تُسوق الأنظمة العربية التي هرولت إلى التطبيع مع إسرائيل المصالح الاقتصادية كمبرر رئيس لهذه الهرولة، بداية من مصر التي دشنت قطار التطبيع في أعقاب حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، ومروراً بالأردن التي لحقت بها، ثم الإمارات والبحرين والسودان مؤخراً.

والحقيقة أن المتأمل في الفوائد الاقتصادية للتطبيع وبنظرة متجردة سيجد أنها تصب دائماً في صالح الطرف الإسرائيلي، وأن الاستفادة العربية شبه غائبة، علاوة على مشروطيتها بالاستفادة المسبقة لإسرائيل، بل إن الأمر وصل في بعض الأحيان إلى تمويل بعض الموازنات العربية للمحتل الإسرائيلي على حساب المواطن العربي.

وتعتبر اتفاقية الكويز -المناطق الصناعية المؤهلة- التي أُبرمت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ومصر والأردن الباب الخلفي الذي تسللت منه إسرائيل نحو الاقتصادات العربية، إذ اشتُرط للاستفادة من الاتفاقية والحصول على الإعفاء من الجمارك في السوق الأمريكية أن يكون المنتج قد جرى إنتاجه في المناطق الصناعية المؤهلة وفقاً لقواعد المنشأ المعمول بها لدى جمارك الولايات المتحدة.

وقد نجحت الإدارة الأمريكية في غزل شباكها حول الدولة العربية الأكبر عبر هذه الاتفاقية كمقدمة لقطار التطبيع الاقتصادي الذي يدهس الحقوق الفلسطينية التاريخية تحت عجلات ثمار اقتصادية فاسدة وملوثة بالدماء العربية، في مقابل إعفاءات جمركية لمنتجاتها التي تشمل مكوناً صهيونياً، وهو ما يؤسس لإقامة نظام إقليمي للمبادلات الاقتصادية متعددة الأطراف بمشاركة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو نظام يستهدف غزو المنتجات الإسرائيلية مجموعة الدول الإسلامية بما فيها باكستان وإندونيسيا وماليزيا ومجموعة دول القرن الإفريقي الكبير من جيبوتي وإريتريا.

اقرأ أيضا:
إسرائيل الرابح الأكبر من التطبيع مع الإمارات

وتشير الإحصاءات إلى أن صادرات مصر للسوق الأمريكي في إطار اتفاقية الكويز كانت ضئيلة للغاية، بلغت خلال الفترة من 2005 إلى 2019 نحو 12 مليار دولار فقط، وذلك عبر ما يزيد على ألف شركة مصرية، أضحت هي وآلاف العاملين بها يعتمدون نهج التطبيع ويعتبرونه مصدر قوتهم.

وفي عام 2005 وتحت غطاء اتفاقية الكويز، وقّعت اتفاقية تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، التي تقضي بتصدير الغاز المصري إلى الكيان الإسرائيلي بكمية تبلغ 1.7 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي لمدة 20 عاماً، وهي الكمية التي تلبي نحو 40% من حاجات إسرائيل من الغاز الطبيعي .

والعجيب هو موافقة الإدارة المصرية آنذاك على بيع الغاز بثمن يتراوح بين 70 سنتاً و1.5 دولار لمليون الوحدة الحرارية، بينما يصل سعر التكلفة إلى 2.65 دولار. كذلك فإنهيقل 18% عن السعر العالمي، بالإضافة إلى إعطاء شركة الغاز الإسرائيلية إعفاءً ضريبياً من الحكومة المصرية، وهو الأمر الذي تسبب في تكبد مصر خسائر قُدرت بنحو 50 مليار دولار جراء تصدير الغاز إلى إسرائيل بهذه الأسعار المجحفة، علاوة علي مليارَي دولار غرامة التحكيم الدولي علي مصر كنتيجة لتوقُّف التصدير بعد ثورة يناير/كانون الثاني عام 2011.

وتُظهر المقارنة بين الاستفادة المصرية شديدة المحدودية من اتفاقية الكويز والخسائر الضخمة جراء تصدير الغاز لإسرائيل أن الغرض الحقيقي للتطبيع هو التسلل إلى الشعوب العربية واستنزاف قدراتها الاقتصادية، وخدمة المصالح الاقتصادية والأمن القومي للكيان الصهيوني، وهو ما ظهر جلياً من تطوُّر الاتفاقيات الناتجة عن التطبيع الإماراتي.

فعلاوة على العديد من الاتفاقيات التي وقعت في سياق تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، يأتي توقيع الجانبين اتفاقاً لنقل النفط الإماراتي من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط عبر خط أنابيب إيلات-عسقلان، فيما يبدو أنه تأسيس لمسار بديل عن نقل النفط عبر قناة السويس، وهو ما يهدد ما يقارب مليار دولار تقريباً عائدات سنوية مصرية من مرور ناقلات النفط الخليجية عبر القناة، التي تعتبرها مصر مصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي.

اقرأ أيضا:
التطبيع مع الاحتلال.. فوائد علمية استراتيجية أم خضوع للهيمنة الإسرائيلية؟

وتتعدى ثمار هذه الاتفاقية المكاسب الاقتصادية الإسرائيلية إلى أبعاد جيوسياسية أخرى، تتضمن دخول إسرائيل في معادلة النفط والنفوذ في المنطقة، علاوة على زيادة النفوذ في الداخل الأوروبي كبديل للنفوذ العربي الناتج عن سيطرة صادرات النفط العربية.

كما برر عسكر السودان وحكامه الحاليين التطبيع مع إسرائيل كخطوة حاكمة لانفتاح السودان على المجتمع الدولي الذي سيساهم بشكل رئيس في حل أزمات السودان، ولرفع بلادهم من "القائمة السوداء للدول الراعية للإرهاب".

والغريب أن الحكومة السودانية وافقت على الخضوع للابتزاز بدفع تعويضات تبلغ 335 مليون دولار لضحايا الهجمات على المدمِّرة "كول" وسفارتَي واشنطن في نيروبي ودار السلام من الأمريكيين، كشرط للرفع من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وفي وقت تعاني فيه الدولة أزمات اقتصادية طاحنة جراء هذه العقوبات.

وفي المقابل ستجني إسرائيل مجاناً العديد من ثمار التطبيع مع السودان، فطبقاً لتعبير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "إن اتفاقات السلام حتى الآن جيدة للأمن والقلب والجيب"، كذلك فإن التقارب مع الخرطوم، سيفتح منافع للإسرائيليين الذين يعبرون المحيط الأطلسي، علاوة علي الفوائد الأمنية والاستراتيجية المتعددة، ومنها إبعاد السودان تماماً عن الحلف الإيراني، وتحجيم نشاطات تعتبرها معادية لها في مناطق متاخمة للسودان مثل تشاد ومالي والنيجر.

تدهس عجلات قطار التطبيع قلوب الشعوب العربية التي لا تزال تعتبر إسرائيل العدو الأول، وتتذرع الحكومات بالمصالح والمنافع الاقتصادية لهذا التطبيع، ولكن من الواضح أن المواطن العربي لن يستفيد شيئاً من هذا التطبيع، الذي تمخض عن خسائر مباشرة للبيع بأسعار تقل عن نظيراتها العالمية كما في الحالة المصرية، أو دفع جبايات تحت اسم تعويضات كما في الحالة السودانية، علاوة على إبرام عقود بعشرات المليارات من الدولارات تمول عجز الخزانة الإسرائيلية، بل وتهديد المصالح الاقتصادية لدول عربية أخرى، يمكن هنا النظر إلى مستشفى هداسا الإسرائيلي ومحاولة الخروج من أزمته الاقتصادية من خلال فتح فرع له في الإمارات على نفقة الأخيرة.

يلهث المطبِّعون العرب خلف مصالحهم الشخصية وبقائهم علي كراسي الحكم عبر التطبيع مع إسرائيل، استرضاء لسادتهم في البيت الأبيض، ويتذرعون بمصالح شعوب أفقروها وتفننوا في إذلالاها وإهدار مواردها، وفشلوا حتي في تجارة التطبيع الخاسرة فكانوا يدفعون فقط، فلم نسمع حتي الآن عن دولار واحد تكبدته إسرائيل في سبيل التطبيع، أو مصلحة واحدة لأي شعب عربي، والخلاصة أن تجارة التطبيع هي بيع مصالح الشعوب العربية نظير الكراسي.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي