يطلعنا الأدب في كثير من الأحيان على ما يجري في بلدٍ ما أكثر من التقارير الدبلوماسية، والتغطيات الصحافية. هذا ما عبرت عنه رواية "جمهورية كأن" للروائي علاء الأسواني.

لا شيء يعبّر عن انزياح الثورة، من فكرة تحمل أملاً بالانعتاق، إلى واقع يضحي كابوساً، يجثم على النفوس كما مصر. ذلك أن مصر فكرة أكثر منها بلداً. هي فكرة تحمل آمال العالم العربي وطموحاته كما تحمل انكساراته وكبواته.

كانت مصر رأس حربة النهضة في العالم العربي. منها بدأت الطباعة والصناعة والإصلاح الزراعي، والبرلمان، والصحافة.

ومنها استوت الأفكار التي هزت العالم العربي، من الليبرالية والسلفية فالإخوان المسلمين، وحتى القومية لم يستوِ عودها إلا حين انتقلت إلى ضفاف النيل.

بل حتى الانقلابات العسكرية، واستلام العسكر السلطة فكرة مصرية قديمة، لعل جذورها أعمق من الضباط الأحرار، وتعود إلى محمد علي.

أثرت مصر في العالم العربي بنسب متفاوتة، ولذلك ظلت الأبصار مشدودة إليها، والآمال معلقة عليها مع الربيع العربي. تحمل آماله، وتحمل لعنته. منها استوت الثورة، وبها قامت الثورة المضادة كذلك.

هل يستطيع الأدب أن يطلعنا على ما يجري بمصر وغير مصر، أكثر من التقارير الدبلوماسية، والتغطيات الصحافية؟

أجل. ولذلك سعيت أن أقرأ ما يجري بمصر من خلال عمل للروائي المصري علاء الأسواني في روايته "جمهورية كأن".

التاريخ يكرر ذاته في ظواهر مشينة وشخصيات مقيتة، كما يقول الكاتب التشيكي كونديرا في روايته الرائعة "خفة الكائن المحتمل" إن لم يتلقفها الإبداع ويحيلها شخوصاً روائية.

آنذاك، تكف أن تتكرر، أو إن تكررت، تكررت في شكل لا يجثم على النفوس ولا يخنق الأنفاس، وتغذو إذ ذاك صوراً كاريكاتورية. ولذلك فدور الأدب لا يكتفي بالرصد والتصوير بل تجاوز وضع محتقن.

لعل ذلك هو المسلك الذي ركبه علاء الأسواني في روايته الأخيرة، "جمهورية كأن.." ليتحدث عن ثورة ميدان التحرير، وللأحلام التي تحولت إلى كوابيس. بدت مصر خلال الثورة، وفي بؤريتها ميدان التحرير وكأنها استعادت الوعي والروح على السواء بحسب تعبير توفيق الحكيم. وما لبث الأمل أن غدا سراباً، والحلم انكساراً.

كان علاء الأسواني من الوجوه البارزة أثناء اعتصامات ميدان التحرير. كان حاضراً بقلمه، وحواراته، وحضورها الإعلامي، فضلاً عن وزنه الأدبي. كان الصوتَ الذي يستعيد وهج الخطاب الليبرالي بعد أن حجبته الناصرية ويربط الصلة مع ثورة 1919.

في "جمهورية كأن..." يظهر علاء الأسواني بمظهر آخر وهوية جديدة، تتحدد من خلال قطيعة.

في الرواية يُظهر علاء الأسواني أوجه الدولة العميقة، من مؤسسة أمنية تتحرك في خفاء ودهاء، بين مؤثرَين عميقين، الدين والإعلام، تمثلها شخصية اللواء علواني، الذي ينتقل في يوم واحد، من قُنوت العبادة والتهجد والتخشع، أثناء صلاة الفجر، إلى مشاهدة مقاطع من أفلام إباحية إثرها، عبارة عن بهارات كي يستطيع أن يضاجع جسداً مترهلاً، هو جسد زوجته.

في ذات اليوم يشرف على حصة تعذيب، ويتفتق ذهنه عن الوسيلة التي تجعل المتهم يتكلم، وذلك بالتهديد باغتصاب زوجته أمامه من قِبل العناصر الأمنية.

ويتكلم المتهم، ولا يسع الضباط في حصة التعذيب إلا أن يعبروا عن إعجابهم باللواء علواني: "كل يوم نتعلم من حضرتك." شخصية علواني هي شخصية كل أزلام المنظومة الأمنية في العالم العربي.

الشعور السائد في جمهورية كأن، هو الخوف.ي جثم كالرصاص على الشعب، وفجأة تنتفض مصر، ويحمل وهج الأمل شبابٌ لا يستكينون للوضع القائم. أسماء المُدرِّسة، مازن المهندس والنقابي، وخالد الطالب في كلية الطب، ليضاف إليهم شخص أعفاه وضعه المادي من الانغمار في شؤون "الغلابة"، هو القبطي أشرف ويصا.

أسئلته الوجودية، وإخفاقاته المتتالية تحرك مكامن نفسه. يقترن بخادمته إكرام. يحبها وتحبه. من خلالها يستعيد معنى الحياة. بساطتها وسذاجتها تخفيان عمقاً وأخلاقاً رفيعة. مع الثورة تستعيد الكلمات معناها، مثلما قال شاعر الزجل الأبنودي. يستعيد الحب رونقه بل معناه، ويتحدى الكذب والنفاق والمواضعات.

لا يتستر أشرف ويصا عن حبه لإكرام. ينتفض ضد ابنه بطرس وبنته سارة اللذين رأيا فيها المساوئ كلها، خادمة ومسلمة ومتزوجة. يحكم عليها أشرف بسُلم قيم آخر، امرأة تحبه ويحبها، والتقيا في الانتفاض كليهما ضد المواضعات والنفاق، وانصهرا في قيم الثورة. كذلك تفعل أسماء مع حبيبها مازن. وحتى قلب دانية بنت اللواء علواني، يخفق للفتى خالد ابن "السواق" متحدية الفوارق الطبقية.

ينحني الجهاز للعاصفة، ثم تبدأ الثورة المضادة. من مختلف المؤسسات الأمنية، ورجال الأعمال، والإعلام، ورجال الدين. مَن كانوا أبطالاً يريدون أن يمسكوا بعنان التاريخ صاروا خونة أو صُوّروا كذلك.

يؤرخ الأسواني للحظات مؤلمة غداة رفع الاعتصام من ميدان التحرير، وقد تحركت الثورة المضادة. يُقدّم شهادات يمتزج فيها خطاب الراصد للأحداث، مع عمل الروائي، مَن مصيغ الخطاب من طمي الأحداث.

نحن أمام صنف جديد من الكتابة الروائية. الشخوص ليست خيالاً، بل تحيل على ظواهر. يعطي الروائي الكلمة لفتيات تعرضن للمهانة من خلال الفحص على عذريتهن من أجل تصويرهن كساقطات باغيات. شهادات تكاد تكون حية، أشبه ما تكون بعمل توثيقي، في لغة معبرة، هي لغة التخاطب.

يفتح الأسواني حادثة مجزرة ماسبيرو وملابسات الانفلات الأمني، في لحظة أريد لها أن تجسد التلاحم الإسلامي القبطي، كما في ثورة 1919، وكما في ميدان التحرير.

تنتصر الثورة المضادة، ومن كانوا أبطالاً صاروا خونة، من قِبل إعلام تحت الرقابة وتحت الطلب.

أضحى الأبطال متآمرين يخدمون أجندة خارجية، أما القتلة فقد بُرئوا. أسماء التي وقفت ضد أن يصبح التعليم سلعة، ورفضت الدروس الاستدراكية التي هي عمليات استنزافية لجيوب الشعب، وانتفضت ضد الأخلاق الزائفة، من لباس "محتشم" وعانقت الثورة، تنكسر في نهاية المطاف، وتعلن حكمها الصادم الذي يعبر عن إحباط.

"كانت ثروتنا العظيمة طفرة، وردة جميلة وحيدة وغريبة ظهرت في مستنقع. كانت ثورتنا تَغَيراً مفاجئاً في مسار الجينات المصرية، ثم سرعان ما عاد كل شيء إلى طبيعته، وصرنا نحن خارجين عن السياق، منبوذين لا يريدنا أحد، ولا يتعاطف معنا أحد، ويعتبرنا الجميع سبب كل المصائب. هنيئاً للمصريين بإجهاض الثورة، وهنيئاً لهم باكتشاف أننا عملاء وخونة. لن يعرفوا أبداً أن الثورة كانت فرصتهم الوحيدة للعدل والحرية، ولكنهم أهدروها بأيديهم عندما خذلونا".

ومع ذلك لا تفضي الرواية لليأس. يصمد من يمسكون بالجمرة على الرغم من الإعصار.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي