أرسل الرئيس الفلسطيني محمود عباس رئيس لجنة الانتخابات المركزية حنا ناصر من رام الله إلى غزة ليعرض على الفصائل خطة عباس لإجراء الانتخابات، وأنه سيصدر بها مرسوماً رئاسياً لإجراء انتخابات تشريعية في الضفة والقطاع والقدس وانتخابات للرئاسة.

فهل يشكّل ذلك فرصة للخروج من المأزق الفلسطيني الداخلي؟ أو سيؤدي الخلاف حول متطلبات الانتخابات أو ما بعد نتائجها التي ستحقق فيها حماس قطعاً نتائج مهمة إلى تعميق الأزمة الفلسطينية، في ظل تعثر التسوية مع الاحتلال ومحاولات فرض صفقة القرن على الفلسطينيين والعرب؟

في الوقت الذي تشهد فيه الساحة الفلسطينية انقساماً حاداً وفشلاً لجهود المصالحة التي رعتها مصر، واستمرار الضغوط على السلطة لقبول صفقة القرن التي تبنتها بعض الدول العربية، جاءت دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإجراء الانتخابات في الأراض المحتلة، وذلك في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 26 سبتمبر/أيلول.

وعلى الرغم من مسارعة حماس للقبول بالانتخابات -حتى لا يسجل عليها تعطيلها على الأقل- فإن بقية الفصائل أبدت تحفظات ومتطلبات، وطالبت بضرورة التوافق الوطني عليها قبل إصدار المرسوم الرئاسي. وكانت نقطة الخلاف الأساسية تتمحور حول دعوة الفصائل بمن فيهم حماس للتوافق الوطني حول شكل إجراء الانتخابات وكيفيته قبل إصدار عباس مرسومه الرئاسي، وهو الأمر الذي لا يزال يرفضه الرئيس الفلسطيني ويؤكد أن الحوار سيكون لاحقاً لمرسومه وليس قبله.

الدوافع والمحاذير

ويبدو أن عباس بدعوته هذه يحاول تحقيق أهداف مختلطة، أهمها: لملمة الوضع الفلسطيني للتصدي لصفقة القرن التي قد تؤدي إلى عزله سياسياً بقرار دولي وإقليمي بسبب تحفظاته عليها. وقطع الطريق على حماس التي كانت لتوها وافقت على الرؤية التي قدّمتها 8 فصائل فلسطينية لتحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام السياسي الداخلي، محاولاً بذلك الخروج من موقع من يعطل المصالحة.

يبدو أن عباس يحاول أن يحرج حماس ويخرجها من المعادلة الفلسطينية عبر دفعها لرفض الانتخابات لأسباب عديدة أهمها ضمان نزاهتها.

ماجد أبو دياك

كما يبدو أن عباس يحاول أن يحرج حماس ويخرجها من المعادلة الفلسطينية عبر دفعها لرفض الانتخابات لأسباب عديدة، أهمها ضمان نزاهتها وشمولها انتخابات المجلس الوطني المتفق عليها في حوارات سابقة وإجرائها ضمن نظام القوائم الكاملة (النسبية).

والرئيس الفلسطيني غير مستعد لتسليم حماس مقاليد السلطة إن هي فازت بالانتخابات التشريعية متسلحاً بالرفض الإسرائيلي والغربي، وهذا يعني إدخال الساحة الفلسطينية في أزمة شبيهة بتلك التي حصلت في 2006 حينما رفض الغرب القبول بسلطة تضم حماس، وأسفرت في النهاية عن المحاولة الانقلابية الفاشلة لمحمد دحلان.

عقبات في الطريق

وفي الوقت الذي تشير فيه تقديرات أن الانتخابات إن جرت فسيكون ذلك العام القادم 2020، فإنه لا يزال من المبكر الحكم إن كانت ستجرى هذه الانتخابات أم لا في ظل الانقسام الفلسطيني.

ولا تزال الفصائل تطالب بالحوار الوطني قبل إصدار المرسوم الرئاسي المتعلق بالانتخابات، وذلك لأن قضايا عديدة تحتاج إلى الاتفاق حولها، وأهمها:

أولاً: تطبيق الاتفاق الذي توصل إليه المتحاورون في بيروت مطلع 2017 بإجراء انتخابات المجلس الوطني الذي يمثل أكثر من 6 ملايين لاجئ فلسطيني، وذلك بالتزامن مع إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في الأراضي المحتلة. ولم تتضمن الدعوة للانتخابات هذه النقطة ما يعني أن الانتخابات القادمة ستكرس اتفاق أوسلو الذي حرم فلسطينيي الشتات (ثلثي الشعب الفلسطيني) من المشاركة السياسية بعد أن جمد المجلس السابق على تركيبة تهيمن فيها فتح ولا يشارك فيها الإسلاميون من حماس والجهاد على الرغم من حضورهم القوي فلسطينياً.

إن محاولة إجراء الانتخابات بدون إنجاز المصالحة يشكل خطراً كبيراً على الانتخابات ونتائجها، فلا توجد ضمانات لاحترام السلطة لالتزاماتها بدون الاتفاق على إنهاء الانقسام الفلسطيني.

ماجد أبو دياك

ثانياً: ضمان نزاهة الانتخابات عبر إطلاق الحريات العامة والإفراج عن المعتقلين السياسيين في سجون السلطة، ومطالبة إسرائيل بالإفراج عن المعتقلين وعلى رأسهم أعضاء المجلس التشريعي، والحصول على ضمانات من إسرائيل بعدم التدخل بالانتخابات بالاعتقالات أو عرقلة سير العملية في المناطق التي تخضع لسيطرتها الأمنية من الضفة (مناطق ب و ج)، وكذلك رقابة دولية محايدة وضمان قبول السلطة نتائج الانتخابات مهما كانت.

ثالثاً: الاتفاق على النظام الانتخابي، ويبدو أن الفصائل ستقبل بالنظام النسبي لتسهيل إجراء الانتخابات بدون عراقيل.

وتقول المؤشرات بأن السلطة لن تتعامل مع هذه المطالب بسلاسة، خصوصاً ما تعلق منها بإسرائيل. ولكنها ستقبل الرقابة العربية والدولية التي لن تمنع التزوير والتلاعب بالانتخابات والصناديق الانتخابية، خصوصاً أن السلطة لن تقبل بحال عودة حماس لحكم الأراضي المحتلة ولا أن تكون لها اليد العليا فيها. ويدفع هذا للاعتقاد أن السلطة ستطالب أي مرشح بالقبول بالنظام الأساسي للسلطة والتزاماتها مع العدو الصهيوني.

المصالحة صمام الأمان

إن محاولة إجراء الانتخابات من دون إنجاز المصالحة تشكل خطراً كبيراً على الانتخابات ونتائجها، فلا توجد ضمانات لاحترام السلطة لالتزاماتها من دون الاتفاق على إنهاء الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي. فالسلطة وليس القانون أو ميثاق شرف بين الفصائل هي التي ستقرر في النهاية نتيجة الانتخابات أو شكل التلاعب بها لضمان استمرار هيمنتها على الوضع الفلسطيني وفق "أوسلو" الذي يحدد بقاء رجالات السلطة أو رحيلهم.

فالمصالحة والانتخابات صنوان لا يفترقان، وإجراء الانتخابات بالحالة الحالية قد يؤدي إلى المزيد من الانقسام الفلسطيني حتى لو استبعدنا حالة الاقتتال التي نجح الفلسطينيون حتى الآن في تجاوزها.

كما أن المقاومة لا تتمتع بغطاء فلسطيني كامل، وقد تصبح عرضة للتصفية بعد الانتخابات حتى في ضوء أهميتها التي ترتبط بإنهاء الاحتلال.

ويستدعي كل ذلك حساب المكاسب والخسائر من الانتخابات إذا جرت بالشكل الذي يريده عباس، إلا إذا تمكنت كل من حماس وفتح في حالة تقارب نتائجهما من تشكيل حكومة واحدة تتفق على برنامج بديل لأوسلو.

والبديل عن ذلك قيام فتح بمحاصرة حماس مستعينة بالواقع الإقليمي والدولي الذي يسعى لعزلها، وهذه أخطر نتيجة متوقعة للانتخابات.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي