ما صح في سوريا سابقاً يصح في ليبيا حالياً ومستقبلاً، وهو أن جملة المصالح التي تجمع روسيا وتركيا قادرة على تجنيبهما المواجهة، حيث أثبت الرئيسان أردوغان وبوتين أكثر من مرة قدرتهما على المناورة والتوصل لتفاهمات رغم تعارض الرؤى.

رغم العلاقات الجيدة والتنسيق المتزايد بينهما مؤخراً، تحمل التطورات الأخيرة في المشهد الليبي نذر مواجهة بين تركيا وروسيا، رغم حرص الطرفين على تجنبها.

ففي المقام الأول ثمة تباين واضح في منطلقات كل منهما في مقاربة الشأن الليبي والدور الذي يلعبه كل منهما. تنكر روسيا التدخل المباشر العلني وتدعي علاقة متوازنة بين طرفي النزاع والسعي لحل سياسي له، رغم التقارير المتواترة عن المشاركة الميدانية لشركة "فاغنر" الخاصة وعلاقتها بالكرملين.

في المقابل، تصطف تركيا بشكل علني إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، وبعد توقيع اتفاقية تعاون أمني وعسكري معها، على قاعدة إعادة التوازن للمشهد الليبي بما يمكن أن يسهم في الحل السياسي.

تريد موسكو موطئ قدم على الساحل الليبي يزيد من قوتها في مواجهة حلف الأطلسي وخصوصاً في منطقة النفط الليبي، بينما تريد أنقرة حكومة ليبية قوية واستقراراً يضمنان استمرار اتفاقيتها مع طرابلس. وبذلك تتبدى المصلحة التركية في وحدة ليبيا جغرافياً وسياسياً، بينما قد لا تمانع روسيا في تقسيمها رسمياً أو فعلياً في حال ضمنت مصالحها.

رغم هذا التباين، خرج الطرفان بنداء مشترك لوقف إطلاق النار في ليبيا في كانون الثاني/يناير الفائت بالتزامن مع وقف إطلاق النار في إدلب، ورعيا محادثات ليبية - ليبية في موسكو، كادت أن تفضي إلى توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار قبل أن يتراجع عنه خليفة حفتر في حينه بسبب رهانه على إمكانية الحسم الميداني لصالحه.

كان ذلك في بداية العام، لكن ماءً كثيراً سرى تحت الجسر في الأشهر القليلة الماضية، حيث استطاعت حكومة الوفاق وبدعم تركي تغيير المشهد الميداني بشكل لافت. لم تتدخل تركيا عسكرياً بشكل مباشر في القتال، لكنها قدمت لحكومة السراج دعماً ثلاثياً، من خلال تنسيق الفرق المقاتلة تحت لوائها، ونشر منظومات دفاع جوي، إضافة للعامل الأهم المتمثل في الطائرات بدون طيار التركية.

هذه الأخيرة صنعت الفارق فيما يبدو في العملية العسكرية التي أطلقتها حكومة الوفاق ضد قوات حفتر لفك الحصار عن طرابلس، والتي كان نتيجتها دحره من عدة مدن في الغرب الليبي فضلاً عن قاعدة الوطية الاستراتيجية، لتدور المواجهات حالياً في محيط مطار طرابلس.

وإذا كان هذا خطيراً بالنسبة لحفتر وداعميه الإقليميين وحساباتهم، فقد شمل كذلك ثلاثة تطورات مهمة بالنسبة لموسكو. فقد أفادت تقارير عدة بانسحاب مئات من مقاتلي فاغنر من محاور القتال الرئيسة في محيط العاصمة الليبية، في تطور يحمل عدة دلالات محتملة.

التطور الثاني كان الخسائر البارزة التي تعرضت لها منظومة "بانتسير- S1" الدفاعية الروسية التي تستخدمها قوات حفتر، حيث تشير تقارير إلى تدمير سبع منها، وسيطرة قوات الوفاق على ثامنة، كل ذلك باستخدام المسيّرات التركية بيرقدار والعنقاء بشكل أساسي.

تقدم المصادر الروسية عدة سرديات للتقليل من حجم الخسارة، منها أن موسكو لم تكن المورد المباشر للمنظومة إلى قوات حفتر، وأن الأخيرة هي من أساءت استخدامها بما أدى لهذه النتائج وليس لضعف في المنظومة، ومنها أنها استطاعت إسقاط عدد من المسيّرات التركية رغم ما أصابها من ضرر. لكن كل ذلك لا يغير من المعادلة الرئيسة شيئاً، وهي أن مواجهة قد حصلت فعلاً بين سلاح روسي وآخر تركي على الأراضي الليبية، وأن الأخير قد أثبت فعالية في مواجهة الأول تشكل إحراجاً لموسكو.

وأما التطور الثالث فهو نقل روسيا عدداً من الطائرات المقاتلة إلى ليبيا وتحديداً إلى قاعدة الجفرة حسب الولايات المتحدة الأمريكية، وقد ذكر المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية جوناثان هوفمان أن عددها 14 طائرة مقاتلة من طرازَيْ سوخوي 24 وميغ 29. الجانب الروسي نفى ذلك على لسان نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي فلاديمير دزاباروف الذي عد الاتهامات الأمريكية محاولة لتشويه سمعة بلاده، لكن دولاً أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا دعمت التقارير الأمريكية وحذرت من التداعيات.

في الخلاصة، ثمة تعارض واضح بين رؤى ومصالح كل من تركيا وروسيا في الأزمة الليبية، فضلاً عن حصول مواجهة غير مباشرة بين سلاحَيْهما فيها، فإلى أين يمكن أن تتطور الأمور؟

إن قرار نقل المقاتلات الروسية إلى ليبيا وتحديداً بعد تراجع قوات حفتر أمام حكومة الوفاق يحمل دلالات لا تخفى على الموقف الروسي في الأزمة الليبية، لكن ذلك لا يظهر بشكل واضح الأهداف التكتيكية الحقيقية لهذه الخطوة. قد يكون هدف موسكو حماية مقاتلي فاغنر، أو دعم حفتر في هجوم مضاد ضد حكومة الوفاق، أو على الأقل حماية الشرق الليبي من عملية محتملة للوفاق هناك بعد الانتهاء من معارك الغرب والعاصمة.

لكنها في كل الأحوال خطوة في الجبهة المواجهة لتركيا، وهو ما لم يغب عن الموقف الرسمي التركي. فقد قال الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن إن بلاده لا تصوّب الدعم الذي تقدمه موسكو لحفتر، داعياً إياها إلى "قطع علاقاتها معه والتعاون لإيجاد حل سياسي بالعمل مع بقية الأطراف تحت رعاية الأمم المتحدة"، مؤكداً استمرار "دعم تركيا للحكومة الشرعية، من أجل خروج الشعب الليبي من هذه الأزمة بأسرع وقت".

بالنظر إلى الرؤية التركية القائمة على تمكين حكومة الوفاق وكسر هجمة حفتر على العاصمة لدعم الجهود السياسية، فمن غير المتوقع دعم أنقرة لفكرة استمرار عمليات حكومة الوفاق في الشرق، بما يقلل من احتمالات المواجهة - لا سيما المباشرة - مع موسكو.

ورغم ذلك، ستبقى المواجهة والرسائل غير المباشرة بين الطرفين قائمة في المشهد الليبي، خصوصاً في ظل إصرار بعض الأطراف على دعم حفتر وتسليحه لمعاودة الهجوم على طرابلس وتعويض تراجعه وخسائره الأخيرة، فضلاً عن الموقف الأمريكي الداعم ضمناً لتركيا من خلال انتقاد التحركات الروسية والتحشيد ضدها.

كما أن هناك احتمالاً لرد موسكو على هذه التطورات الأخيرة المحرجة لها في سوريا وتحديداً في إدلب. صحيح أن البروتوكول الأخير الموقّع بين تركيا وروسيا قد نزع فتيل عملية عسكرية واسعة في المنطقة، إلا أن معظم التقديرات تشير إلى أنه مرحلة مؤقتة قبل أن يعود النظام للهجوم بدعم روسي.

التصريحات الرسمية من كلا الجانبين تشير إلى ثبات وقف إطلاق النار في إدلب -رغم بعض الخروقات- واستمرار التنسيق بينهما، بما في ذلك تسيير الدورية المشتركة رقم 14 بمشاركة عناصر برية وجوية على طريق M4 في إدلب.

لكن التعزيزات التركية الأخيرة في المنطقة تشير إلى أن أنقرة تضع في حساباتها احتمال تأزم الوضع فيها، لا سيما مع حشود النظام مؤخراً، كما حصل في مرات سابقة حين أرادت موسكو إيصال رسائل معينة.

أخيراً، ما صح في سوريا سابقاً يصح في ليبيا حالياً ومستقبلاً، وهو أن جملة المصالح التي تجمع روسيا وتركيا قادرة على تجنيبهما المواجهة، حيث أثبت الرئيسان أردوغان وبوتين أكثر من مرة قدرتهما على المناورة والتوصل لتفاهمات رغم تعارض الرؤى، رغم أن ذلك بات أصعب نسبياً من ذي قبل لعدة اعتبارات تتعلق بالعلاقات التركية - الأمريكية والتركية - الأوروبية المتحسنة مؤخراً، وحرص أنقرة على استمرارها بهذا الشكل.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي