Twitter (Others)
تابعنا

من بين جميع الرجال فاحشي الثراء حول العالم، يعتبر إيلون ماسك الأكثر إثارة للجدل. بعد أشهر من الدراما المشوقة، يستقر الرجل على عرضه السخي بالاستحواذ على شركة تويتر بمبلغ 44 مليار دولار ويغرد "تحرر العصفور".

وكي يضفي على هذه الدراما مسحة هزلية، دخل مبنى الشركة وهو يحمل مغسلة، وكأنه يشير إلى أنه الرجل المخلّص الذي سوف يغسل أوساخ الشركة التي تكلست طيلة السنوات الماضية. ليس هذا فحسب، بل وعلى طريقة الرئيس دونالد ترمب المثيرة طرد جميع المديرين التنفيذيين من باراغ أغراوال (الرئيس التنفيذي لشركة تويتر بعد جاك دورسي والذي حصل على تعويض 38.7 مليون دولار) إلى سارة بيرسونيت كبيرة مسؤولي العملاء والتي حصلت على تعويض 11.2 مليون دولار ولم تشفع لها جمل الإطراء التي كالتها لماسك قبل أيام من طردها.

جدير بالذكر أن مصدر إثارة الجدل الذي حام حول الرجل لم يأتِ في الآونة الأخير من اختراعاته التكنولوجية الغريبة على سبيل المثال، ولا من الطفرات التي حققتها شركاته في سوق البورصة وغيرها. بل جاء من تصريحاته التي أدلى بها حول أكثر القضايا سخونة في العالم حالياً، فضلاً عن تدخلاته عبر أذرعه التكنولوجية الأمر الذي دفع البعض إلى الجدال بأن الرجل يشكل ظاهرة تكنو-جغرافية بحد ذاتها.

بدأت تدخلات ماسك التكنو-جغرافية بتزويد أوكرانيا بالإنترنت الفضائي مباشرة مع بداية الاجتياح الروسي للأراضي الأوكرانية، ودعوته للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نزال مباشر. لا شك أن توفير قنوات الاتصال في ظل الصراعات من هذا النوع يُعدُّ جوهرياً للغاية، ولا شك أن إيلون ماسك قد أسهم بشكل كبير في استمرار مراكز السيطرة والتحكم الأوكرانية على قيد الحياة. ويبدو أنه التفت لاحقاً إلى دوره المتنامي في الصراع ولذلك انطلق إلى مرحلة أخرى تتمثل في تقديم مبادرات لحل الأزمة دعا فيها الأوكرانيين إلى لرضا بالتنازل عن بعض الأراضي التي ضمتها روسيا مؤخراً مقابل التوصل إلى وقف لإطلاق النار وهو الأمر الذي أثار غضب الأوكرانيين. لاحقا دعا ماسك وزارة الدفاع الأمريكية للمساهمة في فاتورة توفير النت الفضائي لأوكرانيا وعبر عن عدم قدرته على الاستمرار في توفير النت مجاناً وهي محاولة فهمت على أن الرجل يحاول استخدام أوراقه التكنولوجية للحصول على مكاسب سياسية ونفوذ.

لاحقاً، صدمت تصريحات أخرى مثيرة للجدل الرأي العام الأمريكي عندما اقترح ماسك ضرورة القبول بحقيقة ضم الصين المحتمل لجزيرة تايوان. جددت هذه التصريحات الشائعات حول حجم العلاقة ما بين ماسك والصين خصوصاً أن شركة تسلا تعتمد اعتماداً كبيراً على السوق الصينية، لقد وصل الجدل حول هذا الموضوع بالبعض إلى التشكيك في المبلغ الذي دفعه ماسك للاستحواذ على تويتر والذي ربما جاء جزء كبير منه عن طريق بكين.

قد تكتسب تصريحات ماسك وتدخلاته التكنو-جغرافية زخماً مع استحواذه على منصة تويتر وهي من أكبر منصات تشكيل الرأي العام، فكيف ذلك؟

جرى الحديث كثيراً عن عملية الاستحواذ هذه، وما تحمله من تداعيات على قطاع منصات التواصل الاجتماعي، ولكن الأهم برأيي، هو ما تذكرنا به هذه الخطوة من حقائق ربما تعتبر صادمة لكثير من المتابعين ومفاجئة لآخرين.

وأهم هذه الحقائق هي أن منصة رقمية مثل تويتر، والتي تحولت في السنوات الأخيرة، إلى ما يشبه الفضاء العام العالمي للتداول من النخبة المؤثرة، يمكن الاستحواذ عليها من رجل واحد لترتهن بذلك إحدى أبرز القيم الليبرالية التي يمثلها تويتر، ألا وهي حرية التعبير، لحسابات وتقييمات رجل واحد أو لأولئك الذين يضعهم موضع المسؤولية.

بكلمة أخرى، نحن أمام مشهد مرعب من مشاهد النيوليبرالية وصورة من صور اللامساواة المتوحشة عندما يستطيع رجل واحد التحكم بفضاء يتواصل فيه يومياً ما يقرب من 200 مليون مستخدم فعال.

بات السؤال الجوهري حول قضية ماسك مع تويتر يدور حول إذا ما كان هذا الاستحواذ سوف يعزز القيم الليبرالية لمنصة تويتر أم على العكس سوف يضعها على منحدر زلق؟

كثيراً كان ماسك منتقداً لشركة تويتر ومتهماً إياها بالنكوص عن التماهي مع المبادئ الأصلية القائمة عليها والمتمثلة في حرية التعبير. على حسابه، نشر ماسك استبياناً قصيراً طرح فيه التساؤل التالي: حرية التعبير ضرورية لديمقراطية فاعلة. هل تعتقد أن تويتر تلتزم هذا المبدأ بصرامة؟ وقد أجاب %70.4 بـ "لا"، فيما كان نصيب "نعم" 29.6% فقط.

لا وصفة جاهزة للإجابة عن هذا التساؤل. فإيلون ماسك لم يقدم حتى الآن رؤية واضحة ومتكاملة حول حرية التعبير التي يريد من تويتر أن تتبناها في حال استحوذ عليها.

ففي حديثه في مؤتمر TED لعام 2022 في فانكوفر، سُئل ماسك عن سبب رغبته في شراء تويتر فقال: "إحساسي وحدسي القويان يخبرانني أن امتلاك منصة عامة موثوق بها إلى أقصى حد وشاملة على نطاق واسع أمر بالغ الأهمية لمستقبل الحضارة" وأضاف. "لكنني لا أهتم بالجانب الاقتصادي على الإطلاق". وهو ما يبدو غير صحيح، فالجانب الاقتصادي سيكون حاضراً على أجندته من خلال تأكيده على فرض رسوم استخدام لبعض خدمات تويتر (رسوم استخدام على المؤسسات والسياسيين)، هذا فضلاً عن مشروع X والذي يطمح ماسك إلى إنشائه على شاكلة الموقع الصيني WeChat الجامع للخدمات الإلكترونية كافة من تواصل اجتماعي إلى الألعاب والدفع والتسوق الإلكتروني.

إذن نحن نتحدث هنا عن "حدس" وليس عن خطة ورؤية واضحة، وهذا يدل على أن الرجل متصالح مع نفسه، فهو لم يدّعِ إلى الآن أنه يملك مثل هذه الخطوة أو هذه الرؤية، كما أنه متصالح مع ذاته من حيث الأبعاد الاقتصادية للصفقة، فشركة تويتر وعلى عكس مثيلاتها لا تعتبر الدجاجة التي تبيض ذهباً.

بمنطق الأرقام، لم تستطع تويتر أن تجتذب مليارات المستخدمين كما فعلت فيسبوك (والتي لديها أكثر من 11 مثلاً من عدد المستخدمين النشطين مقارنة بتويتر)، أو كما فعلت يوتيوب فيما يتعلق بالإعلانات التجارية والتي لديها أكثر من خمسة أضعاف إيرادات تويتر في الربع الأخير من العام الفائت في هذا المجال، وهو ما دفع المستثمرين إلى انتقادها في السنوات الأخيرة وذلك لفشلها في تحقيق الإمكانات المرجوة منها. ربما يشكل مشروع X منقذاً مالياً للشركة لاحقاً.

بالمحصلة غياب مثل هذا التصور الواضح حول "حرية التعبير" يثير مزيداً من القلق لدى المستخدمين، فتحويل منصة مثل تويتر إلى شركة خاصة ينطوي على مخاطر عديدة قد تمس أيضاً الخصوصية والبيانات الشخصية للمستخدمين. بالأخير إن هدف أي شركة خاصة هو الربح طال الأمد أو قصر، ومع توفر هذا القدر الهائل من البيانات عن المستخدمين في تويتر، ربما يسمح لماسك أن يجني المليارات من ورائها، وربما هذا ما فهمه الوليد بن طلال والذي رفض عرض ماسك في بيع حصته من الشركة على اعتبار أن العرض المقدم لا يساوي القيمة الحقيقية للشركة.

لقد لعبت شركة تويتر على مدار السنوات العشر السابقة دوراً محورياً في عملية التداول السياسي والإعلامي. فقد لجأ إليها غالبية السياسيين وصناع القرار والمشاهير والمؤثرين وصناع الرأي والمفكرين لتعظيم رواياتهم وأطروحاتهم، كما شكلت مصدراً غنياً لتناقل الأخبار خصوصاً العاجلة منها القادمة من أرض الحدث، كما اعتُبرت مصدراً غنياًِ للبحث العلمي والأكاديمي بسبب ما تتمتع به من مصدر مفتوح على عكس فيسبوك. وهو ما دفع الكثير إلى اعتبارها "آغورا" القرن الحادي والعشرين عندما تلتقي الأفكار من مختلف مشاربها في مكان واحد. من هذا المنطلق، حافظت تويتر على جوهر خصائص نموذجها التأسيسي أي الحفاظ على شبكة إلكترونية لا مركزية عامة ومفتوحة.

ولكن في المقابل، كانت تويتر، وبسبب الخصائص ذاتها، مكاناً ومرتعاً خصباً لرواد نظرية المؤامرة، وحملات التضليل، والأخبار الكاذبة، والتحريض، والحث على الكراهية، الأمر الذي استدعى تدخلاً مباشرة من إدارة تويتر لاستحداث منظومة من الخوارزميات والميكانزمات من أجل تنقية المحتوى الضار.

وهذا ما يثبت أن التكنولوجيا في جوهرها أداة محايدة تقبل الشيء ونقيضه. لاحقاً، هوجمت هذه المنظومة الرقابية على أساس أنها تضييق لحرية التعبير، وتعبير عن السلطة الرقابية التي تفرضها تويتر على محتوى مستخدميها وهو ما قاد العديد إلى اعتبار قيم تويتر الليبرالية مجرد ذر للرماد في العيون، فهي تفرض رقابة على المحتوى كما تفرضه السلطات الدكتاتورية على مواطنيها.

ربما تعد حالة الرئيس الأمريكي السابق ترمب المثال الأبرز على هذا التوجه، فالرئيس على مدار أربع سنوات من ولايته استخدم تويتر على نطاق واسع لدعم روايته بعد أن ضيقت عليه وسائل الإعلام التقليدية وحاربته، ولكن مع ذلك خضع أيضاً لإجراءات المراقبة والتضييق على المحتوى من تويتر لتغريداته التي كان يُنظر إليها على أنها تحض على الكراهية حتى وصل الأمر في نهاية المطاف إلى حجبه عن المنصة كلياً إثر أحداث "الأربعاء الأسود" حين اجتاحت جموع من الغوغاء المؤيدين لترمب الكونغرس.

التضييق على المحتوى يخضع لمعايير أمريكية في نهاية المطاف، ولذلك لا يبتعد الأمر عن الكيل بمكيالين عندما يتعلق الأمر ببعض القضايا الحساسة والتي تخصنا نحن في العالم العربي على رأسها القضية الفلسطينية، حيث يجري تضييق المحتوى الفلسطيني بشكل كبير على عكس المحتوى الإسرائيلي والذي يعج برسائل الحض على الكراهية. وهي نفس الحجة التي يرفعها على سبيل المثال أتباع اليمين المتطرف في الغرب الذين يرون أن تويتر تُقصيهم عن التعبير بشكل يخالف مبدأ حرية التعبير الذي تنادي به.

إن تطبيق مبدأ "حرية التعبير" فيه كثير من الاختلال هذا صحيح، ولكن هل استحواذ ماسك على تويتر سيعمل على تصحيح هذا الاختلال؟ أنا أشك كثيراً في ذلك، فهذا الاختلال بنيوي لا مجرد سياسات تتبع ويمكن تغييرها. ولذلك ربما تكون خلاصة القول إن استحواذ ماسك ليس له علاقة بتعزيز حرية التعبير بقدر تعزيز "بريستيج" الرجل في عالم التكنولوجيا. لا شك أن له حظوة كبيرة في مجال التكنولوجيا التقنية، وهو يطمح إلى أن يكون له حظوة في التكنولوجيات السياسية والاجتماعية كتويتر، وعبر عن رغبته سابقاً في إنشاء شبكة تواصل اجتماعي جديدة، وهو الأمر الذي يبدو أنه عدل عنه لعدم جدواه وجعله يسلك طريق الاستحواذ على تويتر.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي