بعد تدفق مئات الملايين من الدولارات إلى الحكومة الفرنسية لإعادة إعمار كاتدرائية نوتردام، فُتح الباب واسعاً للتساؤل حول الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء، وأين هذه الأموال عن تحسين الوضع المعيشي للملايين من المعدومين حول العالم؟

لا تستغني الحكومات عن استثمار أحداث داهمة في حشد الحالة الوجدانية لشعوبها بعيداً عن الاستقطابات الطبقية والضغوط المطلبية. كانت قيادة إيمانويل ماكرون بحاجة إلى مثل هذا مع استمرار مظاهرات السترات الصفر والنقاش الاقتصادي والاجتماعي الذي نشب في ظلالها.

حَسَبَ بعض المراقبين فإنّ حريق كاتدرائية نوتردام أتاح للوهلة الأولى فرصة مواتية للتهدئة، رغم ما تشير إليه الكارثة من قصور فادح في النظم والمعايير المتبعة في البلاد ومن فجوة جسيمة في الإنفاق على المرافق التاريخية والثقافية واحتياجات الترميم.

إنّ احتراق معلم رمزي مركزي مثل كاتدرائية نوتردام يبقى كارثة بالمقياس التاريخي والثقافي بالنسبة إلى فرنسا وسلطاتها، كما أنه يمسّ الحالة المعنوية لجمهورها. لكنّ الحدث انطوى على فرصة سياسية محتملة، إذ تأتّت له صرف الاهتمامات العامة عن الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحرجة وتشتيت اهتمام الجمهور بعيداً عن الحركة المطلبية المتواصلة في الشارع منذ شهور.

للفواجع فوائدها السياسية أحياناً، وقد تأتي بخسائر غير محسوبة أيضاً، فسرعان ما اتّضح أنّ المراهنة على ألسنة اللهب كانت أمنية خائبة، فواقعة نوتردام أجّجت الاحتقان الكامن تحت السطح من حيث لم يحتسب القوم.

ما إن اندلعت النيران في المعلم الأيقوني البارز حتى تسابق منتسبو الطبقة الفرنسية المحظية إلى التعبير السريع عن أنفسهم بعد أن تجاهلوا المشهد الشعبي العارم الذي ظلّ يشكو الفاقة والحرمان وغياب المساواة.

تبارى أثرى أثرياء فرنسا بوجوههم وشركاتهم في تقديم الهبات الطائلة على الملأ لمعالجة آثار الحريق، كي تستعيد الكاتدرائية ألَقها من جديد، بما لفت انتباه الجمهور إلى حالة تكديس الثروات الخاصَّة في البلاد والاستئثار بالحصَّة الأوفر من الرفاه. ويبدو أنّ هذه التفاوتات الجسيمة مرشَّحة لتأجيج مشاعر الغبن الطبقي.

لم ينقطع الجدل "الطبقي" عن أوروبا والغرب رغم انكفاء التيّارات الاشتراكية التقليدية فقد تجدّدت الحالة مع اليسار الاجتماعي الجديد وحركات مناهضة العولمة الاقتصادية.

حسام شاكر

يأتي هذا بعد أن توارَت المسألة الطبقية عن الأنظار في أوروبا قياساً باستقطابات مشهودة في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تشكّلت على أساسها أحزاب جماهيرية. وجرت في العقود الأخيرة إزاحات نسبية في الجدل المجتمعي، صار معها المهاجرون أو "الأجانب" واللاجئون في مركز "البروليتاريا" الجديدة الهشَّة حيث يتجلّى فيهم بعض سماتها التقليدية، بكل ما يعود عليهم ذلك من أعباء ومضاعفات وإقصاء وضعف في قدرات الحضور المجتمعي والمشاركة السياسية.

وراهنت الشعبوية القومية التي اكتسحت المشهد السياسي عبر القارّة على بثّ الأحقاد وشقّ صفوف المجتمعات على أساس إثني لا طبقيّ، وإن عبّر بعض الأحزاب والأصوات الجديدة من أقصى اليمين عن ميول ليبرالية طاغية ضمناً، وكسبت رغم ذلك أصواتَ الطبقة العمالية المتذمِّرة من أداء الأحزاب التقليدية.

لم ينقطع الجدل "الطبقي" عن أوروبا والغرب رغم انكفاء التيّارات الاشتراكية التقليدية، فقد تجدّدت الحالة مع اليسار الاجتماعي الجديد وحركات مناهضة العولمة الاقتصادية التي انتظمت في "المنتدى الاجتماعي الأوروبي" ونظيره "العالمي"، في العقد الأول من القرن الحالي، وكانت فرنسا ذاتها حاضرة بقوّة في هذا المشهد.جاء ذلك بعد اكتشاف التفاوتات الاقتصادية العابرة للحدود، بموجب حظوة الشركات متعددة الجنسية بعد حقبة ريغان-تاتشر في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات.

وما إن تزاحمت الخيام في نيويورك في خريف 2011 حتى تحوَّلت حركة "احتلُّوا" أو "Occupy" إلى ظاهرة عالمية في مدن عدّة تنادي بالعدالة الاقتصادية و "الديمقراطية الحقيقية". قال المعتصمون وقتها إنّ 99 في المئة من شعوب الديمقراطيات الغربية محجوبون عن الحكم والثروة التي تستفرد بهما أقلية ضئيلة لا تتجاوز واحداً في المئة فقط، حسب السردية.

ترى حركات اجتماعية أنّ 99 في المئة من شعوب الديمقراطيات الغربية محجوبون عن الحكم والثروة التي تستفرد بهما أقلية ضئيلة لا تتجاوز واحداً في المئة فقط.

حسام شاكر

أعاد حريق نوتردام التذكير بالفجوة الواسعة ذاتها، لأنّ واحداً في المئة فقط أو أقلّ، من الشعب الفرنسي، بوسعه إظهار منسوب أعلى من عموم الشعب في السخاء المالي لاستعادة الرمز الوطني التاريخي المتمثل في كاتدرائية محترقة جزئياً. لاحَ سؤال شائك في وعي الجمهور: مَن بوسعه من عموم الفرنسيين أن يمنح كل هذه الأموال الطائلة بلا تردُّد سوى طبقة محظيَّة تكتنز الأموال تحت شعارات الجمهورية: "حرية، إخاء، مساواة"؟

رغم الفوارق الظاهرة في طريقة التظاهر، يبدو أنّ روح خطاب حركة "احتلُّوا" يتسلّل بعد الحريق إلى مشهد السترات الصفر الفرنسية التي أراد مرتدوها القول: "نحن أولئك الـ99في المئة المغبونون".

لهذا البريق العددي ما يعزِّزه في الواقع، على الأقلّ مع كتاب بريطاني جديد وقف مؤلِّفه غاي شروبسول على حقيقة مذهلة لها ما يشبهها في بلدان أوروبية أخرى. يتيح كتاب "مَن يملك إنجلترا؟" (مايو/أيار2019) إطلالة استثنائية على واقع توزيع الثروة استناداً إلى جهد توثيقي غير مسبوق تقريباً؛ يُظهِر أنّ واحداً في المئة فقط من سكّان إنجلترا يملكون نصف أراضيها، كما يكشف عن ذلك استعراض مبكِّر للكتاب نشرته "نيويورك تايمز" (19أبريل/نيسان2019).

إنْ جاءت هذه المعطيات الحَرِجة من المملكة المتحدة، التي تضمّ في مركزها نخبة ملكية تملك عقارات واسعة، فإنّ الجماهير الفرنسية لا تحتمل وطأة كهذه إن طفت مؤشِّراتها على السطح في فضاء الجمهورية.

يلحظ الغاضبون في الشوارع أنّ أكثر من مليار يورو تدفّقت بلمحة بصر على نوتردام من أجل إعادة ترميمها دون أن يلتفت أصحابها إلى شكاوى الفرنسيين المتواصلة على مدار شهور من ضيق الحال ووطأة الضرائب على كواهلهم المُثقَلة بالأعباء، بما جسّد صدعاً طبقيّاً إزاء أقلية تملك الثروات.

يرى المتظاهرون أنّ الجماهير الكادحة لم تحظَ بشيء من "التضامن" الذي تم إظهاره مع نوتردام بعد الحريق، وأنّ واقع تكديس الثروة لدى الفئات الغنية يبرهن على انتفاء المساواة وينزع المصداقية عن سياسة ماكرون الضريبية.

سلوك الطبقة الثرية الفرنسية من الشركات والأفراد بات موضوعاً تحت الملاحظة الجماهيرية بعد أن أفصحت عن ذاتها بوضوح خلال محنة نوتردام.

حسام شاكر

خارت التوقعات بتعليق مظاهرات السترات الصفر بعد حريق نوتردام، وبدا ملحوظاً أنها جاءت يوم السبت التالي للحريق مباشرة (29أبريل/نيسان) أكثر غضباً وعنفاً من ذي قبل، وكان يكفي إضرام النار على قارعة الطريق ليشير إلى أنّ أولويات الغاضبين تختلف عن المنشغلين بإظهار السخاء بعد مشهد كاتدرائية احترقت جزئيّاً وتهاوى برجها الملتهب.

من المرجَّح أن سلوك الطبقة الثرية الفرنسية، من الشركات والأفراد، بات موضوعاً تحت الملاحظة الجماهيرية بعد أن أفصحت عن ذاتها بوضوح خلال محنة نوتردام. ولهذه الإشكالية وجه آخر يتعلّق باتِّهام موجَّه إلى هذه الفئات بالشُّحِّ في الإنفاق على ترميم المعالم الثفافية والدينية التاريخية المتداعية في عموم البلاد، ومنها عشرات الكاتدرائيات التي ينبغي إنقاذها ولا تجد ما يكفيها من موارد عامَّة وخاصَّة.

يجوز الافتراض أنّ لحظة التداعي لإنقاذ نوتردام لم تكُن هَبَّة كرم تلقائية ورغبة في الرياء الاجتماعي وحسب، فهي استدراك متأخِّر أيضاً بدافع من وخز الضمير، الذي تقاعس أصحابه طويلاً عن القيام بمسؤولياتهم الاجتماعية حتى نحو المعالم التاريخية الأبرز في البلاد.قد يتم استعادة كاتدرائية ببعض المال والصبر، لكنّ ذلك لا يطفئ غضباً طبقيّاً يواصل التعبير عن ذاته في الشارع الملتهب شهراً تلو شهر بما يتجاوز الرقعة الفرنسية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي