لفترة طويلة كان تبرير الدولة لممارسة المراقبة والتجسس على مواطنيها أو مواطني الدول الأخرى إنما يتركز حول مفهوم حفظ الأمن القومي ودفع الأخطار التي قد تحدق بالدولة من خارجها.

وهو مفهوم قديم بلا شك ولكنه اكتسب زخماً كبيراً بعيد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، إذ تضخمت أجهزة المخابرات بشكل غير مسبوق، وباتت البرامج التجسسية سواء على المستوى اللوجستي، أو التقني تعيش حالة من الوفرة غير المسبوقة. وباسم الأمن بات التجسس مشروعاً.

ولكن وفي نهاية المطاف، ووفق التجارب والأحداث التي أفصحت عنها الكثير من التسريبات منذ تسريبات ويكيليس، مروراً بتسريبات سنودين إلى التسريبات التي حدثت مؤخراً إبان فضيحة كامبريدج أنالاتيكا، فقد أصبح مفهوم الأمن وفق منطق الدولة مطاطياً بدرجة كبيرة. وإن وصف "الإرهابي" الذي كان ربما يطلق على بعض الجماعات الخارجة عن القانون ولا تؤمن بالنظام من أساسه بات يطلق حتى على المعارضين الذين يطالبون بإحداث إصلاحات في النظام أو أولئك الذي يطالبون بحقوقهم الإنسانية والمدنية المشروعة، وبذلك وجدوا أنفسهم ضحية عمليات تجسس شاملة تترصدهم وتجعل حياتهم في خطر.

مطاطية مفهوم الأمن هذه تشكل تهديداً حقيقياً لأبسط الحقوق الأساسية التي يحلم بها أي مواطن يعيش في دولته سواء دولة ديمقراطية أو غير ذلك. ومن هنا لا تجد الدولة أي مانع من الاعتداء على هذه الحقوق باسم الحفاظ على الأمن.

وفي عصرنا الرقمي حيث الأدوات الإلكترونية أصبحت متاحة للجميع، وحيث برمجيات التجسس أصبحت زهيدة الثمن ومتوفارة في كل مكان، فإن غياب الدواعي الأخلاقية، وتوسيع مفهوم الأمن، سوف ينتهك خصوصية الإنسان، ويتركه مكشوفاً تماماً أمام عمليات التجسس، ويخضعه لعمليات ابتزاز تسلبه أبسط مكونات إنسانيته، ألا وهي حرية الاختيار.

في لحظة من اللحظات خضعت مؤسسات الدولة في بعض الدول الديمقراطية لبعض اللوائح القانونية التي من شأنها أن تنظم عمليات التجسس بحيث يشُترط فيها أمر قضائي كما هو الحال في الولايات المتحدة (طبعاً في حق المواطنين الأمريكيين فقط لا الأجانب، فالأجانب لا يتمتعون بهذه الميزة). إلا أن ذلك قد جرى على نطاق ضيق، فما زالت عمليات التجسس تمارس خارج نطاق القانون على نطاق واسع.

فداحة الأمر تتبدى عندما يتصدى لهذا الأمر، أي للتجسس، كيانات أو حتى دول غير مبالية بحقوق الإنسان وما إلى ذلك. هنا لا يكون التجسس عبارة عن مجرد أضرار جانبية، بل يكون محور السياسية. ويصبح التجسس وسيلة للتنكيل بالمعارضين، والنيل من حقوق الإنسان بدلاً من أن يكون وسيلة لحماية الأمن القومي والأمن الفردي للمواطنين.

هذا ما كشفت عنه مؤخراً، على سبيل المثال، حادثة اختراق هواتف لمجموعة من الصحفيين العاملين في قناة الجزيرة وقناة العربي من قبل أجهزة تابعة لحكومتي أبو ظبي والرياض. تم هذا الاختراق بواسطة برنامج تجسس من شركة NSO التكنولوجية الإسرائيلية. وقد بات هذا البرنامج الذي يدعى بيغاسوس مشهوراً جداً، إذ رفعت شركة واتساب دعوى قضائية على الشركة بسبب هذا البرنامج لاختراقه بشكل غير قانوني محادثات لأكثر من 1400 مستخدم في الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا العام.

الخطير في هذه الحادثة الأخيرة أنها تعبر عن تقدم خطير في مجالين: مجال سياسي وآخر تقني. بالنسبة إلى المجال السياسي فهذه الحادثة هي تعبير عن مدى التحالف الأمني في المجال السيبراني الحادث حالياً بين دولة الاحتلال الإسرائيلي ودول التطبيع العربي وعلى رأسها الإمارات حالياً.

وإذا كان من المفهوم في الحالة الإسرائيلية إسقاطها صفة الإنسانية عن كل العرب وليس فقط المعارضين، لذلك سيكون مفهوماً أن دولة الاحتلال الإسرائيلي غير معنية إطلاقاً بملف حقوق الإنسان العربي، ولا تجد أي مشكلة في تزويد الأنظمة العربية بكل ما تملك من برمجيات خبيثة من شأنها أن تنتهك خصوصيتهم وتعرضهم سلامتهم الشخصية للخطر. ففي نظرها العربي الجيد هو العربي الميت.

في الحالة الإماراتية، ومن لف لفها من الأنظمة العربية، فالحالة مشابهة إلى حد بعيد، فليس لإنسانية المعارض أي اعتبار مهما كانت مكانته في المجتمع. ولذلك فكل معارض بالنسبة إليها هو إرهابي، خصوصاً إذا كان لديه أي شبهة إسلامية من قريب أو بعيد. ولذلك ليس مستغرباً والحالة هذه أن تسجن معارضاً 10 سنوات لمجرد تغريدة على تويتر أبدى بها رأياً معارضاً، وهنا أتحدث عن الناشط الإماراتي أحمد منصور.

إذاً التحالف الحاصل الأن بين دولة الاحتلال الإسرائيلي ودول التطبيع العربي هو تحالف أمني بشكل عام، وتجسسي استخباراتي بشكل خاص. وبما أن التحالف ما زال في بدايته، فلنا أن نتخيل المدى الذي سوف يصل إليه في السنوات القادمة؟

وبناء عليه فلنا أن نتخيل الاختراق الذي سوف تتعرض له المجتمعات العربية لاحقاً من خلال تغلل إسرائيل ضمن شبكاتها المعلوماتية بتسهيل ومساندة من قبل الأجهزة الأمنية العربية للدول المطبعة.

إنه كابوس بلا شك، فإذا كانت إسرائيل قادرة على زرع جواسيس لها داخل الأنظمة المعادية لها سابقاً إبان الخمسينيات والستينيات حتى وصل بعضهم إلى مناصب رفيعة داخل بعض الحكومات العربية، فلنا أن نتخيل حجم اختراقها لمجتمعاتنا بعد موجة الهرولة التي تقوم بها الأنظمة العربية تجاه تل أبيب.

بالنسبة إلى المجال التقني، وإن كنتُ غير متخصصة به، فإن الاختراق الأخير ينم عن تقدم خطير في تقنيات التجسس. في السابق كان برنامج التجسس بيغاسوس يقوم باختراق الهواتف الذكية من خلال إرسال رسالة نصية أو رابط يحتوي على برمجيات تجسس خبيثة. وفي حال قام المستخدم بالضغط هذا اللينك، على سبيل المثال، يقوم هذا البرنامج الخبيث بتثبيت نفسه داخل الجهاز بشكل تلقائي، ويبدأ عملية التجسس من خلال إرساله البيانات إلى الجهة المُخترقة.

وعندما بدأ العديد من المستخدمين يتمتعون ببعض الحس الأمني تجاه الاختراقات الإلكترونية، لجأت الشركة الإسرائيلية المصممة لبرنامج بيغاسوس NSO إلى حيلة أخرى أكثر حرفية ودهاءً وتطوراً.

وتقوم هذه الحيلة على تقنية الاختراق المعروفة بـ“zero-click attack"، بمعنى أن برنامج التجسس يستطيع أن يصل إلى الجهاز المحمول من غير أن يقوم المستخدم بالضغط على أي لينك أو فتح أي ملف مُرسل. وهذا يجعل الاختراق أكثر خفية بحيث لا يشعر به المستخدم أبدأ ما لم تتدخل جهة ثالثة تساعده على الكشف عن الاختراق.

ما نلاحظه إذاً هو تقدم مستمر في تطوير برمجيات التجسس الخبيثة، في الوقت الذي تتراجع به المعايير الأخلاقية والضوابط القانونية، وهذا توجه من شأنه أن يعمل على تآكل أي إحساس للأمن بقي لدينا نحن كمواطنين.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي