في هذه الصورة التي نشرتها روسيا ، يترأس وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ، وسط الصورة ، اجتماعا مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ، إلى اليسار ، ووزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا ، إلى اليمين ، في أنطاليا ، تركيا ، 10 مارس 2022. (Others)
تابعنا

ساعدها على ذلك موقعها الجغرافي الوسيط لا سيما بين آسيا وأوروبا والمطلُّ على عدة بحار، وكذلك التطورات الدولية والإقليمية في حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة، واتخذ ذلك أبعاداً إضافية في عهد العدالة والتنمية.

فقد نظّر أحمد داود أوغلو في حينها لسياسة خارجية تركية "متعددة الأبعاد والمحاور" في هذه المرحلة وفصّل في إمكاناتها في هذا الصدد من جهة وعوائدها عليها من جهة ثانية. وهكذا استطاعت تركيا الخارجة من الحرب الباردة باعتبارها ترساً في ماكينة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن تنسج علاقات جيدة مع روسيا والصين وأن تنخرط أكثر في المناطق الأقرب والأهم لها مثل الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز، وأن تنفتح على إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

تغيرت الأوضاع الإقليمية بزلزال الثورات العربية في 2011 وما تلاها من تطورات، بحيث لم تعد سياسة "صفر مشاكل" كافية أو مفيدة، فتحولت السياسة الخارجية التركية إلى المبادرة واتخاذ المواقف مازجةً بين القوة الناعمة والصلبة، وانخرطت تركيا في عدد من القضايا والنزاعات الإقليمية من سوريا إلى العراق ومن ليبيا إلى القوقاز.

بيد أنها عمدت مؤخراً إلى تدوير زوايا الخلاف وتهدئة الأزمات مع عدد من الأطراف الإقليمية والعالمية تطبيقاً لشعار "تكثير عدد الأصدقاء وتقليل عدد الخصوم" الذي رفعته منذ 2016 من دون أن يلقى في حينها التجاوب المنشود.

أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة بخصوص المنطقة وتفاعلات النزاعات الإقليمية في السنوات القليلة الماضية وبعض العوامل المحلية تقف وراء سعي عدد من القوى الإقليمية لتجاوز حدة الخلافات الماضية وإعادة التموضع، ويضاف إلى ذلك أهمية الاستحقاق الانتخابي في تركيا عام 2023، بيد أن عاملاً إضافياً يبدو أنه زاد من زخم الدبلوماسية التركية مؤخراً.

ذلك أن الأزمة بين روسيا وحلف الناتو، التي تحولت إلى حرب بين موسكو وكييف، دفعت فيما يبدو الولايات المتحدة وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في مواقفهم من تركيا بالنظر إلى الأدوار التي يمكن لها أن تلعبها في الأزمة مع روسيا من جهة والملفات الإقليمية من جهة أخرى. ذلك أن تركيا منخرطة مع الأخيرة في عدة دول وقضايا وتشكل الموازن لها -ولو نسبياً- في عدد منها مثل سوريا وليبيا وجنوب القوقاز.

تفاخر تركيا بأنها من الدول النادرة ولعلها الوحيدة في حلف الناتو التي لا تزال على تواصل متزامن ومتوازن مع كل من روسيا وأوكرانيا، وهو ما أبقى على فرص الوساطة التي تقدمت بها بينهما.

والخميس الماضي أثمرت الجهود الدبلوماسية التركية اختراقاً مهماً تمثل بمشاركة وزيرَيْ خارجية كل من روسيا وأوكرانيا في لقاء ثلاثي مع نظيرهما التركي في أنطاليا. أُجري اللقاء، الذي كان من الصعب توقعه قبل أسابيع، في ظلال "منتدى الدبلوماسية" الثاني بمدينة أنطاليا، وهو منتدى دولي أطلقت تركيا نسخته الأولى العام الفائت ليكون نظيراً لمنتدى دافوس الاقتصادي ومؤتمر ميونيخ للأمن، ولكن في الإطار الدبلوماسي إذ يشارك به عشرات رؤساء الدول والحكومات والبرلمانات والمؤسسات الدولية.

وبغض النظر عن أن اللقاء الثلاثي لم يحدث اختراقاً كبيراً في موقف كل من كييف وموسكو نحو الحل، وهو الأمر الذي كان متوقعاً على أي حال، فإن مجرد عقده مثل إنجازاً للدبلوماسية التركية ونافذة يمكن أن تتسع لاحقاً إلى لقاءات مماثلة على وقع تطورات الحرب.

هذه القدرة التركية على الجمع بين الخصوم بل والمتحاربين منهم تعكس جزءاً من حراك سياسي ودبلوماسي مكثف لأنقرة حالياً جعلها أحد مراكز الحدث وصناعة التحولات المحتملة على أقل تقدير. وإذا كانت أنقرة قادرة في أوقات مضت على التواصل مع مختلف الأطراف، فإنها اليوم تتواصل مع جهات ودول مثلت الخصومة و/أو التنافس الميزة الأبرز لعلاقاتها معها في السنوات الأخيرة.

فبعد التواصل وقطع خطوات ملموسة في إطار العلاقات مع كل من الإمارات ومصر وأخرى منتظرة مع السعودية تستقبل أنقرة هذه الأيام عدداً من خصومها التقليديين في السنوات الأخيرة في مشهد لافت ويستحق التحليل.

فقد استقبل أردوغان نظيره "الإسرائيلي" إسحاق هيرتزوغ في زيارة هي الأولى من نوعها بعد 14 عاماً من آخر زيارة لمسؤول "إسرائيلي" رفيع لتركيا وبعد 4 سنوات من شبه القطيعة الدبلوماسية بين الجانبين، إذ بدا أن ملف غاز شرق المتوسط شجع الجانبين على التقارب أو على أقل تقدير التواصل.

كما سيستقبل أردوغان الأحد المقبل رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتشوتاكيس في زيارة ذات أهمية بالغة نظراً إلى الخلافات العميقة بين الجانبين، إذ تمثل أثينا خصماً تاريخياً وتقليدياً وجيوسياسياً لأنقرة، وحاولت على مدى السنوات الأخيرة أن تضع خلافاتها معها في ثوب خلافات تركية-أوروبية، وفشلت في ذلك بشكل ملحوظ.

كما سيشارك رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في منتدى أنطاليا للدبلوماسية في زيارة هي الأولى من نوعها منذ 2009، وكذلك الأولى بهذا المستوى بعد معركة قره باغ الأخيرة بين أرمينيا وأذربيجان التي دعمت فيها تركيا الأخيرة وساهمت في تحريرها الجزء الأكبر من أراضيها من الاحتلال الأرميني.

ويضاف إلى كل ما سبق حملة اتصالات هاتفية مع عدد من رؤساء دول العالم في مقدمتهم الرئيسان الروسي والأمريكي، وكذلك زيارة رسمية سيجريها المستشار الألماني أولاف شولتز لتركيا في الـ14 من الشهر الجاري سيلتقي خلالها الرئيس التركي.

وسيكون على جدول أعمال الزيارة العلاقاتُ الثنائية والحرب الروسية-الأوكرانية والقضايا ذات الاهتمام المشترك وأيضاً مسار تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي، وستكون الزيارة فرصة لأنقرة لاستكشاف موقف المستشار الألماني الجديد من ملفها الأوروبي بشكل مباشر.

في الخلاصة تبدو تركيا جادة في تحقيق تهدئة في بعض ملفات السياسة الخارجية وتدوير زوايا الخلاف مع عدد من القوى الإقليمية، رفداً لاقتصادها واستعداداً لانتخاباتها المصيرية، وبما أضفى ويضفي زخماً على جهدها الدبلوماسي ويتيح لها لعب أدوار إضافية وأكبر في عدد من الأزمات الإقليمية والدولية.

ومن اللافت للنظر في هذا المسار مؤخراً قدرتها على التواصل والحوار مع أطراف عُدَّت لسنوات طويلة من خصومها الألداء الذين لم يكن متصوراً أن يجتمعوا معها للحوار. وستكون الأسابيع والأشهر المقبلة محكاً مهماً واختباراً عملياً للآفاق المستقبلية لعلاقات أنقرة مع هذه الأطراف ومدى إمكانية تحقيق اختراقات معها في المدى المنظور.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي