في جولة هي الأولى له منذ انتخابه رئيساً للمكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، بدأ إسماعيل هنية زيارة لتركيا يُتوقع أن ينطلق منها في زيارات تشمل عدداً من البلدان العربية والإسلامية.

وقد منعت مصر في السابق رئيس المكتب السياسي لحماس من الخروج، إلا إلى القاهرة ضمن الحصار الذي يفرضه نظام الانقلاب بزعامة عبد الفتاح السيسي، ليس على حماس وحدها بل وعلى الشعب الفلسطيني بأكمله في غزة.

لماذا الآن؟

بعد فشل محاولات سابقة لهنية بإقناع النظام المصري بالسماح له للخروج للقيام بواجباته كزعيم للحركة، وافق جهاز المخابرات المصري مؤخراً على خروج زعيم الحركة بعد زيارته الأخيرة ولقائه مع مدير جهاز المخابرات المصري عباس كامل.

وفي تقديرنا أن تغيير الموقف المصري جاء للأسباب التالية:

أولاً: الدور المهمّ الذي قامت به الحركة لمحاولة إنجاح جهود المصالحة المصرية، وإدراك مصر أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس تَسبَّب في إفشالها بتعنُّته وليس حماس. كما أن الأخيرة أبدت حسن نيات تجاه مصر بمحاربتها التنظيمات المتطرفة ومنع خروج الجهاديين المحتملين واستهدافهم الجيش المصري، وهو الأمر الذي ساهم باستعادة الثقة بين الطرفين.

أضف إلى ذلك كله أن موافقة حماس على دعوة عباس للانتخابات وتذليلها العقبات لإجرائها، عزّز قوة الدور المصري عربيّاً ودوليّاً مقابل التشكيك السياسي والأمني الذي تواجهه في فلسطين والمنطقة في ضوء فشلها الاقتصادي وسوء الأوضاع المعيشية للمصريين، واشتداد الانتقادات لسجل السيسي الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان.

ويُذكر أن وفد حماس برئاسة هنية ناقش مع المخابرات المصرية موضوع التفاهمات مع الكيان الإسرائيلي وسبل تفعيلها، وأن يقوم الاحتلال بتنفيذ التزاماته كافَّةً لوضع حد لمعاناة أهالي قطاع غزة وإنهاء حصارهم، وذلك عبر تنفيذ المشاريع الإنسانية التي تتعلق بحياة الناس وحريتهم.

ثانياً: انشغال واشنطن بأزمتها الداخلية المتمثلة بالاتهامات الموجهة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب واحتمال محاكمته، ودخول الكيان الإسرائيلي في أزمة سياسية طاحنة بعد الفشل في تشكيل حكومة جديدة والاتجاه نحو انتخابات ثالثة في أقل من عام إضافة لاتهامات الفساد التي وُجّهت إلى نتنياهو. حيّد ذلك عنصر الضغط الخارجي على مصر لمنع خروج هنية كما حصل في المرات السابقة.

ثالثاً: وجود دعوة لهنية من روسيا لزيارتها مع وفد من الحركة لإجراء حوارات تتركز حول المصالحة الفلسطينية، إذ تتساوق موسكو بمواقفها مع الولايات المتحدة فيما يخص عملية السلام والتطبيع مع الكيان الصهيوني، كما أن النظام المصري لا يريد أن يظهر بمظهر المعطّل لدور روسيا في المنطقة بإفشال هذه الزيارة.

وأخيراً: التقدير بأن حماس لن تتمكن من تحقيق اختراقات في المنطقة في ضوء المواقف العربية المتجهة للعلاقات والتطبيع مع إسرائيل، وبأن الدول العربية لن تكون متحمسة لتطوير أي علاقة مع حماس خوفاً من فيتو إسرائيلي أو أمريكي على مثل هذه الخطوة، كما أن حماس لن تخاطر بإغضاب النظام المصري وستضطر لعدم زيارة إيران رغم العلاقة المتينة التي تربطها بها.

مكاسب متوقعة لحماس

سعت حماس للحفاظ على شبكة علاقاتها الخارجية وتطويرها في إطار دعم برنامج المقاومة الذي تتبناه، وفكّ الحصار عن قطاع غزة الذي تحكمه في ضوء تشديد الخناق عليها أمريكياً وإسرائيليّاً وتجاوب عدد من الدول العربية مع ذلك سعياً وراء إنجاز صفقة القرن الأمريكية.

وقاومت حماس هذه الصفقة وحاولت حشد الأمة لرفضها خصوصاً، أن هذه الصفقة شكَّلَت غطاءً للتطبيع العربي مع إسرائيل تولَّته معظم دول الخليج العربي في ضوء هيمنة بن سلمان على السعودية التي اتخذت مواقف معادية من القضية باعتقال عدد من كوادر ومؤيدي حماس في الداخل السعودي.

وبالإضافة إلى المكاسب السياسية التي ترتجيها الحركة من خروج هنية، فإن أهم مكسب تسعى له هو أن تتمكن من الحصول على أموال دعم -ولو مؤقتة- تستطيع بها أن تتجاوز الأزمة المالية الطاحنة التي تمر بها بسبب الحصار الأمريكي الإسرائيلي ودخول بعض الدول العربية من بينها السعودية والإمارات والأردن على هذا الخط.

وقد يحقّق رئيس المكتب السياسي لحماس هذا المكسب، خصوصاً أنه ينوي البقاء لأشهر في الخارج، بما يساهم في رفع أسهمه للفوز بدورة انتخابية جديدة مقبلة خلال ما تبقى له في هذه الدورة (سنة وبضعة أشهر) لا سيما وأن داخل الحركة همساً بأن الأزمة المالية رافقت فوز هنية وتَربَّع قطاع غزة على سدة الحكم في الحركة بعد نحو عشرين عاما كانت فيه القيادة من نصيب الخارج وتحديداً خالد مشعل.

ومن المزايا المهمة لخروج هنية ومعه بعض قيادات المكتب السياسي تمكنت حماس من استجماع صفها القيادي على صعيد واحد وخارج العباءة المصرية، ما سيساهم في تسديد القرار السياسي للفترة المقبلة في قضايا مثل الانتخابات الفلسطينية والاستعداد لصفقة تبادل أسرى محتملة مع إسرائيل والمصالحة الفلسطينية ومواجهة صفقة القرن وغيرها من القضايا.

تَحرُّك واستثمار سياسي

وتشير التقديرات إلى أن حماس ستشكّل وفوداً برئاسة هنية الموجود حاليّاً في تركيا لزيارة قطر وماليزيا وروسيا، وقد تشمل أيضاً لبنان، لكنها لن تشمل -على ما يبدو- إيران.

وسيرتبط برنامج الزيارات بالتأكيد بموافقة الدول المضيفة، لذلك لن يتضح على الفور الدول التي سيشملها.

ولا يزال موضوع مشاركة هنية في منتدى قمة كوالالمبور التي ستُعقَد في الفترة بين 18 كانون الأول/ديسمبر و21 من الشهر ذاته، غير واضح ومرتبط بموافقة مصر رغم أن زعيم حماس تلقى دعوة لحضورها من رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد.

وستشمل الزيارة بعض الفاعليات الشعبية والنقابية الفلسطينية في تركيا، فضلاً عن الدعوات التي ستوجَّه إليه لإلقاء كلمات في تجمعات وكيانات تركية، أما في قطر فسيكون له اجتماعات مع القيادة والشخصيات والفاعليات القطرية والفلسطينية هناك.

ومن المتوقع أن يلتقي زعيم الحركة كوادرها المنتشرين في قطر وتركيا، كما لن تخلو زيارة ماليزيا من لقاءات قيادية فضلاً عن الفاعليات الشعبية وسط بحر من المؤيدين والأنصار هناك وتعطشهم لفلسطين وللمقاومة فيها.

وإذا تمكن هنية من زيارة لبنان، فستكون زيارته هناك حافلة بلقاءات الفلسطينيين في مخيماتهم، إضافة إلى لقائه حزب الله والحرس الثوري، فضلاً عن اللقاء بالفاعليات السياسية اللبنانية.

اختراق متواضع وإنجاز قيادي

وفي ظل الظروف الدولية غير المواتية والعربية المتراجعة أو الضعيفة، فليس من المتوقَّع لهذه الجولة أن تحقق اختراقات مهمة على صعيد دعم مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال أو تحقيق اختراق في العلاقات العربية الرسمية تحديداً.

ولإن استفاد هنية في خروجه بانشغال الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بأوضاعهما الداخلية، فإن سقف التوقعات بالإنجازات يبدو منخفضاً على الصعيد العربي.

فالسعودية منشغلة بمحاولة تحسين وضع بن سلمان المتداعي داخليّاً وعالميّاً، وإنقاذ وضعها الاقتصادي المتدهور باتجاه تحقيق استراتيجية رؤية 2030 التي تبدو على وشك الانهيار حتى مع طرح أسهم أرامكو للبيع. وينعكس هذا على الخليج العربي الذي يعيش حالة انقسام داخلي حتى مع بوادر حل أزمة السعودية وقطر.

ومعظم الشعوب العربية منشغلة بالدفاع عن لقمة عيشها ومحاربة الفساد (لبنان والعراق والأردن) أو بأوضاعها السياسية والانتخابات (الجزائر) أو بانقساماتها وحروبها الداخلية والتدخلات الخارجية فيها (ليبيا وسوريا) فضلاً عن الأوضاع التي تعيشها مصر وأسلفنا الحديث عنها.

إلا أن الجولة الأولى لهنية كرئيس لحماس لن تخلو من المنافع والإنجازات الشعبية والتنظيمية ووحدة القرار السياسي للحركة.

لقد تأخر خروج هنية بسبب الموقف المصري المتشدد من الحركة، ولكن خروجه كان ضروريّاً للملمة الوضع القيادي وتحقيق الممارسة القيادية الطبيعية لحركة تشكّل الرقم الأصعب في المعادلة العربية والإقليمية، ولتعزيز الالتفاف الشعبي حولها داخل وخارج الأرض المحتلة.

ولو اقتصر الإنجاز على هذين الصعيدين لكان كافياً لهذه الحركة ومفيداً للوضع الفلسطيني العامّ وربما رافعةً للموقف العربي الرسمي ومحفزاً للموقف الشعبي الذي لا يزال يرى بهذه الحركة المدافع الرئيسي عن فلسطين والمتصدي للمشروع الاحتلالي الإسرائيلي.

وأي إنجازات تتحقّق فوق هذا المطلب فستكون ضمن رصيد هذه الحركة التي يُنظر لها باحترام كبير في منطقتنا.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRT عربي.

المصدر: TRT عربي