أكثر ما يلفت الانتباه في موضوع الانسحاب العسكري الإماراتي من اليمن، أن التأكيدات الرسمية جاءت من مدينة دبي، الإمارة الأكثر تذمُّراً وحساسية وتأثُّراً بتداعيات المشاركة العسكرية للإمارات في حرب اليمن.

لقد أكّد مسؤول إماراتي لم يكشف عن اسمه الأنباء التي سبق لأبو ظبي أن سرَّبتها عبر وسائل إعلام عالمية بشأن انسحاب وصفه هذا المسؤول في التصريحات التي نقلتها وكالة رويترز بأنه "إعادة انتشار".

واللافت في ما أكده هذا المسؤول أن الانسحاب كان مخطَّطاً له منذ أكثر من عام، وأنه تم بالتنسيق مع السعودية، لكن توضيحات هذا المسؤول تشير في مضمونها إلى عدم وجود توافق مبدئي بين الرياض وأبو ظبي حول خطوة الانسحاب هذه، عندما أكّد أن النقاش بشأن ما أسماه إعادة انتشار قوات بلاده في اليمن "استمر لما يزيد على عام، وأن هذا النقاش تزايد بعد توقيع اتفاق ستوكهولم في ديسمبر" من العام المنصرم.

لقد وجّه وليّ عهد أبو ظبي ضربة قاسية إلى تحالفه الذي كان يبدو وثيقاً مع الرياض فليس من الاعتيادي أن تتزامن خطوة الانسحاب الإماراتية من المعركة المفصلية للسعودية في اليمن.

ياسين النعيمي

يأتي الانسحاب الإماراتي معبِّراً بشكل دقيق عن الأخلاق السياسية السائدة في أبو ظبي، حيث لا تحتمل طموحات وليّ عهد أبو ظبي المتحكم الرئيس في القرار في دولة الإمارات محمد بن زايد، أن يكون ملحقاً بهزيمة سعودية تتجلى ملامحها بوضوح في الساحة اليمنية، بعد أن ساهم بأسلوب إدارته المنفردة للحرب في معظم الأجزاء الجنوبية للبلاد في تكريس خيار هزيمة القوة السعودية التي لطالما رآها عقبة في طريق هيمنته الإقليمية.

لقد وجّه وليّ عهد أبو ظبي ضربة قاسية إلى تحالفه الذي كان يبدو وثيقاً مع الرياض، فليس من الاعتيادي أن تتزامن خطوة الانسحاب الإماراتية من المعركة المفصلية للسعودية في اليمن، في الوقت الذي تتصاعد فيه هجمات الحوثيين المرتبطين بإيران، على المطارات السعودية وعلى منشآت حيوية واستراتيجية أخرى في جنوب المملكة، بصورة تكاد تكون روتينية، وعلى نحو تضعضعت معه سمعة المملكة وهيبتها، وهو ما يريده بالتحديد محمد بن زايد على أرجح التقديرات.

ومن المهم هنا أن أشير إلى أن التدخُّل العسكري الإماراتي في اليمن هو موضوع ارتبط منذ البدء بالموقف المتشدد الذي أظهره وليّ عهد أبو ظبي ضدّ ثورات الربيع العربي.

فاندفع مسخّراً كل إمكانيات بلاده لوأد هذه الثورات، وقد أغرته النجاحات الأولية في كسر عنفوان الربيع العربي على خوض معركة إعادة تثبيت الدكتاتوريات المخلوعة، وتخليق دكتاتوريات جديدة على نحو ما حدث في مصر ويراد له أن يحدث في ليبيا وأن يحدث ما هو أسوأ منه في اليمن.

ما يمكن اعتباره نجاحاً للثورة المضادة الممولة من أبو ظبي والرياض، حقّق لوليّ عهد أبو ظبي جزءاً من طموحاته إلى لعب دور إقليمي يتفق مع ما يعتقد أنه إمكانيات اقتصادية وعسكرية متوافرة لبلاده، ونفوذ راسخ داخل دوائر صنع القرار في الغرب، فيما انشغل وليّ العهد السعودي بتثبيت سلطته داخل عائلة ملكية تُعَدّ بالآلاف من الرجال الطامحين إلى السلطة.

وتأسيساً على أولويات إماراتية خالصة التحقت أبو ظبي بالتحالف العربي الذي شكلته السعودية، وتآكل ولم يبقَ منه سوى السعودية والإمارات وعدد قليل من الدول التي يرتبط وجودها ضمن هذا التحالف باعتبارات التضامن التكتيكي المرحلي مع الرياض، وبطبيعة التحالفات التي تمليها واشنطن على الجميع، وتدور في معظمها حول ترتيبات صفقة القرن.

أشرفت القوات الإماراتية في جنوب البلاد منذ صيف 2015 على معركتين مفصليتين لتحرير مدينة عدن، ولتحرير قاعدة العند العسكرية الجوية بمحافظة لحج، بالإضافة إلى معارك خاطفة في كل من محافظتَي لحج وأبين المجاورتين لعدن.

وأبقت على تفردها في إدارة معركة الساحل الغربي بشمال البلاد التي انطلقت أوائل عام 2017، وتعمدت تعطيل الدور السعودي في هذه المعركة، وأدارتها بتنسيق مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح عندما كان جزء من تحالف الانقلاب لا يزال في صنعاء.

وكان الهدف الأساسي لهذا التنسيق هو استمالة القوات الموالية لصالح في الساحل الغربي بما يسمح بالحسم وإعادة تموضعها ضمن مشروع الإمارات لتفكيك اليمن، وقد رأينا ذلك بوضوح في الألوية العسكرية التي تشكلت في الساحل الغربي، خارج سيطرة السلطة الشرعية، بدعم كامل من الإمارات تحت اسم "حراس الجمهورية".

حتى هذه اللحظة وطبقاً لمعلومات بعضها من مصادر رسمية، يبدو أن الإمارات تُخلِي مواقعها لصالح القوات السعودية في مناطق ذات حساسية بالغة في الجزء الشمالي من البلاد، في حين لا تتوافر معلومات عن انسحاب ذي قيمة من المواقع التي فيها وحدات من هذه القوات، خصوصاً قاعدة التحالف بعدن وفي مطار المكلا وفي ميناء بلحاف، لتسييل وتصدير الغاز الطبيعي المسال في محافظة شبوة على ساحل خليج عدن.

منذ منتصف العام الماضي وقفت الإمارات عملياتها العسكرية على مشارف وسط مدينة الحديدة، لتنتهي المواجهات في تلك المدينة الحيوية الواقعة غربيّ البلاد إلى حالة من التعطيل الكامل للحياة على وقع اتفاق ستوكهولم الذي لم يُنَفَّذ حتى اللحظة ولم ينجح في وقف المواجهات المتقطعة التي تعزِّز الوضع الخطر للمدينة وتُبقي معظم سُكَّانها لاجئين في مدن شتى.

منطق الثأر من كل اليمنيين هو ما يحكم سلوك الإمارات في اللحظة الراهنة بعد إخفاق غير متوقع لمشروع الهيمنة على الجنوب.

ياسين التميمي

لقد مضت أبو ظبي في طريقها نحو خلق وقائع جديدة على الساحة اليمنية، عبر تبنِّيها خيار الانفصال، واستمرارها في الدعم المكشوف لهذا الخيار وخلق أكثر أدواته سوءاً على الأرض ممثلةً في المجلس الانتقالي الجنوبي والأحزمة الأمنية والنخب العسكرية والألوية المختلفة التي وُضعت تحت تصرُّف هذا المجلس الذي يخضع بالكامل للأجندة والإملاءات الإماراتية.

منطق الثأر من كل اليمنيين هو ما يحكم سلوك الإمارات في اللحظة الراهنة بعد إخفاق غير متوقع لمشروع الهيمنة على الجنوب، والاستئثار بأرخبيل سقطرى الواقع على المحيط الهندي.

ففيما كانت تضع اللمسات الأخيرة لمحو أي أثر لنفوذ الشرعية في أرخبيل سقطرى، صُدمت أبو ظبي بتنامي نزعة الرفض داخل المحافظات الجنوبية للممارسات الإماراتية، لتظهر بتلك الصورة الواضحة في مسيرة الثلاثين من يونيو بمدينة حديبو عاصمة محافظة أرخبيل سقطرى، الذي تصرفت حياله باعتباره مقاطعة ملحقة بأبو ظبي.

لذا يجب أن لا ننشغل بنبأ انسحاب القوات الإماراتية، ونذهب بعيداً في تقدير أثره على سلام متوقع في المدى المنظور، فما أراه هو أن الإمارات تعيد تموضعها بعيداً عن المعركة السعودية، لتبقى أكثر اتصالاً بمخططها الهادف إلى تفكيك الدولة اليمنية، بما يتسق مع مخططها الذي بدأته منذ خمسة أعوام، وكان من أبرز ملامحه إضعاف السلطة الشرعية، وإفشال جهود الاستقرار والتطبيع في المحافظات الجنوبية، وتكريس خطوط الصدع الجهوي الجنوبي، وصولاً إلى نَيل ما لم تستطع نيله ولن تستطيع، وأعني به احتلال أرخبيل سقطرى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي