عاشت منظمة الأمم المتحدة طيلة الأيام الأخيرة حالة من الاستنفار الدبلوماسي غير المسبوق، إلا في قرارات الحروب، وهي تستعد للتصويت على مشروع القرار الذي تم تأجيله عدة مرات على إدانة حركة حماس، بزعم استهدافها للمدنيين الإسرائيليين عبر صواريخها وقذائفها.

الجمعية العامة للأمم المتحدة تُسقط قراراً يُدين حركة حماس
الجمعية العامة للأمم المتحدة تُسقط قراراً يُدين حركة حماس (AA)

بعيداً عن الدخول في تفاصيل مشروع القرار، والحراك الدبلوماسي الكبير الذي قامت به السلطة الفلسطينية والمجموعة العربية وأصدقاء فلسطين حول العالم، فإن السطور التالية سوف تنشغل في جملة من الدلالات التي يصعب القفز عنها، في واحدة من المرات القليلة التي تكون فيها حماس على طاولة الدبلوماسيين الأرفع على مستوى العالم.

1- تصهيُّن الإدارة الأميركية

رغم التبني الأميركي للكثير من المواقف الإسرائيلية، لاسيما في المجال الأمني، لكن لعلها المرة الأولى التي تقف فيها إدارة أمريكية على يمين اليمين الإسرائيلي الحاكم، مع العلم أننا نقف اليوم أمام أعتى حكومة يمينية في تاريخ إسرائيل منذ تأسيسها قبل سبعين عاماً.

ومع ذلك فقد فوجئت إسرائيل في محطات كثيرة خلال العامين الماضيين، هما عمر الإدارة الترامبية الحالية، بالمواقف والقرارات والخطوات التاريخية التي أعلنتهاواشنطن،بدءاً بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، مروراً بنقل سفارتها إلى المدينة المقدسة، وصولاً إلى الانسحاب من الاتفاق النووي، وانتهاءً بطرح مشروع قرار لإدانة حماس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي سابقة تاريخية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

وإذا كان مشروع القرار الأميركي يستهدف "حماس" بالاسم، إلا أنه يهدف إلى إدانة الكفاح الوطني الفلسطيني عموماً، وتصنيف المنظمات الفلسطينية، واحدةً تلو الأخرى، ضمن قائمة الإرهاب العالمي، وهو هدف إسرائيلي بعيد المدى، لم يُكتب له أن يتحقق.

اليوم بعد هذا الإخفاق الأميركي الذريع، ليس من ضمانات بألا تعود واشنطن مجدداً، بتحريض إسرائيلي، إلى طرح مشروع القرار في مرحلة قادمة، من خلال الحصول على مزيد من الأصوات التي بدت مترددة في عدم التصويت لصالح المشروعأو ضده، وهو ما يمنحها الحصول على ثلثَي أصوات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بكثير من الأريحية.

2- علاقات حماس الدولية

قطعت حماس خلال عقودها الثلاثة أشواطاً طويلة في طريق إقامة جملة من العلاقات الدولية والاتصالات الإقليمية، بصورة مكّنتها من إحداث اختراق الحصار الإسرائيلي الأميركي المفروض عليها، وجعلتها تلتقي بعدد من كبار الدبلوماسيين على مستوى العالم، أو يتم استضافتها في عدد من كبرى عواصم صنع القرار، مما جعل الكثير من تلك الدوائر السياسية والدبلوماسية ترى أنه من الصعوبة بمكان إيجاد حل سياسي للقضية الفلسطينية لا تكون حماس جزءاً أساسياً منه.

حتى مرحلة ما قبل التصويت على مشروع القرار الأميركي، كانت حماس تشعر بحالة من الأريحية اللافتة في عجز واشنطن عن تحصيل أغلبية 50+1 من أصوات الدول الأعضاء، فكيف والوضع التصويتي قد تغير بضرورة تحصيلها ثلثَي الأصوات؟ حينها بدت المهمة الأميركية أقرب إلى المستحيل، هكذا تصورت حماس، فما الذي حصل؟

إن إلقاء نظرة فاحصة متأملة على الدول التي صوتت إلى جانب مشروع القرار الأميركي، أو تلك التي امتنعت عن التصويت، وكان بالإمكان أن تصطف إلى جانب واشنطن ضد حماس، كفيلةٌ بأن تُشكل صدمة مريعة لقادة حماس، لا سيما أولئك العاملون في ملف العلاقات الدولية والاتصالات السياسية.

كاتب السطور يعلم أن حماس تُجري، حتى في لحظة خروج هذه السطور إلى النشر، اتصالات رسمية وشبه رسمية بالعديد من الدول التي صوتت ضدها في الأمم المتحدة، لا سيما من دول القارة الأوروبية، وهي اتصالات تأخذ الطابع العلني وغير السري، وهو ما يؤلب عليها في الكثير من الأحيان واشنطن وإسرائيل، فما الذي حصل بالضبط؟ ولماذا انحازت هذه الدول فجأة إلى مشروع القرار الأميركي الذي يتعارض مع اتصالاتها بحماس، وعلاقاتها معها؟

حماس مدعوة إلى إجراء فحص دقيق للنص الذي وزعته البعثة الأميركية في الأمم المتحدة، ومعرفة الثغرات التي استطاعت من خلالها استقطاب تلك الدول الأوروبية بجانبها، وجعلها أمام خيار واحد لا ثاني له، من وجهة النظر الأوروبية، في ضوء تشابك علاقاتها مع الولايات المتحدة، وعدم رغبتها بالدخول في صدام معها من أجل حماس والفلسطينيين.

أكثر من ذلك، فإن هذا التصويت، على ما حمله من بشرى سارة لحماس، ينبغي أن يُشعل الأضواء الحمراء في قاعاتها ومكاتبها، باعتبار نتائجه النهائية تشكل جرس إنذار حقيقي، لا سيما وأن الحركة تبذل جهوداً حثيثة لدى القارة الأوروبية لشطب اسمها من قائمة المنظمات الإرهابية، الأمر الذي يجعل مما شهدته الأمم المتحدة في الساعات الأخيرة عقبة كأداء في تجنيد عدد من الدول الأوروبية الصديقة لصالح تلك المهمة.

3- العمق العربي والتشابكات الإقليمية

الناظر إلى الخطابات التي ألقاها المندوبون العرب والإقليميون في الأمم المتحدة قبيل التصويت على مشروع القرار الأميركي، يكشف عن بقاء القضية الفلسطينية القاسم المشترك بين جميع المختلفين: السعودية وإيران، مصر وقطر، سوريا وتركيا، فقد تحدث جميعها بلسان واحد ضد مشروع القرار، وقبل ذلك وبعده يبرزتجنُّد السلطة الفلسطينية الواضح في عرقلة مشروع القرار، وهو جهد قد يُبنى عليه في طي صفحة الانقسام الفلسطيني، إن صلحت النوايا!

صحيح أن المفردات التي استُخدمت في خطاباتهم متباينة؛ فهناك من أدان إطلاق صواريخ حماس باعتبارها تستهدف المدنيين الإسرائيليين، وهناك من قال في حماس موشحاً من المديح، لكنهما التقيا عند نقطة واحدة تتمثل في إدانة الاحتلال الإسرائيلي، وإعطاء مصداقية للكفاح الفلسطيني، بغض النظر عن التقييم الآني لأدواته ووسائله.

لعل التوافق العربي والإسلامي والإقليمي، وإن كان في جانبه العلني يأخذ انطباعات إيجابية، يجعل حماس تُراكِم على هذا الإنجاز، وتُوسع من مستوى الانفتاح في علاقاتها الإقليمية، رغم حساسيتها، وظهورها كمن يسير في حقل ألغام. إلا أنها في المقابل تُلقي عليها عبئاً سياسياً ودبلوماسياً تجتهد الحركة في أن يكون متوازناً قدر الإمكان.

أكثر من ذلك، فربما كان أحد مفاتيح نجاح الإدارة الأميركية في الحصول على هذا العدد الكبير من الأصوات، هو تركيزها على استهداف المدنيين الإسرائيليين، حيث مثّل نقطة ضعف لحماس، ونقطة قوة لإسرائيل وواشنطن، ونقطة إحراج للأوروبيين الذين يتغنون بحقوق الإنسان، وتحييد المدنيين من أي استهدافات عسكرية، الأمر الذي قد يُشكل دعوة لحماس لمراجعة أساليبها العسكرية وأدواتها القتالية.

أدرك أن المجتمع الإسرائيلي عسكري بكليّته، ولا وجود في عمومه للمدنيين، لكن هذه لغة العالم الدبلوماسية، التي تبدو جديدة على حماس، ولعل هذا التصويت في الأمم المتحدة لإدانة الحركة جعلها تخوض غمار معترك دبلوماسي على الهواء مباشرة، وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع.

أخيراً، نجت حماس بأعجوبة من مشروع قرار إدانتها في الأمم المتحدة، وهي مناسبة لأن تتنفس الحركة الصعداء على إثر هذا الإخفاق الأميركي، لكنها في الوقت ذاته فرصةلأن تعض الحركة على شفتيها وهي ترى دولاً وازنة كبيرة، كانت تظن أنها تقف إلى جانبها، ومناصرة لها، تمنح صوتها لهذا القرار الأميركي الإسرائيلي الجائر.

إن نتائج التصويت على مشروع قرار إدانة حماس في الأمم المتحدة، يشكل فرصة مهمة للحركة لإجراء مزيد من المراجعات في إدارة علاقاتها الدولية من جهة، وتمنح هذا الملف مزيداً من الاهتمام والرعاية، وعدم اعتباره ملفاً زائداً عن الحاجة، وإلا فقد لا تنجو من تصويت مماثل في مرة قادمة!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي