رئيس الائتلاف الوطني سالم المسلط (AFP)

خلال الأيام القليلة الماضية عقد رئيس الائتلاف الوطني عدة لقاءات مع سفراء عرب لهم دور فاعل في جامعة الدول العربية، وزار دولة خليجية مهمة، وسط أنباء عن قرب زيارة مقررة للمملكة الأردنية الهاشمية، وزيارة للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يعني أنّ المعارضة السورية بدأت العودة إلى المحيط العربي، بدعم وترتيب من الدول الحليفة.

لقاء رئيس الائتلاف الوطني السوري مع السفيرين المصري والقطري، وزيارة الإمارات العربية المتحدة، مؤشر واضح على أنّ خارطة التحالفات في المنطقة تشهد تغييراً حثيثاً يزعج روسيا وإيران، الحليفتين لرأس النظام السوري بشار الأسد، والمتصارعتين على حجم النفوذ في ما بينهما.

تلك الزيارات جاءت في ضوء توافق تركي-أمريكي على ما يبدو حول ملف الشمال والشمال الشرقي في سوريا، وهذا ما أثار قلق وغضب روسيا التي عبّرت عنه بقصف جوي على مدينة عفرين لأول مرة مذ تحريرها في مارس/آذار من عام 2018.

زاد انزعاجَ روسيا عودةُ الدعم السياسي للائتلاف الوطني وإعادة ترتيب الأوراق بين الدول الفاعلة وداخل الائتلاف الوطني لإعادة الزخم الدولي إليه، وهذا ما عبّر عنه وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو خلال لقائه رئيس الائتلاف الوطني سالم المسلط، ورئيس الحكومة المؤقتة عبد الرحمن مصطفى، ورئيس هيئة التفاوض أنس العبدة، بقوله إن أنقرة تدعم الائتلاف الوطني السوري والحكومة المؤقتة، وهما الممثلان الشرعيان للشعب السوري.

جاء الرد الروسي باستدعاء رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، الذي وجّه عدة رسائل، أُولاها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال قوله إنّ نسبة سيطرة جيش النظام السوري هي 90 بالمئة من الأراضي السورية، معتبراً أنّ المناطق التي يحتلها تنظيم PKK الإرهابي هي مناطق تتبع حكم الأسد.

الرسالة الثانية كانت موجهة إلى تركيا، ومفادها أنّ الرئيس الشرعي حتى الآن هو الأسد، ولا حلّ في سوريا إلا من خلال موسكو، وهذا ردّ واضح على تصريحات وزير الخارجية التركي حول شرعية المعارضة.

تريد موسكو القول إنّ الأسد بيدها، تجلبه وتعيده متى أرادت، وأن لا تفاهمات في سوريا بلا اتفاق مع روسيا.

تمتلك روسيا عدة أوراق ضغط على المعارضة وحلفائها، وعلى المجتمع الدولي أيضاً، كالمعابر الإنسانية وملفّ القوى المتطرفة الذي استخدمته كذريعة في قصفها على مناطق في الشمال السوري، وتمتلك المعارضة ورقة تعطيل المسار السياسي التي لوّح بها رئيس الائتلاف الوطني السوري سالم المسلط عندما لوّح في تغريدة له بالانسحاب من العملية السياسية.

إذاً فالصراع المحموم وحرب الرسائل السياسية يأتي في ظل تغيير التحالفات لدى جميع الأطراف، تحالفات عربية-عربية من جهة، وتحالفات شرق أوسطية من جهة ثانية، وتحالفات دولية من جهة ثالثة، فالشرق الأوسط يضمّ أربع قوى فاعلة، هي تركيا والعرب وإيران وإسرائيل، وعلى الرغم من سنوات الصراع العربي-العربي نرى اليوم أنّ هذا الصراع يتجه نحو الحلحلة والتقارب، بينهم من جهة، وبين تركيا والمحيط العربي من جهة ثانية، وهذا يعني أنّ القوتين الكُبرَيَين في الشرق الأوسط ستشكّلان تحالفاً متيناً يصبّ في صالح المعارضة السورية بالدرجة الأولى، وسيكون عقبة بوجه المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة بالدرجة الثانية، مما يعني أنّه خطوة باتجاه إضعاف الدور الإيراني في سوريا ونزع الأسد من يد إيران، مما يعطي رسائل طمأنة للولايات المتحدة الأمريكية لدعم هذا التحالف، واستثماره في العملية السياسية المرتقَب استئنافها خلال الفترة القريبة القادمة.

نجحت المعارضة السياسية السورية ممثلة بالائتلاف الوطني في لعب دور سياسي مهمّ خلال الشهرين الماضيين، لا سيما على صعيد تقويم العلاقات التي تعثرت مع بعض الدول العربية ذات الدور الهامّ في الملفّ السوري، ونجحت في تحريك الملفّ السوري دولياً بعد التصعيد الروسي-الإيراني الأخير على درعا، كما نجحت داخلياً في خلق بيئة مؤسساتية تكاملية بخصوص العلاقة الناظمة بين الائتلاف الوطني كمؤسسة سياسية والحكومة السورية المؤقتة كمؤسسة تنفيذية، إلا أنّ هذا النجاح يجب أن يُترجَم واقعاً حيّاً على الأرض.

إنّ أهمّ ورقة تمتلكها المعارضة السورية هي الإدارة المدنية للمناطق المحررة، إذ نجحت بنسبة كبيرة في أن تكون إدارة نموذجية استقطبت المدنيين الفارّين من جحيم طوابير النظام السوري على الأفران ومحطات الوقود والمؤسسات الاستهلاكية، ومن جحيم انعدام الخدمات وعلى رأسها الصحة والتعليم في المناطق التي يحتلّها تنظيم PKK الإرهابي شرق الفرات.

هذا النجاح يعكس قدرة المعارضة على قيادة الدولة من الناحية المدنية، ووجود خبراء تكنوقراط لقيادة مرحلة ما بعد الأسد، ويبقى الأهم أن تعكس قدرتها على إدارة العملية السياسية بعد ترتيب صفوفها داخل الائتلاف الوطني، وهيكلته بما يتناسب مع المرحلة الحالية، وبالأخص كتلة المجالس المحلية التي تُعتبر واجهة الإدارة المدنية والممثلة عنها في المؤسسة السياسية.

تلك الخطوات، تدفع بالمعارضة السورية إلى أن تكون الممثلة الشرعية الوحيدة، ليس على الصعيد الدولي، بل تُكسِبها شرعية الداخل السوري، وهذا أمر لا يقلّ أهمية عن الشرعية الدولية، ويسهم في تعزيز خارطة تحالفاتها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي