على الرغم من كل الفضائح والجدل الذي يلاحق منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، فإن هذه المنصات لا تزال تشهد مزيداً من الانتشار والتوسع.

منذ فضيحة كامبريدج أنالاتيكا والعاصفة لم تهدأ. تلك الفضيحة التي راح ضحيتها الملايين من الحسابات على فيسبوك عندما وجدت نفسها عبر عملية تلاعب ضحية استثمار سياسي هدفها صناعة إعلانات ترويجية دعماً لمرشح الرئاسة الأمريكية حينها دونالد ترمب.

لقد ألقت هذه الفضيحة بظلالها على شركة فيسبوك التي باتت تتهم من قبل الكثيرين بأنها متهاونة مع إجراءات الخصوصية والحماية، الأمر الذي سمح في نهاية المطاف لطرف ثالث بسرقة البيانات الشخصية للملايين من المشتركين وبيعها من أجل الاستثمار السياسي.

لقد أقحمت فيسبوك في معترك الصراع السياسي في الولايات المتحدة وفي غيرها الكثير من الدول. فالمنصة كانت أحد أهم الأهداف التي قصدتها تلك المجموعات المحسوبة على روسيا من أجل دعم دونالد ترمب في حملته الانتخابية، وباتت مقصد المحققين لمعرفة مدى تواطؤ ترمب مع الروس.

الأمر لم يقتصر على ذلك. فالفضائح والاتهامات تولت ليس على فيسبوك وحدها بل على غيرها من منصات السوشيال ميديا التي باتت في نظر الكثيرين مصدراً رئيسياً في تصدير خطاب الكراهية والتحريض على الآخر. ولا تزال مذبحة المسجدين في نيوزليندا التي راح ضحيتها العديد من الأبرياء على يد أحد الإرهابيين البيض ماثلة للعيان، إذ استخدم ذلك الإرهابي خاصية البث المباشر في الفيسبوك لبث جريمته على الملأ.

شركة تويتر أخذت نصيبها أيضاً من هذه الاتهامات وإن كانت أقل حدة من تلك التي وجهت إلى فيسبوك. فشبكة تويتر باتت واحدة من أبرز المواقع التي يقصدها أولئك الذين يريدون إشاعة البروباغندا وحملات التضليل، وذلك باستخدام خاصية Bots tweeters أو الحسابات الوهمية، أو خاصية الترند Trend الممول.

على سبيل المثال، في السعودية يمكن لأي هاشتاغ أن يصل إلى ترند فقط بملغ 200 دولار فقط. وهنا وربما تجدر الإشارة إلى الدور الذي لعبته استراتيجية الحسابات الوهمية في الترويج لمقاطعة قطر عام 2017، أو تلك التي جاءت على خلفية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده عام 2018، إذ بلغت التغريدات التي تؤيد الرواية السعودية ما يقرب من 80%، هذا على الرغم من أن نسبة التداول حول خاشقجي في السعودية كانت لا تتعدى 1%.

جرّاء هذه الفضائح وهذه الخروقات ربما يحسب المرء أن منصات التواصل الاجتماعي في طريقها إلى الأفول، أو أنها وصلت إلى القمة وبدأت في التهاوي. غير أن بعض التقارير التي صدرت مؤخراً تشير إلى أن الحقيقة هي على العكس من ذلك تماماً، فمنصات التواصل الاجتماعي لا تزال تحصد المزيد من المتابعين والمعجبين.

هذا ما سوف أعرضه ببعض الأرقام في الأسفل، ولكن يجب عليّ بداية التذكير بأن السبب وراء استمرار منصات السوشيال ميديا وانتشارها وتوسعها يعود إلى ما يعرف بقانون القوة Power Law. ويقوم مبدأ هذا القانون على أن الشبكة التي تمتلك أكبر عدد من العقد هي الشبكة الأقوى. بمعنى أنه كلما زادت عدد العقد داخل الشبكة زادت قوة الشبكة ومدى وصولها وتأثيرها.

والآن دعونا نلقي الضوء على بعض الأرقام التي تؤيد التوجه السابق. فقد ذكر موقع Hootsuite في أحد تقاريره الأخيرة أن عدد الأشخاص الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم بلغ 3.5 مليار شخص. بمعنى أن عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي زاد بأكثر من ربع مليار شخص على مدار الشهور الاثني عشر الماضية. وهنا يكون ما يقرب من 46% من إجمالي سكان العالم يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي في 2019.

كما أظهرت أحدث البيانات من GlobalWebIndex أن أكثر من 4 مليارات شخص حول العالم يشاهدون محتوى الفيديو عبر الإنترنت كل شهر، أي ما يعادل أكثر من نصف إجمالي سكان العالم. ويبرز من بين المواقع الأكثر شعبية موقع Vloga إذ يحصد ما يقرب من ملياري متابع شهرياً.

وربما ما يثير الدهشة أن فيسبوك يضم أكبر عدد من المستخدمين المراهقين على مستوى العالم، أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً. وإذا قمنا بتوسيع النطاق العمري ليشمل جميع المراهقين فإن فيسبوك سيكون لديها من المشتركين المراهقين ما لدى كل من snapchat وInstagram مجتمعتين.

وإذا علمنا كيف نمت شبكة snapchat مؤخراً سيكون مفهوماً مصدر تلك الدهشة. فقد قفز عدد مستخدمي المنصة بشكل كبير أي ما يقرب من 19% من أصل مشتركيها في الأشهر الثلاثة الماضية ليصل عدد المستخدمين إلى ما يقرب من 369 مليون مستخدم.

هذا غيض من فيض، فالأرقام التي تثير الدهشة كثيرة وهذا يضعنا أمام خيار لا مفر منه وهو أن منصات التواصل الاجتماعي سوف تحوز مزيداً من القوة والانتشار مستقبلاً، خصوصاً أن تكنولوجيا الأجهزة المحمولة تستمر أسعارها في الانخفاض تدريجياً. وإذا كانت الأسرة في السابق تكتفي بحيازة هاتف محمول واحد أو اثنين، فاليوم كل فرد في العائلة تقريباً، صغيراً كان أم كبيراً، يحمل جهازاً ولديه حساب أو أكثر على منصات السوشيال ميديا.

كما أن التلاعب بهذه المنصات من الجهات الحكومية أو شبه الحكومية سوف يستمر ويأخذ أبعاداً أكثر تدخلية، ولذلك سنشهد في المستقبل إقحاماً متزايداً لهذه المنصات في حملات التضليل والتلاعب بالرأي العام والبروباغندا. وهو ما يفرض المزيد من التحدي على مناصري حرية التعبير في العالم تجاه الحفاظ على هذه المنصات آمنة ونظيفة وملجأ آمناً لمناصري الديمقراطية وحقوق الإنسان.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي