يُحيل الحج، في مختلف الأنساق الدينية، إلى رحلة تمتدّ بين ثلاثة حدود على الأقل، هي: الحياة، والموت، ثم الولادة من جديد.

إنه مسار تحوُّلي يقتضي السفر والمجاهدة، لأجل بلوغ نقطة تحول كبرى، تَجُبُّ ما قبلها وما بعدها، وتعلن عن بداية أخرى في الزمن الرمزي للإنسان.

وبالطبع فإن الرحلة في المسار القدسي تقتضي التطهير وإعادة البناء، وهو ما لا يكون ممكناً إلا بالانتقال رمزياً ومادياً من الأرضي إلى السماوي، ومن الدنيوي إلى القدسي، بالسفر والمعاناة باتجاه مركز القداسة الذي يقترحه الانتماء الديني المعيَّن.

يُعَدّ الحجّ إلى الأماكن المقدسة عبوراً دالّاً في جميع الأديان، فعن طريق السفر يتحقق المرور إلى عمق الممارسة الدينية، وقَلَّمَا نجد نسقاً دينياً لا يضع ضمن أساسياته الحج إلى مكان مقدس، يستجمع فيه وحوله معاني الدين ورموزه، التي تعبّر عنه وتميّزه من باقي الأديان.

وما يميز أماكن الحج كونها مُسنَدة بتاريخ من الأحداث التي تبرر الفعل الذي نمارسه في مستوى الأركان والواجبات والسنن، إنها أماكن تجري فيها أفعالنا/عباداتنا التي تستوجب "جبر الدم" في حالة المخالفة أو التعثر، ما يكسبها القداسة والاختلاف، ويجعل منها فضاءات فوق العادة، يُشَدُّ إليها الرحال وتَشُدُّ إليها الانتباه.

ما من شعيرة في الحج الإسلامي إلا وتضمر وتعلن تمريناً سيكولوجياً معيَّناً مفتوحاً بالضرورة على التطهر وإعادة بناء الذات وتشكيلها من جديد.

عبد الرحيم العطري

ما من شعيرة في الحج الإسلامي إلا وتضمر وتعلن تمريناً سيكولوجياً معيَّناً مفتوحاً بالضرورة على التطهر وإعادة بناء الذات وتشكيلها من جديد، فالممارسة التعبدية تستهدف"الانتقال" بممارسيها من وضع إلى آخر، أو بالأحرى من حالة الدنس إلى حالة الطهر، من واقع النقص إلى منتهى الاكتمال والكمال.

إن ما تضمره وتعلنه هذه الترتيبات الشعائرية هو الدقة والانتظامية، فالحركة الحجية تتم وفق قواعد وضوابط غير قابلة للكسر، وإلا فإن الخطأ موجب لتقديم القرابين.

ففي حقل المقدس، لا تنجبر المكسورات إلا بالدم، فعن طريق الأضحية يمكن العودة من المدنس إلى المقدس، تكفيراً عن ارتكاب خطأ ما، خلال مسالك الحج.

إن الأشياء والعلامات، وحتى الطقوس لا تتحدد وفق ترتيب خطي صارم في هذا المجال، إنها تتقدم كمزيج رمزي يخترق حدود الأزمنة والأماكن، يعود بالحاج إلى ضياع حواء عن آدم، ومتمنياته باللقاء بها والعودة إلى الجنة، وهو استحضار محتمل لِتَمَنٍّ آخر بالبحث عن الاكتمال والعودة إلى البدء الأول، حيث لا ضغوط ولا تشظيات، وحيث الكمال عنوان دالّ لكل الحركات والسكنات.

كما أنه استعادة محتملة لرحلة هاجر بحثاً عن الماء، وكذا للحكايات الأصلية المُؤَسِسَةِ، حيث تصديق "الرؤيا الإبراهيمية" و"الطاعة الإسماعيلية" و"الافتداء السماوي" و"الفعل الأُضْحَوِي".

فالحاج يتوزع في الكعبة والمسعى ومنى وعرفات ومزدلفة، ما بين هذه المقامات ذات الرموز،فالنص الحجي، وباعتباره نصاً مفتوحاً وموجباً لتعدد القراءات، يتكون من دلالات لا مجرد نصوص فرعية.

فالدلالة تخترق كل بنياته واحتمالاته، والمطلوب، وفي كل حين، الانتباه إلى الدلالة قبل الكلمة، وإلى الجوهر قبل الشكل، أملاً في بلوغ العلاقة القائمة بين الدالّ والمدلول.

الحجاج يحيطون بالكعبة ويصلون في المسجد الحرام قبل موسم الحج السنوي في مدينة مكة المكرمة ، المملكة العربية السعودية ، 16 أغسطس ، 2018.
الحجاج يحيطون بالكعبة ويصلون في المسجد الحرام قبل موسم الحج السنوي في مدينة مكة المكرمة ، المملكة العربية السعودية ، 16 أغسطس ، 2018. (Reuters)

هناك درس قوي يجب على الحاج أن يفيده أكثر من عبوره إلى عرفة، و"الحج عرفة"، إنه درس العودة إلى الصفر.

فالكل يتشح بالإحرام/الكفن/الولادة، المجرد طبعاً من الانتماءات المراتبية والرساميل المادية والرمزية.

فالكل على نفس الدرجة، مهما تباينت الانحدارات الاجتماعية والروافد العرقية وحتى الطوائفية، الكل يجتمع في حيّز جغرافي محدود، وبهدف واحد يتحدد اعترافاً وتعارفاً وعرفاناً.

في لون الإحرام نعيد بناء الجسد من جديد، نخرجه من لباسٍ أًلِفَهُ ومَنَحَهُ الانتماء والمرتبة والهوية في التداول العادي، إلى لباس يتشح بياضاً، ويتحرر من الخياطة والإحاطة، ويغوص في الرمزية.

فالحاج يعلن من خلال إحرامه أنه زاهد في الدنيا، متخلص من إغراءاتها وإغواءاتها، وأنه مقبل على احتمالية "العبور إلى المقدس" خاماً، أعزل، فقيراً، مهاجراً، متساوياً مع كل "العابرين" من الحجاج، مهما تعالت رساميله الرمزية أو المادية.

فإنه يأتي كما وُلد، وكما سيغادر، لينطلق من جديد في رحلة جديدة تمنحه لقباً وهُوية فارقة، يستدلّ عليها، جميعا، بـ"الحاج".

الحاج يعلن من خلال إحرامه أنه زاهد في الدنيا متخلص من إغراءاتها وإغواءاتها وأنه مقبل على احتمالية "العبور إلى المقدس" خاماً، أعزل، فقيراً، مهاجراً.

عبد الرحيم العطري

الحج حركة مستمرة في الزمان والمكان، مخيالاً وفهماً وتجريباً واقعياً، عبر استعراض سرديات التاريخ الإنساني والديني، ففي كل خطوة وكل ابتهال يتم شحذ الذاكرة لاسترجاع قصة الخلق وكذا تفاصيل الرحلة الإبراهيمية وأساسيات الرسالة المحمدية.

إن هذا السفر الطقوسي نحو الفائت، يسمح لممارسيه بالإشباع بالرمزانية، أو ما يسميه روجيه باستيد بالترميم الثقافي، فالممارسة الحجية تسمح للأفراد والجماعات بإعادة بناء الذوات والعلاقات، فالديني يقدم جواباً على أسئلة وارتباكات وتشظيات الحياة، وذلك عن طريق عمليات الاسترجاع التاريخي للأحداث والوقائع الشاهدة على تفاوض الإنسان مع أحلك الظروف.

ما يميز هذه الأمكنة أيضا هو المساواة في الولوج، ففي الحج تغيب التمايزات الطبقية التي تبررها الانتماءات والموارد والرساميل.

وعلى الرغم من "الضغط" الطقوسي الذي تلوح عليه الممارسة التدينية، وعلى الرغم من التأثيرات الجانبية كافة التي تحيط بها، فإن الحجاج يولون أهمية قصوى لشكلانية الطقس، والتقيد بأساسياتها وإن غاب عنهم المعنى من إنتاجه وإعادة إنتاجه داخل النسق الإسلامي.

هنا ينتصر الطقوسي على المعتقد ويصير الشكل أهم من الجوهر، وهو ما ينسحب على كثير من الممارسات التدينية، ويعد مسؤولاً بالتالي عن كثير "إخفاقات" انعكاس النشاط التديني على الحياة المجتمعية.

يظل الحج، من الماء إلى الماء، حلما مؤجَّلاً، لا يكتمل إلا بتحقق الرفاه وتجاوز الصعوبات المادية، وهو أمر مبرَّر دينياً، فالحج لمن استطاع إليه سبيلا، علماً أن الاستطاعة يُفترض فيها أن لا تظل مقتصرة على المادي، وأن تتصل رأسا بالكفاءة النفسية والاقتدار المعنوي، وأن لا تكون الغاية القصوى من كل هذه المكابدة والإنفاقية هي البحث عن لقب اجتماعي جديد موسوم بـ"الحاج" و"الحاجة"، للتباري والتمظهر به في سوق التداولات المجتمعية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي