تكاد الشروط الموضوعية لحدوث الانتفاضات العربية ضد أنظمة حكمها السياسي أن تكون واحدة، فكل الانتفاضات العربية التي حدثت، كان يقف خلفها إحساس بالغبن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فالنظام السياسي العربي هو واحد من حيث بنائه، وإن تباينت تجلياته السياسية.

ولعل انتفاضتي العراق ولبنان في أكتوبر 2019 تندرجان ضمن هذا التصنيف العام، ولكن يمكن التأكيد أن ثمة مشتركاً بين الانتفاضتين، وهو أن النظام السياسي في البلدين هو نظام يقوم على قاعدة المحاصصة الطائفية، هذه المحاصصة هي ما يمنع قيام عملية تنمية وطنية شاملة في البلدين. وبالتالي فإن غياب التنمية يفتح الباب واسعاً أمام تراكم المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

نظام المحاصصة الطائفية في العراق ولبنان، سمح للقيادات السياسية الممثلة لهذا النظام بنهب الدولة بطرق مختلفة، وأغلق الباب أمام تنفيذ برامج إصلاحية، تخص الحياة المعاشية للشعب، لأن أي اصلاحات ستمس مصالح هذه القيادات، وستفتح الباب أمام تطورات لا يمكن ضبطها سياسياً.

إن بنية النظام السياسي (العراقي واللبناني) هي بنية تقوم على تقاسم النفوذ وفق مصالح قيادات الطوائف. هذه البنية هي بنية معيقة للتطور العام في البلاد على كافة المستويات، وبالتالي فإن صناعة القرار السياسي في هذين النظامين تستند إلى مبدأ الصفقات والمساومات بين مكوناتهما، وبهذا يغيب الاهتمام الوطني العام بتطوير البنى الاجتماعية والاقتصادية، وتتقدم مصالح الفئات على حساب غيابه.

لقد انكشفت أوراق النظامين السياسيين (العراقي واللبناني)، فكلا الطبقتين السياسيتين في البلدين بمختلف أحزابها وتياراتها، كانتا تعملان على نهب موارد الدولة، دون أدنى اهتمام بمتطلبات حياة من يمثلونهم، مما ضاعف بشكل غير معقول ثروات المسؤولين فيهما على حساب حاجات الحياة المعاشية للمواطنين، وعلى حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

هذه الحالة راكمت الوعي في صفوف حركة الشباب، والذين وجدوا أنفسهم في مواجهة حقيقية مع انعدام فرص العمل، ومع شيوع الفساد العلني في أجهزة الدولة، إضافة إلى الإحساس بالغبن الوطني، إذ وجدت حركة الشباب أنها في مواجهة مع أطر طائفية، تعيق الاندماج الوطني بين مكونات المجتمع.

اللبنانيون بمختلف طوائفهم اكتشفوا أن الدولة اللبنانية مختطفة من مكون سياسي عسكري هو "حزب الله"، الذي أعلن مراراً على لسان أمينه العام حسن نصرالله، أن المرجعية السياسية والدينية لحزبه هي مرجعية سلطة المرشد الأعلى في الدولة الإيرانية علي خامنئي، وهذا ينطبق أيضاً على التيار السياسي الطائفي "الشيعية السياسية العراقية"، إذ إن حزب الدعوة العراقي وغيره من الأحزاب الطائفية الشيعية العراقية، يجد في القيادة السياسية الإيرانية مرجعاً رئيسياً له، وهذا ما يفسر نفوذ "ميليشيا الحشد الشعبي" ذات البنية الطائفية الصريحة.

إذن يمكننا القول إن القاع السياسي العميق للنظامين السياسيين (العراقي واللبناني) هو قاع واحد، ولكنه قاع تابع لمرجع غير وطني، أي أنه تابع للمرجعية الإيرانية، التي تريد أن يمتد نفوذ طهران إلى الإقليم كله، من أجل قيام إمبراطوريتها الفارسية، ذات الايديولوجيا الشمولية، التي تحول النسق السياسي والفكري إلى نسق مقدس ما فوق وطني.

هذه الرؤية الملموسة تجعل من النظامين السياسيين (العراقي واللبناني) مجرد نظامين تابعين لقرار غير وطني، ولا يهتم مطلقاً بإحداث تنمية وطنية شاملة، لأن هذه التنمية تتناقض مع مشروع هيمنة مرجعيتهما، وهو الأمر الذي يراكم المشكلات بصورة أسرع، وهذا ما يفسر اقتراب سقوط النظام السياسي العراقي، الذي بُني على أسس المحاصصة الطائفية بين " السنة والشيعة والكرد" في عهد بريمر.

إذن، تجد انتفاضتا (العراق ولبنان) نفسيهما في مواجهة نظام سياسي غير وطني فاسد، وهذا لم يكن من الممكن وعيه في بداية صعود هذا النظام، ولكن نتائجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية عجّلت من اكتشاف خديعته، فالمحاصصة الطائفية هي من منعت قوى الشعب من كل المكونات من تشكيل وعي وطني، يتجاوز الانتماء للطوائف لمصلحة الانتماء للوطن.

إن انتفاضتي (العراق ولبنان) هي محصلة طبيعية لعوامل متعددة، من هذه العوامل درجة الإحباط القصوى حيال نظام المحاصصة الطائفي، الذي عجز عن تقديم الخدمات الحياتية الأساسية لمجموع الشعب، مثل "الكهرباء والماء النظيفة للشرب والمراكز الصحية والتعليم وغيرها. هذا الإحباط المترافق بالإحساس بالقهر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، هو من لعب دوراً في البحث عن أسباب هذه الأحوال المزرية، وهو بحث وصل إلى نتيجة برزت في شعارات وهتافات المنتفضين " كلن يعني كلن" وهي شعارات تعني رفضاً لكل الطبقة السياسية القائمة، ورفضاً للنظام السياسي الذي أوجدها.

إن انتفاضتي (العراق ولبنان) هما انتفاضتان لا تقف خلفهما أجندات حزبية أو أيديولوجية ضيقة، بل تقف خلفهما درجة وعي وطني عميق، يرفض الأيديولوجية الطائفية وما ينبثق عنها من تعبيرات سياسية. هذا الوعي هو وعي جديد خارج النسق الأيديولوجي، الذي حاول نظام المحاصصة الطائفية ترسيخه كقدرٍ أبدي للمكونات الوطنية في البلدين.

ففي الانتفاضتين ظهر وعي سياسي وطني لدى المنتفضين الشباب، يطالب بتقويض بنية نظام المحاصصة الطائفية، واستبداله بنظام سياسي وطني، لا يعتمد على المحاصصة، وإنما يقوم على ترسيخ الوطنية الواحدة لكل المكونات، من خلال دستور وطني جديد، يعتبر كل الأفراد متساوين في الحقوق والواجبات، في ظل نظام ديمقراطي، تكون فيه سلطة القضاء مستقلة، والأحزاب وطنية تتسابق للحكم بموجب برامج سياسية، وليس عبر محاصصة طائفية.

ولكن يمكن القول أيضاً، إن انتفاضتي (العراق ولبنان) ستلعبان دوراً مهماً في إعادة هيكلة النفوذ السياسي الداخلي والإقليمي والدولي، وهذا يعني، بالمعنى الوطني، تجفيف نفوذ إيران في هذين البلدين، هذا الجهد الذي تعمل عليه قوى الانتفاضتين، يتلاقى موضوعياً مع جهد تقوده المنظومة الغربية، التي تريد إضعاف هذا النفوذ. وهو جهد سيجد ارتدادات له في دول الإقليم وتحديداً في سوريا وإيران.

إن الارتداد الفاعل للانتفاضتين (العراقية واللبنانية) على الوضع السوري، سيتمثل بغياب دعم النظامين السياسيين القائمين حالياً للنظام السوري، وسيغير قواعد التوازن السياسي والعسكري من جديد في الصراع السوري، وفي الوضع السياسي الداخلي في إيران.

لذلك يمكننا الجزم بأن موجات الربيع العربي لم تنته لمصلحة الثورة المضادة، التي تقودها قوى النظام السياسي العربي، وكذلك يمكننا الجزم بأن الذين انخرطوا في الصراع في سوريا، من قوى خارجية لن يكونوا بمنأى عن ارتدادات انتفاضتي (العراق ولبنان)، وما ستنتجه من معطيات لم تكن في حساباتهم.    

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي