شهد قطاع غزة أواخر أغسطس/آب انفجارات انتحارية عدة، أسفرت عن مقتل وإصابة لعدد من أفراد الشرطة التابعة لحماس في وقت متزامن، ولعلها المرة الأولى التي تحصل فيها تفجيرات ذات طابع انتحاري.

تعيد هذه الأحداث إلى الأذهان أحداثاً تشهدها مدن عربية مجاورة في سيناء وبيروت ودمشق وبغداد، على الرغم من اختلاف الظروف السياسية والأمنية والدينية، ما يجعلها أحداثاً غريبة ومستغربة، بل ومستنكرة.

كشفت التحقيقات الأولية لأجهزة أمن حماس في غزة أن الانتحاريين من المجموعات التكفيرية من مناصري تنظيم الدولة، الهادفة إلى زعزعة حكم حماس، ما وضع علامات استفهام كثيرة حول مدى قدرة أمن حماس على السيطرة على غزة، ويطرح أسئلة حول الجهات المستفيدة من إحداث حالة من الفوضى الأمنية في القطاع، وكيف نجح هؤلاء التكفيريون بتحضير أحزمة ناسفة لتنفيذ عمليات انتحارية ضد مقار شرطية وأمنية.

بعد قرابة أسبوعين على حصول هذه التفجيرات، اطلع كاتب السطور على جملة من التحقيقات الأمنية الخاصة بمنفذي التفجيرات والمخططين لها، وتبين أن الخلية التي نفذت التفجيرات الأخيرة خططت لهجمات خطيرة كانت ستنفذ على مدار يومين، وقد زاد عدد المعتقلين الذين أوقفتهم أجهزة أمن حماس عن ثمانين موقوفاً، وجميعهم من سكان حي الشجاعية في غزة.

الخلية التي نفذت التفجيرات الأخيرة خططت لهجمات خطيرة كانت ستنفذ على مدار يومين وقد زاد عدد المعتقلين الذين أوقفتهم أجهزة أمن حماس عن ثمانين موقوفاً وجميعهم من سكان حي الشجاعية في غزة.

عدنان أبو عامر

كما بينت تحقيقات أجهزة حماس أن الخلية خططت لهجوم خطير سينفذ في اليوم التالي بتفجير حافلة تقل عناصر جهاز الأمن الداخلي لحماس، كانت تتوقف في منطقة عمومية شرق غزة لنقلهم لأعمالهم، وخلال التحقيقات اعترف المعتقلون بتصنيع خمسة أحزمة ناسفة، في حين اعتقل اثنان آخران من عناصر الخلية في أبراج سكنية، عُثر بحوزتهما على مواد متفجرة، وصودرت.

حتى كتابة هذا المقال، لا تزال التحقيقات متواصلة مع الخلية التي تلقت أموالاً من جهة مجهولة، وعُثر على حسابات بنكية وحوالات مالية حديثة لبعض المتورطين، وجاءت المفاجأة أن جميع أفرادها من الجهاد الإسلامي وذراعها المسلح سرايا القدس، ومنهم عناصر وقيادات لهم علاقة بإطلاق الصواريخ في اتجاه إسرائيل، وتصنيع المتفجرات، واثنان منهم مسؤولان عن مهام عسكرية هامة.

أمر لافت آخر، أن قيادة الجهاد الإسلامي أبدت تعاوناً كاملاً مع حماس وقامت بتسليم العناصر المطلوبة لديها، وأمر زياد النخالة أمين عام الجهاد بتسليم أي شخص متورط في الهجوم، وإن كان مسؤولاً كبيراً.

هذا يعني أننا أمام اختراق خطير لتنظيم الدولة وأنصاره في الوصول إلى مفاصل مهمة وأساسية في تنظيم فلسطيني، يستغل من خلاله هذا الغطاء لتنفيذ تفجيراته الدامية، في ظل حالة التوافق والتنسيق شبه الكاملة بين حماس والجهاد، وكأن المقصود اصطياد عشرة عصافير بحجر واحد.

فمن جهة يجري إحداث خرق خطير في الأمن الداخلي الفلسطيني لسكان غزة، ومن جهة ثانية يوقع بين حركتين أساسيتين في مشروع المقاومة الفلسطينية، ومن جهة ثالثة احتمالية تنفيذ عمليات أكثر خطورة بسبب ما يحوزه هؤلاء التكفيريون من إمكانيات تسليحية غاية في الفتك والقوة.

تتزامن البدايات الأولى لنشوء الفكر السلفي التكفيري في غزة مع رسوخ أقدام حماس على مشهد الإسلام السياسي الفلسطيني، على الرغم من أن عملية التحول الإسلامي بدأت منذ لحظة الانتفاضة الأولى عام 1987، لكن ما تشهده السنوات الأخيرة هو "تحول نوعي" داخل المشهد الإسلامي نحو الظاهرة السلفية.

ظهرت العديد من المجموعات السلفية الداعية لإقامة الإمارة الإسلامية بصورة تقلق حماس أمنياً، نظراً إلى استغلالها من جهات أمنية معادية، ومن أبرز التشكيلات "جيش الإسلام - كتائب التوحيد والجهاد، وجيش الأمة - أهل السنة والجماعة، وكتائب سيوف الحق - جيش القاعدة، وجند الله، والجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين، وجماعات أخرى لم يُتحقق من وجودها ميدانياً مثل جحافل التوحيد والجهاد، وجيش القدس الإسلامي، وجند الله، وقاعدة جهاد ولاية فلسطين الإسلامية، وفتح الإسلام، وعصبة الأنصار، وسيوف الحق".

عُثر على حسابات بنكية وحوالات مالية حديثة لبعض المتورطين وجاءت المفاجأة أن جميع أفرادها من الجهاد الإسلامي وذراعها المسلح سرايا القدس.

عدنان أبو عامر

ليس لدى هذه المجموعات اتصال رسمي بتنظيم الدولة، لكن بينها تماهياً فكرياً وانسجاماً أيديولوجياً، وأحياناً تواصلاً عبر شبكة الإنترنت بين أسماء مستعارة، ممن يصفون أنفسهم كوادر في تنظيم الدولة من وراء الحدود، ولا تعدو بعض هذه المجموعات المسلحة في غزة أن تكون جماعة بالاسم فقط، لا تربطها صلة بتنظيم الدولة، فيما عدا رؤيتها المعلَنة القائمة على تأسيس خلافة في فلسطين تلتزم بالشريعة الإسلامية.

يصل عدد عناصر هذه المجموعات في غزة قرابة 200، ليس لديهم تنظيم محكم، ويمكن توصيفهم بأنهم حالات متفرقة، وليسوا ظاهرة كاملة لكنها تعتبر الجزء الظاهر من "جبل الجليد السلفي"، مع توقعات باحتمالات تزايدها، بسبب الانقسامات التي تحدث في أوساطها، وتوالد المزيد على خلفية التحولات الدينية الجارية في المجتمع الفلسطيني، وإنشاء مجموعات مشابهة من أجهزة مخابرات فلسطينية وإسرائيلية وإقليمية.

ساعد في انتشار الظاهرة السلفية الجهادية في غزة عدد من الظروف أهمها السياسية، إذ أشاع أنصار تنظيم القاعدة ابتداء وتنظيم الدولة لاحقاً أن "مشاركة حماس في الانتخابات حرام وتحكيم لغير شرع الله ورضا بالديمقراطية الكافرة، وأنها دخول في البرلمانات الشركية".

قدحت هذه المجموعات في حماس واتهمتها بـ"فساد العقيدة وموالاة العلمانيين والتحاكم إلى القوانين الوضعية"، وحين كانت تبرم حماس تهدئة مؤقتة مع الاحتلال الإسرائيلي اعتبر هؤلاء ذلك "خللاً في عقيدة حماس، وتراجعاً عن ثوابتها، وفقداناً للأمل في الإصلاح والتغيير الداخلي".

شهدت فلسطين عموماً وغزة خصوصاً في السنوات الأخيرة عدداً من الحوادث الميدانية التي نفذتها مجموعات سلفية، ضد من أسمتهم "الكفرة والصليبيين" المتواجدين على أرضها، كمقدمة طبيعية لإقامة الدولة الإسلامية، وهي حوادث لاقت إدانة كبيرة ومعلنة من حماس.

ضلعت هذه المجموعات بتنفيذ بعض الأعمال المخلة بالأمن الداخلي في غزة، مثل استهداف موكبي الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر" ورئيس الوزراء البريطاني السابق "توني بلير" حين زارا غزة، وتفجير عشرات مقاهي الإنترنت بزعم نشرها الفساد والرذيلة.

يتمثل الجانب الأخطر في هذه المجموعات في "الحالات العسكرية"، في ضوء أنها تجميع لحاملي البنادق دون محيط تنظيمي يسندهم بشتى أنواع الدعم السياسي والمالي، وينجذب إليها صغار السن وبعض البسطاء رغبة في "الشهادة" أكثر منه حباً في الجهاد، ويندفع قادة هذه "الحالات" إلى جذب الإعلام إليهم فيسرعون بعمل دون خطة ولا حذر.

من الحوادث التي رأت فيها المجموعات السلفية تقريباً لـ"حلم الدولة الإسلامية" الاعتداء على المسيحيين، كتفجير مكتبة جمعية الكتاب المقدس المسيحية واستهداف المدرسة الأمريكية شمال قطاع غزة واقتحام مدرسة النور المعمدانية وتفجير مقاهي الإنترنت باعتبارها أوكاراً شيطانية.

حاولت حماس استعادة المبادرة من هذه المجموعات عبر توجهين اثنين، أولهما الأيديولوجي الفكري، إذ أرسلت حماس شيوخها إلى المساجد لـ"توعية" الشباب الذين استقطبهم السلفيون، وأعادت عدداً منهم إلى جادة الصواب، وبدأت بما سمّتها "معالجة فكرية" للسلفيين في أعقاب اعتقال أعداد منهم.

قيادة الجهاد الإسلامي أبدت تعاوناً كاملاً مع حماس وقامت بتسليم العناصر المطلوبة لديها وأمر زياد النخالة أمين عام الجهاد بتسليم أي شخص متورط بالهجوم، وإن كان مسؤولاً كبيراً.

عدنان أبو عامر

يتمثل التحدي الذي يواجه حماس بأن هذه المجموعات تنطلق من خطاب إسلامي ديني، يجد صداه وقبوله في أوساط عديدة من قواعد الحركة التنظيمية، ما دفع بها لإقامة جلسات فكرية ومحاورات فقهية ومناظرات دينية مع مروجي فكر السلفيين.

التوجه الثاني هو المعالجة الأمنية الميدانية، ففي حين أخفق المشايخ والعلماء في العلاج الأول، تحركت أجهزة أمن حماس وشنت حملات مراقبة وملاحقة واعتقال ومحاولة لاستعادة المساجد التي حاولت التنظيمات السلفية نشر أفكارها من خلالها.

مع العلم أن السنوات الماضية شهدت تفاهمات عدة غير علنية بين حماس وهذه المجموعات، لتجنيب غزة إشكالات أمنية مع أطراف داخلية وخارجية، لكن هذه التفاهمات سرعان ما انهارت، تارة من حماس وأخرى من تلك المجموعات، ربما لأن حماس تتهم التنظيم بأنه يريد توريطها في معارك جانبية مع إسرائيل ومصر، ما أوصل علاقة حماس مع تلك المجموعات إلى القطيعة والمواجهة.

تسببت التفجيرات الأخيرة في غزة بإشاعة أجواء في حماس مفادها أن هناك تخوّفات من هجمات أخرى قد تستهدف مصالحها، ما يدفع الحركة لتهيئة الفلسطينيين لإمكان توجيهها ضربات استباقية لهذه المجموعات، وتحذير الفلسطينيين من الانتماء إلى صفوفها، في ظل قناعات فلسطينية بأن جهات دولية وإقليمية تريد إيقاع حماس في إشكالات أمنية خارجية من أجل استنزافها عسكرياً، بما يحقق مصالح إسرائيلية بإشغال حماس عنها.

يعتقد بعض الفلسطينيين أن إسرائيل تحاول توريط حماس بمواجهة مسلحة مع هذه المجموعات التابعة فكرياً وأيديولوجياً لتنظيم الدولة الإسلامية، مع وجود اختراقات أمنية إقليمية وإسرائيلية لهذه المجموعات، وهو ما أكدته أوساط أمنية فلسطينية رسمية في غزة بالإشارة إلى وجود جهات مشبوهة مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي تسعى لإفساد المجتمع الفلسطيني، يجري وأدها من قبل الأجهزة الأمنية.

لاحظ كاتب السطور في الأيام الأخيرة عقب التفجيرات الانتحارية أن أجهزة الأمن في غزة بدأت انتشاراً ملحوظاً على الطرق والشوارع العامة، وأقامت الحواجز الميدانية، تحسّباً لحدوث أية عملية أو هجوم تنفّذه تلك العناصر، فيما شكلت حماس خلية طوارئ وقوة تدخّل سريع، لمنع تلك العناصر من القيام بأي عمل تخريبي.

في الوقت نفسه، هناك رأي فلسطيني وجيه يقول إنه لا داعي لتضخيم قدرات هذه المجموعات في قطاع غزة، فحماس لديها القدرات العسكرية والإمكانات اللوجستية، ما يجعلها تسيطر على أفرادها بصورة سهلة جدّاً، دون أن تغرق بمشاكل أمنية داخلية، والرأي العام الفلسطيني لا يتبنّى رواية هذه المجموعات عما تشهده المنطقة من أحداث سياسية وعسكرية.

لكن ما بدا لافتاً أن حماس اتهمت قيادات فتح والسلطة الفلسطينية وربما إسرائيل، بدعم هذه المجموعات لضرب مصالح الحركة ومراكزها في القطاع، وهو ما تجلى في الهجومين الانتحاريين الأخيرين، حين أعلنت حماس أن جهاز المخابرات العامة في السلطة الفلسطينية يقف خلفهما، انطلاقاً من تجارب سابقة.

صحيح أن حماس تعلن بين حين وآخر أن الظاهرة التكفيرية بدأت "تتلاشى" في غزة، وشهدت الفترة الأخيرة تقلصاً في أعدادهم، بعد أن اعتقل الرؤوس الكبيرة لهم والمسؤولون عن تجنيدهم، لكن التفجيرات الأخيرة تطرح علامات استفهام حول مدى وجاهة إعلان حماس، وتجعلنا أمام سيناريوهات مختلفة حول طبيعة التعامل المتوقع من حماس تجاه هذه المجموعات في ظل غطاء شعبي ودعم جماهيري لأي إجراء تتخذه ضدهم.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي