانب واحد دون آخر، واختاروا إعادة التموضع الاستراتيجي ضمن سياق تطور الأزمة، فقد تكون إعادة التموضع وسيلة للتحرر في عالم متعدد الأقطاب، ولكنها أيضاً نهج محفوف بالمخاطر، خصوصاً في ظل لا يقينية مستقبل الحرب في أوكرانيا، إذ سيتوقف مستقبل شكل النظام الدولي القادم على فرضيتين، هما هزيمة أو انتصار بوتين فيها.

وعلى الرغم من زيارة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون للسعودية والإمارات، ضمن مسعى لحثّ الدول المنتجة للنفط على المساعدة على خفض الأسعار، وتوفير بديل طاقوي لأوروبا لتقليل اعتمادها على الخام الروسي بعد غزو أوكرانيا، فإن جونسون لم يحقِّق الهدف من زيارته، وهو ما يتضح من زيارة الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الإماراتي لموسكو من جهة، وإصرار الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز على الاتفاق التاريخي لـ"أوبك+" وأهمية الحفاظ عليه من جهة أخرى، إلى جانب ما أعلنته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية من أن السعودية وجهت دعوة إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارة الرياض، وهو ما يمثل انعطافة استراتيجية في العلاقات السعودية-الأمريكية، تتمثل في ترسيخ النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، وتقليل الاعتماد السياسي على الولايات المتحدة، خصوصاً أن السعودية تطمح إلى تسعير مبيعاتها النفطية لبكين باليوان الصيني بدلاً من الدولار الأمريكي، في خطوة من شأنها أن تقلّل هيمنة الدولار على سوق النفط العالمية.

فالسعودية والإمارات تدركان إن إدارة بايدن لم تقدّم ما يكفي للتوافق مع سياساتها الدولية، وتحديداً حيال روسيا، إذ تراجعت الولايات المتحدة عن صفقات التسليح، كما تخلت عن فكرة تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، وتبحث حالياً رفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب، مقابل خفض إيران التصعيد بالمنطقة على خلفية قصف أربيل بالصورايخ مؤخراً، ومن ثم فإن البلدين يبحثان عما هو أكبر من إعادة تطبيع العلاقات الأمريكية معهما، إذ إنه من شأن تعهُّد أمريكي جديد بالحفاظ على أمن البلدين، بالشكل الذي يكبح التهديدات الإيرانية، وإعادة العمل بصفقات التسليح، والمصالحة مع محمد بن سلمان، وتلبية المخاوف الخليجية وتضمينها في الاتفاق النووي، أن تعيد تطبيع العلاقات الأمريكية الخليجية بالشكل الذي كانت عليه في المرحلة الماضية، سواء التوافق العامّ على مستوى السياسات، والموقف من القضايا الإقليمية والدولية المستجدة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي