منذ مدّة ليست بالبعيدة؛ برزت ظاهرة "لوّثت" وسائل التواصل الاجتماعي، بسيلٍ جارف من الشتائم والسباب، حيث لا يتوقف الأمر عند قذف الأعراض، والفحش الذي تقام عليه "قانونيا" القضايا والعقوبات، بل يمضي بجسارةٍ وثقةٍ إلى درجة الاتهام بالتخوين والعمالة.

وقد ازدادت هذه الظاهرة ضجيجاً، ولم يزل هذا الضجيج يعلو ويرتفع، حتى أصاب "البكم" كل صوت "مختلف"، مهما كان محباً وموالياً، ومهما كان وطنياً مخلصاً. وكأن الناس أضحى يقول بعضهم لبعض: "انج سعد، فقد هلك سعيد". وبقي هذا الحال مخيماً بظله الثقيل، حتى فوجئ العالَم بجريمة مقتل الصحافي والإعلامي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده، ليكون تتويجاً "عاجلاً" لنهج ما يسمى بـ"الدفاع عن الوطن"، يقوم على التهديد والوعيد و"البلطجة" و"التشبيح" وإهدار كرامة "مواطن مختلف"، تزيل عنه عصمة دمه وعرضه.

اللافت هنا، بل المثير للدهشة والعجَب؛ أن الأمر لم يقف عند "المواطن المختلف"، بل تعدّاه إلى "المواطن الصامت"، الذي لا يجوز بالمنطق أن يُنسب إليه قول! فإما أن تغنّي مع الجوقة أو "أنت خائن"!

ربما من المهمّ أن أذكّر أن انتشار الاتهام بـ "الخيانة والعمالة" للصامت "الأخرس"، فضلاً عن الناطق المبيَّن الخارج عن السياق، هو من شأن الدول القمعية؛ ما يذكّرنا بالدول الشمولية في مرحلة من المراحل، والتي لا يميزها فقط وصف رئيسها بأنه القائد المُلهَم، وإن كان هذا لم يُقَل على منبر الحرم الشريف.

يسمِّي بعضهم تلك الجيوش "الإلكترونية" الجرّارة؛ "الذباب الإلكتروني"، في تعبير له دلالاته، وراءهم كتاب صحافيون، وشخصيات مشهورة، تشي كتاباتهم بمستوى تفكيرهم، حيث "اللااستقلال"، و"اللامنطق"، والتبعية المطلقة للسلطة، إلى درجة التحوّل السريع المباغت "المحرج"، من النقيض إلى النقيض، بحسب "زقزاق" الساسة وظروفها. ويطيب لآخرين أن يسمّوا تلك الظاهرة؛ "الوطنجية"، تمييزاً لها عن "الوطنية".

من المهمّ أن أذكّر أن انتشار الاتهام بـ "الخيانة والعمالة" للصامت "الأخرس"، فضلاً عن الناطق المبيَّن الخارج عن السياق، هو من شأن الدول القمعية؛ ما يذكّرنا بالدول الشمولية في مرحلة من المراحل

رائد السمهوري

كتب الباحث السعودي سلطان العامر على حسابه في تويتر تفريقاً أراه وافياً بين "الوطنيّ" و"الوطنجي"، فقال: "الوطني: شخص يحب وطنه ويدافع عنه بالعدل، ويسعى إلى إصلاحه بحكمة. الوطنجي: شخص يستغل حب الوطن للسب والشتم والتخوين والتخويف. الوطنجي مضر ومسيء وخطر على الوطن، ولهذا يجب على كل شخص وطني مواجهته ومعارضته. الوطنجي ليس حالة خاصة بالسعودية، بل موجودون في كل الدول، هم أنذال كل قوم وكل دولة".

ربما يلتفع أي إنسان بأي شعار لتفريغ "أمراضه" النفسية والاجتماعية، سواء أكان هذا الشعار شعاراً دينياً مذهبياً، أو شعاراً أيديولوجياً، أو شعاراً وطنياً.

وقد كتبنا مؤلفات ومقالات في نقد الخطاب الديني السائد ومراجعته، وكان هذا شغلنا الشاغل طوال سنوات. وكنا ندعو إلى الاعتدال وحرية الرأي والكلمة سنين عدداً، لكننا فوجئنا بأن كثراً ممن كانوا يطالبون بهذا لم يكونوا صادقين ولا دعاة حقيقيين للفكرة، وصُدمنا، مرة أخرى، بأنهم إنما كانوا يريدون مواجهة فريق من صفاته التحزّب، والوقوف في وجه الرأي المخالف إلى درجة الإيذاء (وقد تعرضنا لمثل هذا في تلك السبيل، وحوربنا في أعراضنا وأرزاقنا، غير أن هذا لا يُذكَر مقارنةً بمن قدّموا أرواحهم وحريّاتهم).

لقد زالت تلك الموجة العنيفة المتلحفة بالخطاب الديني التي كانت تصف مخالفيها بالكفر والإلحاد والزندقة والفسق والبدعة، وظهرت موجة أعنف تسندها السلطة السياسية، تصف مخالفيها بالخيانة والعمالة. وكلا الخطابين يؤديان إلى نتيجة واحدة؛ القمع، وانتهاك الحرمات، اللذين يؤديان في أقصى الأحوال إلى القتل، وفي أدناها إلى السجن والاعتقال. واللافت هنا أن السلطة السياسية هي وراء ذلك الخطاب الديني الذي اقتنعت بأنه ضار بمصالحها ومحرج لها، وعليه تأسست أصلًا، وهي ذاتها وراء هذا الخطاب "الوطنجي" الذي نعيشه حاليًا.

ليس من همّي هنا ذكر أسماء وشخصيات، فالشخصيات تتبدل وتزول، ولكن ما يهمني هنا هو ذكر مقوّمات هذا الخطاب، وأسسه التي يقوم عليها.

أولًا: الحلول والاتحاد السياسي: "الوطن والحكومة شيء واحد"

يحاول الخطاب "الوطنجي" أن يُشيع فكرةً تقوم على أن "الوطن والحكومة شيء واحد"، فمن خالف الحكومة، أو انتقد بعض سياساتها هو ضدّ الوطن، وضد الشعب!

يذكّرني هذا بنظرية الحلول والاتحاد" الدينية، والتي ترى أن الإله يحلّ في المخلوقات، فهو موجود في كل مكان بذاته، وذاته متماهية مع كل شيء، فالوجود كله شيء واحد. وكذلك يفكّر "الوطنجية" بالضبط، لكن بإبدال "الإله" هنا، بالسلطة السياسية، وبالحاكم، وبالحكومة. يريدون أن يقولوا إن "الحاكم" أو "الحكومة" هي الشعب وهي الوطن. ومن المعلوم "بداهةً" أن الحكومة ليست هي الوطن، إلا في القول الشعري الرومانسي لا في عالم الحقائق، بل وظيفة الحكومة هي خدمة الشعب والسير تحقيقاً لمصالحه، ومن مصالحه: حرية الرأي والكلمة، وإشاعة الرأي الحرّ، برعاية القانون، وبضمانة القانون، والمراقبة، وحرية الإعلام ليكون حقاً "سلطة رابعة" مستقلّة. ومن شأن الإعلام، ومن شأن المفكرين، والمختصين والأكاديميين، أن يعارضوا، وأن ينتقدوا الحكومة، وأن يقولوا للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت، وهم آمنون جداً، ومطمئنون كل الاطمئنان أن لن يصيبهم مكروه، فضلاً عن ذويهم وأقاربهم، مهما كان منصب هذا المحسن والمسيء، وأن يُجَرَّ الكبير من أذنيه إذا خان أمانته.

يريدون أن يقولوا إن "الحاكم" أو "الحكومة" هي الشعب وهي الوطن. ومن المعلوم "بداهةً" أن الحكومة ليست هي الوطن، إلا في القول الشعري الرومانسي لا في عالم الحقائق، بل وظيفة الحكومة هي خدمة الشعب

رائد السمهوري

ليست هذه هي الصورة الوحيدة لهذا "الحلول والاتحاد" السياسي، بل يتوهّم "الوطنجي" أن من حقه، مع أنه نكرة، يكتب باسم مستعار، أن يدلي برأيه وهو يرى نفسه، على الرغم من أنه لا يملك من السلطة شيئاً، هو "الناطق الرسمي" عن الحكومة، فهو هنا والحكومة شيء واحد؛ فيوعد، ويهدد، ويبشّر بالقتل، وبأن أيّام من يهدّده "معدودة"! أي إنه هنا (وهذا حلول واتحاد معكوس) هو "الإله" الذي يحلّ في كل شيء، فضلاً عن السلطة السياسية الحقيقية. ومثل هذا الغلوّ لم يكن ليوجد لولا أن "الأجواء" متاحة، لكل من هبّ ودبّ، أن "يشبّح" كما شاء، وأن "يطغى" كما يريد.

إذا كان الحديث عن "التحديث" و"التطوير" و"النهوض" هو سمة هذا العهد؛ فكيف لا يفهم "الوطنجيون" أن أي دولة حديثة في الدنيا تضمن حق الاعتراض على الحكومة ومعارضتها؟ وأن أي دولة حديثة لا يمكن أن تقوم على هذا "الحلول والاتحاد" السياسي؟

ثانيًا: تمزيق الوطن تحت راية "الوحدة"

من أعجب "تناقضات" هذا الخطاب وتهافته وبؤسه، إلى درجة السخرية، أنه، على الرغم من زعمه الاتحاد والوحدة، يشنّ حرباً مناطقية شعواء على بعض "المخالفين"، فهذا يعيَّر بأنه "قصيمي"، وهذا يعيَّر بأنه "جنوبي"، وهذا يعيّر بأنه "مجنّس"! وهذا من التناقض، ومن التهافت، ومن السعي إلى ما هو ضد "الوطن" و"الوطنية" حتماً. وقد اشتكى الشهيد إن شاء الله، المغدور؛ جمال خاشقجي، في مقطع من مقاطعه المسجلة، من أن صحافياً "وطنجياً" نال من لونه، ومن لهجته الحجازية المدنية، في صحيفة من الصحف السعودية. بل إن ذبابة كبيرة زرقاء، فور نبأ اختفاء المرحوم جمال، كتب تغريدة ناضحة بكل أمراض الدنيا، يعيّر فيها الفقيد باختفائه، بلهجة حجازية، على سبيل السخرية والتهكّم! أوطنية هذه أم ماذا؟ بل قام يخاطب أحد المعارضين يحثه على زيارة القنصلية، كبراً وبطراً، فيثبت الاتهام الموجّه إلى السلطة (قبل الاعتراف المتأخر)، بحماقة منقطعة النظير.

لقد اشتكى الشهيد إن شاء الله، المغدور؛ جمال خاشقجي، في مقطع من مقاطعه المسجلة، من أن صحافياً "وطنجياً" نال من لونه، ومن لهجته الحجازية المدنية، في صحيفة من الصحف السعودية

رائد السمهوري

وربما ينسى أولئك "الوطنجيون"، أن أهل الحجاز، مثلاً، عرفوا انسجاماً بين الأجناس والثقافات والألوان واللهجات منذ وقت مبكّر، قبل قيام الدولة الوطنية أصلاً، وقبل الجنسيّات وقوانينها بقرون. استوطنوا هذه المنطقة المباركة، حباً لله وجوار رسول الله، في أوقات لم يكن فيها رخاء، ولا نفط، بل مجاعة وفقر، رغبة في القرب، وجواراً للحرمين الشريفين، ومن قرأ كتاباً مثل "التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة" للإمام السخاوي يرحمه الله، يرى كيف كان الحجاز نموذجاً لهذه التعددية العظيمة، قبل أن تنشأ حتى مدينة نيويورك التي يضرب بها الآن المثل في التعددية. وكيف أن فلاناً الهندي بنى الرباطات والمدارس، وفلاناً التكروري كان المؤذن، وفلاناً المصري كان الإمام، وفلاناً الكشغري كان يبني الأوقاف ...إلخ.

لقد كان هؤلاء هنا قروناً، حتى جاءت الدولة الحديثة، فـ "تجنّس" البدوي والحضري، والقبلي وغير القبلي، وأصبح جميعهم "مجنّسين"، فما معنى أن يقال عن فلان: إنه مجنّس؟ ومتى كان "التجنيس" عيباً يُنبَز به مواطن في أي مكان في الدنيا إذا كان الجميع حقاً وفعلًا مجنسين؟

ثالثًا: النهج الذبابي

قدّمت، قبل أسطر، أن لفظة "الذباب" لها دلالات. ومن دلالاتها "القذارة". ولعل أحداً لا يجادل في أن هؤلاء القوم من أقذر الناس أخلاقاً (من أي بلد كانوا)، فليست بضاعتهم الحجة والمنطق والجدال والبرهان، بل كل ما هو على النقيض من ذلك، سباً وشتماً وقذفاً وانتهاكاً للأعراض والحرمات. كل هذا بحجة "أدافع عن وطني"، وهو في الحقيقة ليس دفاعاً بقدر ما هو كسب للعداوات، وإثارة للغضب والنعرات والكراهية، لا بين الوطن وغيره، بل بين أبناء الوطن الواحد، وتفريغ لشحنات الحنق والغضب، وإظهار لأخلاق رديئة لحفنةٍ من الناس تعكس صورة مشوهة، غير حقيقية، لمجتمع مليء بأصحاب العقول والمواهب والرقيّ.

ولعل من يتصفّح تغريدات السيدة التركية الفاضلة خديجة جنكيز، التي تعبّر فيها عن حزنها على خطيبها الفقيد، يرى كماً هائلاً من القذف الذي يستحق صاحبه في الشريعة الجلد، وفي القوانين الوضعية الحبس والغرامات. هو خطاب لا أخلاقي، ولا يملك حتى الرحمة الإنسانية الطبيعية، وقد رأينا كيف استمرّ بعض الوطنجية في النيل من "المغدور" خاشقجي، حتى بعد ثبوت مقتله، فهو "المجنس"، وهو "الخائن العميل"، تهوينًا ممّا تعرّض له، وتسويغًا للجريمة البشعة، واستهانةً بمشاعر ذويه ومحبيه، بل بحرمة الإنسان أيًا كان، دع عنك المنافحة عن هذا القبح بأن جرائم كثيرة حصلت فلماذا لم يسلط الضوء عليها؟! وكأن مقتل إنسان على يد أبناء وطنه، في قنصلية بلاده أمر متكرر، وعادي في التاريخ! فضلاً عن استمرار بعضهم في النيل من خطيبته التركية التي كان لها الفضل في فضح "الجريمة" البشعة، التي ظن أصحابها أنه لن يتفطّن لها.

مما يدخل في اللاعقل واللامنطق؛ ظنّ هذا الذباب أن معارك "الشتائم" تُحق حقاً وتُبطل باطلاً، وأن المنتصر في "السباب التويتري" منتصر في الواقع، فيعيش انتصارات وهميّة

رائد السمهوري

ومن دلالات الوصف بالذباب كذلك "اللاعقل" و"اللامنطق"، فلا يملك الخطاب الوطنجي ذرة من منطق، ولا مسكة من عقل؛ فهو متلوّن بحسب المزاج السياسي، وهو متمدد ومتقلص بحسب "الزقزاق" السياسي، دع عنك الآراء التي تثير السخرية حقاً من بعض "الذباب الأزرق" الكبير، فضلاً عن الصغير. ومما يدخل في اللاعقل واللامنطق؛ ظنّ هذا الذباب أن معارك "الشتائم" تُحق حقاً وتُبطل باطلاً، وأن المنتصر في "السباب التويتري" منتصر في الواقع، فيعيش انتصارات وهميّة، يصنعها بضربات من أصابعه على لوحة المفاتيح، وهو مستريح في مقهاه أو مكتبه أو بيته، إذ لا يكلفه السباب شيئاً، إلا مزيداً من الإثم الذي سيستقبله إذا لقي كل إنسان صحائفه في اليوم الآخر. ومن مظاهر اللاعقل واللامنطق عند أصحاب الخطاب الوطنجي؛ أن أحداً منهم لا يأخذ ما يجري عالمياً اليوم بجدية، ويستمرون في احتقار "وهمي" لدول أخرى تنعم بالديمقراطية، وفيها من الحريّات ما تفتقر بلاد العرب كلها، ربمّا، إلى كثير منها، بينما يتحرّك العالَم، ويتدخّل الساسة الكبار، وتتطور القضايا، وتتصاعد الأمور، يستمرّ الوطنجي في السباب، والشتم لأناس مخلصين ناصحين، والتمجيد المبالغ فيه لآخرين، غافلاً عمّا يجري في الواقع حوله، بل مستمراً في نهجه الذي ظهر للقاصي والداني بؤسه وبطلانُه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي