منذ أن أعلن رئيس الدولة المؤقّت عبد القادر بن صالح يوم 12 ديسمبر القادم موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية في الجزائر، بدأت الساحة السياسية تُفرز مرشّحيها المحتملين لخوض غمار انتخاباتٍ لم تحظ بَعدُ بإجماع الشارع الجزائري.

ومن بين الشخصيات التي يتم الزج بها لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة هو السيد عبد المجيد تبّون الذّي يراه أغلب الجزائريين المرشّح الأكثر حظاً بالفوز.

فهو الوجه السياسي لأصحاب القوة الفعليين داخل النظام السياسي أي المؤسسة العسكرية، خاصّة وأنّ هناك علاقات قوية بين تبّون ورئيس أركان الجيش السيد القايد صالح الذي يعتبره الكثيرون الشخصية الأقوى حالياً في الجزائر، الأمر الذّي أوحى بأنّ الانتخابات القادمة لن تكون إستثناءً عن سابقاتها، وبأنّ النظام السياسي يدفع دفعاً لإجراء انتخابات في ظروف غير مهيأة ديمقراطياً سوف تمكّنه لا محالة من تجديد نفسه والالتفاف بالتالي على مطالب الحراك.

هذا ما يجعلنا نتساءل في هذا المقال عن الأسباب التّي تدفع بالمؤسّسة العسكرية إلى مباشرة سلوك كهذا بالرغم من كلّ النوايا الحسنة التّي يحاول قائدها إظهارها للشعب خطاباً وسلوكاً منذ سقوط الرئيس السابق، على غرار اعتقال بعض رموز العصابة ومحاكمتهم، والتأكيد على أحقية مطالب الحراك، وعدم النزول بالدبابة إلى الشارع كما حدث في التسعينيات، وحماية الأمن والوحدة الوطنية والتأكيد على عدم وجود أيّ إرادة سياسية لتدخّل الفاعل العسكري على حساب إرادة الشعب.

أولاً، وقبل كلّ شيء، نرى ضرورة التأكيد أنّ الفريق قايد صالح لا يُمثّل سوى القمّة الظاهرة من جبل الجليد كما يُقال لمجموعة من الشخصيات المتقاربة في "الفكرة والمصلحة"، تجمّعت في أيديها مُقدّرات القوة والسطوة منذ إنتصارها شهر أبريل الماضي في صراع الأجنحة الذي كان يُميّز النظام السياسي الجزائري السابق.

أشرنا إلى هؤلاء في مقال سابق هنا بما يشبه نخبة "السيلوفوكي الروسية"، التّي تريد إحداث القطيعة مع "فكرة ومصلحة" النخب التّي كانت مسيطرة في النظام السابق، لذلك فإنّ أيّ حديث عن "تجديد النظام لذاته" لهو حديث يحمل كثيراً من المغالطات، ما نراه اليوم هو محاولة هذه النخبة بناء نظام جديد لا تجديد النظام السابق، والمؤشّرات كثيرة لا يسع تفصيلها في هذا المقال.

لكن ما نودّ لفت الانتباه إليه هنا هو أن عملية صنع القرار داخل "المؤسّسة العسكرية القائمة" لا تتّم بطريقة تراتبية كما تتم في أيّة مؤسسة عسكرية تخضع لنظام الأمر والطاعة وفقاً للرتب العسكرية. وإنما تتم بطريقة أفقية بين مجموعة من الشخصيات التي تقف نسبياً على قدم المساواة من حيث القوة والنفوذ. وشخصية القايد صالح ما هي إلا الوجه الإعلامي، ولا تمثل الشخصية الأكثر قوة ونفوذاً كما قد يُفهم، الأمر الذي يجعلنا نرجح أننا بصدد تشكّل نظام سياسي جديد يبني نفسه من الداخل لا بصدد تجديد النظام لنفسه كما يدّعي البعض.

إنّ أقرب مصطلح يُعبّر عن هذه الطبيعة الجديدة للنظام هو مصطلح "المُنشَأة" أو الإستبليشمنت (Establishment) الشائع خصوصاً في الولايات المتحدة والذّي يُعبّر عن مجموعة أو طبقة من النخب المهيمنة ذات السلطة داخل المجتمع، خصوصاً أولئك المتحكمين في الخدمات المدنية، والحكومة، والقوات المسلحة، والمؤسسة الدينية، الموجودين في كلّ مكان دون القدرة على حصر قوتّهم في مكان واحد، أو مؤسّسة واحدة.

أمّا الطريقة التّي تتّخذ بها هذه الطبقة قراراتها فهي الأغلبية والإجماع لا تراتبية المنصب القائمة على الأمر والطاعة. تبدو هذه هي السمات التّي سوف تطبع النظام السياسي الجزائري المتشكّل، وإن كان رجالات المؤسّسة العسكرية يمُثّلون نواة هذا النظام المتشكّل باعتبارهم أكثر الشخصيات نفوذاً في الوقت الحالي، لكنّهم مضطرون، في القريب العاجل بحكم التحوّلات الجديدة، إلى مقاسمة هذه السلطة مع شخصيات غير عسكرية متغلغلة في جميع المؤسّسات الرسمية والمدنية. باختصار، إنّنا متوجهون إلى "حكم الإستبليشمنت".

القراءة الأولية لما أفرزته الساحة السياسية من مرشّحين تُظهر بأنّ السيد عبد المجيد تبّون هو خيار "الإستبليشمنت" الأرجح لقيادة مرحلة الخمس سنوات القادمة، فالرجل معروف بولائه للقايد صالح (رأس الإستبليشمنت الظاهر)، وقد أوصلته توازنات القوة سابقاً ليكون "رأس حربة" القايد صالح أيام هيمنة شقيق الرئيس على الحكم حينما كان رئيساً للحكومة.

والجميع يذكر كيف فتح الرجل النار على رجال الأعمال الموالين لشقيق الرئيس آنذاك، معلناً حربه على تأثير المال الفاسد في السياسة، فتمّ إسقاطه بعد شهرين من توليه منصبه ذاك. لذا، ربّما ترى "الإستبليشمنت" أنّه الرجل الأنسب في هذه المرحلة بالذات، نظراً للشرعية التّي اكتسبها في أعين الشعب من قبل في مواجهة رؤوس العصابة من جهة، والأهم من ذلك هو ولاؤه المعروف لقيادة الأركان الحالية.

هناك ملاحظة جديرة بالتسجيل أيضاً، وهي تلك المرتبطة بالشخصية التّي قرّرت "الإستبليشمنت" أن تكون على رأس الحملة الانتخابية للسيد تبّون، أي السيد عبد الله باعلي، الاسم الأشهر بين أروقة الدبلوماسية الجزائرية والذّي لا يعرف عنه الجزائريون الكثير.

فما الذّي يجعل "الإستبليشمنت" تُظهر ورقة باعلي الآن إلا أنها تريد الترويج لاسم الرجل بين الجماهير وتجهيزه ليكون الاسم رقم واحد في الاستحقاقات الرئاسية القادمة بعد خمس سنوات؟ فما يهم "الإستبليشمنت" في أيّة دولة هي السياسة العليا (High Politics) قبل كلّ شيء والسيد باعلي رجل مناسبٌ جداً للاضطلاع بذلك، فهو الذي تقلّد من قبل منصب سفير الجزائر في واشنطن، وممثل للبلاد في الأمم المتحدة.

كما ذُّكِر اسمه كسفير للجزائر في باريس ضمن تغييرات دبلوماسية راهنة، بمعنى أنه سيكون من أكثر الشخصيات دراية بهاتين الدولتين اللتين قد تُشكّلان أهم تحدٍّ يُمكن أن تواجهه الجزائر وسياستها العليا مستقبلاً. أمّا تبّون فهو رجلُ مرحلةٍ لا أكثر، جيء به للخروج من الأزمة القائمة وضمان الانتقال السلس من النظام السابق إلى النظام المتشكّل.

لذلك نرى أنّ انتخابات 12 ديسمبر القادمة "شرٌّ لابد منه"، فلا يمتلك الحراك خيارات أخرى أكثر عقلانية وواقعية وإلا وقعنا في "عدمية المطالب اللامنتهية"، عدمية لن تكون في مصلحة البلاد إذا طالت الأزمة.

وإذا نجحت خطّة "الإستبليشمنت"، فستكون الاستحقاقات الأهمّ في نظرنا بعد خمس سنوات من الآن، فهي الاستحقاقات التّي سوف تضع الجزائر على الطريق الصحيحة إذا لم تُرتَكب أخطاء جسيمة على مستوى النظام وأدركت الجماهير ونخبها في المقابل أنّ الديمقراطية ما هي إلا نتيجة لمسار طويل من النضال الواعي والمهيكَل، وأنّ النضال الحقيقي لأجل ديمقراطيةٍ غير مريضة يبدأ من الآن.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي