خطبة عرفة مرت برتابة كبيرة بعيداً عن الاستثنائية التي يمر بها العالم الإسلامي هذه الأيام، حيث المصائب والأزمات تعصف فيه من كل مكان حتى بات غير قادر على "ممارسة التأثير على أحد" وفق تعبير رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد.

في هذا العالم كل شيء كان استثنائياً حتى الحج نظراً لتفشي فيروس كورونا والخوف من انتقال العدوى، وربما الشيء الوحيد في هذه المناسبة المقدسة التي يعمرها عدد محدد من الحجيج هي خطبة عرفة، فقد مرت برتابة كبيرة بعيداً عن الاستثنائية التي يمر بها العالم الإسلامي هذه الأيام، حيث المصائب والأزمات تعصف فيه من كل مكان حتى بات غير قادر على "ممارسة التأثير على أحد" وفق تعبير رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد.

إن الرتابة المتكررة لخطبة عرفة هي امتداد لرتابة الخطاب الذي أنتجته الوهابية كمذهب، ورسخته سلطة آل سعود كممارسة سياسية، حتى باتت المناسك كأنها في حالة اختطاف تام لهذا الخطاب المقنن وفق المقاسات السعودية-الوهابية.

للمزيد يمكنك الاطلاع على:
كيف يقود محمد بن سلمان السعودية إلى انحدار محتوم؟

عندما تستمع إلى خطبة عرفة تشعر كأنك تستمع إلى خطبة مسجد صغير في أحد أحياء الرياض، وليس إلى خطبة للمسجد الحرام الذي هو للمسلمين كافة، ويؤمّه حجاج بيت الله من كل صوب وحدب.

ولا عجب في ذلك فالخطاب في كل المجتمعات، كما يقول فوكو، هو "إنتاج مراقب، ومنتقىً، ومنظم، ومعاد توزيعه من خلال عدد من الإجراءات التي يكون دورها هو الحد من سلطاته ومخاطره، والتحكم في حدوثه المحتمل، وإخفاء ماديته الثقيلة والرهيبة".

إن الخطاب من هذا المنطلق مرتبط بالسلطة، بل هو أحد أهم الوسائل للوصول إليها، بل إن البعض عدّ الخطاب هو السلطة ذاتها، ولذلك فمن البديهي أن يخضع لمجموعة من إجراءات المراقبة والتحكم لإنتاج البنى السلطوية المرغوب بها.

والمراقبة التي يخضع لها الخطاب متعددة؛ منها على سبيل المثال المراقبة بالصمت أو المراقبة بالضجيج. والذين شاهدوا خطبة عرفة لهذا العام، وربما في جميع الأعوام السابقة، يدرك تماماً آلية هذه المراقبة ومدى انطباقها على الخطابات التي يصدح بها الشيوخ من على منبر مسجد نمرة كل عام.

فمن ناحية الضجيج، كان هناك التأكيد الصارم على الدعاء لولاة الأمور. ولهذا العام كان التركيز على الملك سلمان وولي عهده الابن المدلل محمد بن سلمان. وهذا أمر لم يكن مستغرباً.

للمزيد يمكنك الاطلاع على:
السلطان سليمان القانوني بين التاريخ والبروباغاندا السعودية

ولم يأت الدعاء فقط في موضع واحد من الخطبة بل في عدة مواضع. وكأن موضوع الخطبة هو الدعاء لولاة الأمور، والمقصود هنا طبعاً حكام السعودية، فلم يتم التطرق بالدعاء لأي من حكام المسلمين الآخرين على سبيل المثال. أوليس من حقهم أيضاً الدعاء لهم؟!

وأمام ملايين المشاهدين من المسلمين من كافة أقطار العالم، فإن تخصيص الدعاء للملك سلمان وابنه من على منبر يخص المسلمين كافة فيه ما فيه من إهمال وإنكار لجميع المسلمين، واستهانة بهم، وفيه ما فيه من تعظيم لمكانة الملك سلمان وابنه، وهو تعظيم غير مستحق، وكأن الملك سلمان خليفة المسلمين كل المسلمين، وابنه ولي عهدهم.

إن محاولة التأكيد هنا بالدعاء على مفهوم التمثيل الواجب لخادم الحرمين الشريفين وابنه على أنه تمثيل للمسلمين كافة يصطدم بالواقع الممارس من محمد بن سلمان. في الوقت الذي يذهب به هذا الأمير لشراء يخت فاخر بمئات الملايين من الدولارات، هناك عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من المسلمين لا يجدون قوارب نجاة يعبرون بها في رحلة هجرتهم القسرية، وما مسلمو بورما إلا دليل على هذا.

إن هذا الضجيج في مدح ولاة الأمور، والتذكير بضرورة طاعتهم، وأن طاعتهم من طاعة الله ورسوله، والتحذير من الخروج عليهم، وضرورة الالتزام بالنظام الذي يفرضونه بالقوة والإكراه، يعد محاولة لإخماد الصورة التي باتت تتشكل عن هؤلاء الولاة. فالأمير محمد بن سلمان أصبح مضرب المثل في القمع، ليس على مستوى العالم العربي والإسلامي وحسب، بل على مستوى المجتمع الدولي ككل. وإن المرء ليحار من دعوة هؤلاء الشيوخ لطاعة ولاة أمور يتباهون أن في بيوتهم بارات، كما اعترف بذلك مؤخراً السفير السعودي في بريطانيا.

على الجهة المقابلة تقبع المراقبة بالصمت أو كما يسميها فوكو بـ"إجراءات المنع". فليس لنا الحق، كما يقول فوكو، في أن نقول كل شيء كالمواضيع المحرمة، والطابوهات في السياسة والدين والجنس وغيرها. كما أننا محكومون بالسياق، فليس مسموحاً لنا أن نتحدث عن كل شيء في كل الظروف، فهناك المواضيع التي لا يمكن الحديث عنها في سياق معين، وفي حال الحديث فإن عقوبة الإخفاء أو التغييب تكون بالمرصاد.

في خطبة هذا العام من موسم الحج، كما في الخطب السابقة، كان هناك تغييب حقيقي ومقصود للقضايا الكبرى التي يمر بها العالم الإسلامي وعلى رأس هذه القضايا القضية الفلسطينية. ومن العجيب أنه في الوقت الذي كان فيه الشّيخ عبد الله بن سليمان المنيع عضو هيئة كبار العلماء والمستشار في الدّيوان الملكي على منبر مسجد نمرة خطيباً في عرفات، كانت قطعان من المستوطنين الصهاينة تقتحم المسجد الأقصى، وتدنسه برفع علم إسرائيل في ساحاته.

إن أقل ما يقال بحق خطبة عرفات أنها لا تمثل عموم المسلمين بجميع همومهم، إنها تمثل وجهة نظر واحدة هي الوهابية-السعودية، التي يجري فرضها على المسلمين بقوة الخطاب المدعوم بسلطة الدين والنفط.

ليست قضية فلسطين والمسجد الأقصى التي تم إقصاؤها وحسب، فهناك قضايا حساسة تخص المسلمين كالحروب الأهلية التي تعصف بكثير من الدول العربية حتى باتت ملايين العائلات لا تجد قوت يومها، بل ترى في الانتحار سبيلاً للخلاص من هذه المعاناة.

وهناك قضايا مسلمي الأويغور الذين باتت سياسة التكديس في المخيمات التي يتعرضون لها على يد السلطات الصينية مصدر شؤم كبير عليهم، وباتت تهدد وجودهم كله، هذا فضلاً عن مسلمي الروهينغيا الذين يتعرضون لإبادة جماعية على يد البوذيين، وغيرها وغيرها من المصائب والأزمات، فالقائمة تطول.

من المفارقات أن ولاة الأمور الذين انبرى خطيب عرفات بالدعاء لهم، ودعوة المسلمين إلى طاعتهم، هم الذين قاموا بتبرير بعض الممارسات الوحشية ضد المسلمين. فهذا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في أثناء لقائه الرئيس الصيني، يبرر سياسة الصين الوحشية ضد الأويغور قائلاً: إن "الصين لها الحق في تنفيذ أعمال مكافحة الإرهاب من أجل أمنها القومي".

إن أقل ما يقال بحق خطبة عرفات أنها لا تمثل عموم المسلمين بجميع همومهم، إنها تمثل وجهة نظر واحدة هي الوهابية-السعودية، التي يجري فرضها على المسلمين بقوة الخطاب المدعوم بسلطة الدين والنفط. وإذا كان خطاب الأمة مختطفاً هكذا من قبل جهة واحدة، فلا يمكن أن نتحدث عن رفعة لهذه الأمة، خصوصاً أن هذا الخطاب محشور في زاوية واحدة إلى حد كبير، هي زاوية تمجيد الولاة، والدعاء لهم.

وهي صورة لم نلحظها على سبيل المثال في خطبة آيا صوفيا للجمعة الأولى بعد إغلاقه لمدة 86 عاماً، فقد وقف الخطيب على المنبر وأمامه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولم يذكره في كلمة، ولا تعرض له من بعيد أو قريب، هذا فضلاً عن الدعاء له، وتخصيصه بالاسم، هذا مع العلم أن جزءاً كبيراً من فضل إعادة الصلاة إلى آيا صوفيا يعود له.

لقد كانت خطبة تنضح بكثير من هموم المسلمين والدعاء لهم، وبشرى لكثير من المساجد التي ما زالت قابعة تحت الظلم وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك. إن كثيرين من المسلمين حول العالم شعروا أن هذه الخطبة بهذا الخطاب تمثلهم وإن لم يكونوا أتراكاً وإن لم تكن آيا صوفيا على أراضيهم.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي