ميناء بورتسودان على البحر الأحمر (Reuters)

تعتبر منطقة البحر الأحمر أحد الأقاليم الفرعية لإقليم الشرق الأوسط، إذ يقع الإقليم فيما يعرف بقوس عدم الاستقرار الدولي، وهو واحد من أكثر أربعة ممرات مائية ازدحاماً في العالم، والوحيد الذي يواجه سيولة أمنية.

فيما عدا إريتريا وإسرائيل فإن باقي الدول المطلة على شواطئ البحر الأحمر دول عربية: (مصر والسودان والأردن والصومال والسعودية واليمن وجيبوتى). وتبلغ نسبة مجموع سواحل هذه الدول 90% من إجمالي سواحل البحر الأحمر الذي يمتد طوله إلى ما يزيد على 2000 كيلومتر، ويصل عرضه إلى 300 كيلومتر، وتبلغ مساحة سطحه نحو 438 ألف كيلومتر مربع.

وتقدر حجم التجارة العالمية التي تمر عبر البحر الأحمر بـ700 مليار دولار سنوياً كما يقدر عدد السفن العابرة سنوياً بأكثر من 20 ألف سفينة وأكثر من مليارَي برميل من النفط سنوياً. وتنقلُ أوروبا نحو 60% من احتياجاتها للطاقة عبر هذا الممر كما تنقلُ الولايات المتحدة نحو 25% من احتياجاتها النفطية.

أغلقت القوات المصرية باب المندب أمام السفن الإسرائيلية عام 1973، وعطلت العمل في ميناء إيلات الإسرائيلي باعتبار ذلك ورقة ضغط بمفاوضات وقف إطلاق النار وفض الاشتباك بين القوات بعد الحرب، مما جعل العالم يلتفت إلى المخاطر التي تواجه الملاحة في هذا الإقليم وتسارعت القوى العالمية والإقليمية إلى إيجاد موطئ قدم لها هناك. فالآن يوجد أكثر من 19 قاعدة عسكرية تديرها 16 دولة في منطقة القرن الإفريقي.

القواعد الإسرائيلية في إريتريا

سارعت إسرائيل بعد حرب 1973 إلى بناء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر من أجل البقاء عنصراً مهماً في المنطقة ومراقبة الدول العربية بخاصة السعودية ومصر، وعدم السماح بتكرار تجربة خنقها بحرياً مرةً أُخرى، فوجدت في جزر أرخبيل "دهلك" الإريترية الثلاثة: "ديسي" و"دهوم" و"شومي" القريبة من الشواطئ العربية ضالتها، فهي تتخذ موقعاً استراتيجياً قريباً من مضيق باب المندب، ومن خطوط الملاحة الرئيسية في البحر الأحمر، إذ أقامت عليها إسرائيل أكبر قاعدة عسكري بحرية لها خارج حدودها، تحتوي على أحواض سفن ومطار بالإضافة إلى واحد من أكبر مراكز التجسس المتقدمة في القرن الإفريقي.

استطاعت إسرائيل عبر وجودها في المنطقة أن تراقب وتتعقب في منطقة الساحل الإفريقي ما تعتقده تهريب السلاح من إيران إلي حزب الله اللبناني وإلى داخل قطاع غزة، بخاصة بعد صعود الإسلاميين إلى الحكم في السودان عام 1989، وهاجمت إسرائيل بعض الأهداف في الداخل السوداني علي الحدود الشرقية أكثر من مرة، بل وفي داخل العاصمة الخرطوم في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2012 فدمرت أجزاء واسعة من مصنع اليرموك للصناعات الدفاعية جنوبي العاصمة. إذ يعتقد بأنه دمر بواسطة طائراتٍ من دون طيار انطلقت من (قاعدة دهلك) في البحر الأحمر.

تعد جيبوتي الدولة الأكثر استضافة للقواعد العسكرية ربما في العالم، فتستضيف أكثر من 9 قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها. وتعتبر فرنسا الدولة الأولى التي تقيم قاعدة عسكرية في جيبوتي منذ 1977، العام الذي استقلت فيه جيبوتي عن فرنسا في"ديسي" و"دهوم" و"شومي". فقد احتفظت فرنسا بأكبر وجود لها في إفريقيا مكونة أول قاعدة عسكرية وصلت الآن إلي 3 قواعد فرنسية، قاعدة بحرية ومطارين. وكانت هذه القواعد الداعم الرئيسي للعمليات الفرنسية في منطقة غرب إفريقيا والشرق الأوسط وعمليات فرخان لمحاربة الحركات الجهادية في غرب إفريقيا، التي علقتها فرنسا الآن.

من جانبها كثفت الولايات المتحدة الأمريكية وجودها في المنطقة بدعوى مكافحة القرصنة ومحاربة الحركات الجهادية التي بدأت في توسيع نشاطها في إفريقيا إذ جرى استهداف سفارتَي أمريكا في كل من (نيروبي في كينيا) و(دار السلام في تنزانيا) من قبل تنظيم القاعدة عام 1998، واستهدفت المدمرة كول قرب السواحل اليمنية عام 2000، بالإضافة إلى نشاط القراصنة وتهديدهم للملاحة الدولية قبالة السواحل الصومالية منذ عام 2008، ففي هذا العام وحده نفذ القراصنة 111 عملية هجوم على السفن التجارية، منها 42 عملية اختطاف ناجحة.

كل تلك التداعيات الأمنية جعلت الحاجة إلى التمركز العسكري في المنطقة ضرورة ملحة من قبل القوى الدولية، للمحافظة على مصالحها التجارية، والعمليات الإنسانية، فاتجه الاتحاد الأوروبي عام 2008 إلى إنشاء قوة بحرية لحماية العمليات الإنسانية لبرنامج الغذاء العالمي في الصومال، وكذلك لتأمين السفن التجارية.

بالإضافة إلي الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل وإيران توجد إيطاليا وألمانيا والمملكة المتحدة وإسبانيا وكوريا الجنوبية واليابان والهند والصين وتركيا وروسيا والإمارات بالإضافة إلي دول المنطقة مثل السعودية ومصر التى تمتلك قواعد بحرية.

ويعتبر الوجود العسكري الروسي والصيني مثيراً لحفيظةِ بعض الدول في هذه المنطقة، فالصين أنشأت أول قاعدة عسكرية لها عام 2008 للمشاركة في حرب محاربة القرصنة لحماية مصالحها التجارية مع إفريقيا التي تفوق 200 مليار دولار سنوياً. وخلال الفترة من 2008 حتى 2018 حشدت الصين 26 ألف جندي للمنطقة شاركوا في العديد من العمليات وذلك ما يثير قلق الولايات المتحدة.

المخاوف من التمركز العسكري الدولي في المنطقة

تتبادل المخاوف بين القوى العالمية التي تخشى سيطرة التيارات الإسلامية على المنطقة باليمن والصومال والسودان، وإقليمية ترى في الوجود العسكري تهديداً مباشراً لها ولمصالحها.

فالسودان تعرض لهجمات عسكرية متعددة في عمق أراضيه من قبل الولايات المتحدة التي قصفت عام 1998 مصنع أدوية شمال الخرطوم باعتقاده مصنع أسلحة كيميائية.

كما تعرض السودان لأكثر من ضربة من قبل إسرائيل استهدفت أشخاصاً ومنشآت حيوية، بحجة منع تزويد المقاومة الإسلامية بلبنان وغزة بالسلاح. فبادر الرئيس السوداني السابق عمر البشير في زيارة له لروسيا عام 2017 إلى إبرام اتفاق مع روسيا على إنشاء قاعدة لها على البحر الأحمر من أجل حمايته.

كذلك فإن الاتفاقية التي وقعها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته للخرطوم في ديسمبر/كانون الأول 2017 لتطوير جزيرة سواكن لمدة تصل إلى 99 عاماً تديرها تركيا، كانت من الممكن أن تمثل تمهيداً لبناء قاعدة بحرية تركية على الأراضي السودانية، ما سيمثل إضافة إلى القاعدة العسكرية التركية في الصومال.

استشعرت السعودية ومصر الخطر منذ أن تحولت المنطقة إلى مركز للقواعد العسكرية، وبدأ التفكير بكيفية إبعاد خطر التصارع الدولي قرب حدودهما والحفاظ على نفوذهما السياسي والأمني في المنطقة، بخاصة أن الدولتين تمتلكان قواعد بحرية تعملان على تطويرها.

ولكن التحدي الأكبر الذي يواجه الأمن بمنطقة البحر الأحمر هو غياب قانون دولي متفق عليه بشأن ماهية الأمن البحري، فاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 لم تقدم تعريفاً للمفهوم الإقليمي أو الحق الدولي لكنها تحدثت عن المكافحة الدولية للاتجار بالبشر والقرصنة وتهريب المخدرات، الأمر الذي اتخذته القوى العالمية ذريعة للتمركز والتدخل.

ستظل منطقة البحر الأحمر مسرحاً للصراع الدولي مع عدم الاستقرار السياسي والسيولة الأمنية لبعض الدول كالصومال واليمن، أو لضعف الحكومات وقلة مواردها كجيبوتي التي تحصل على نحو 200 مليون دولار سنوياً من تأجير أراضيها للقواعد العسكرية.

وبصرف النظر عن حجم الوجود الدولي بالبحر الأحمر فإن المسئولية تقع على منظومة الاتحاد الإفريقي التي فشلت في حماية أمنها القومي بمنطقة القرن الإفريقي، ولم تبذل جهوداً كافية لضمان إنهاء الحرب الأهلية في الصومال، ولا لإنعاش اقتصاديات الدول الفقيرة مثل إريتريا والسودان وجيبوتى، فتحولت هذه المنطقة الاستراتيجية من أهم المعابر التجارية الدولية إلي أكبر مهدد أمني، فإذا اشتعلت فستتغير الخريطة الجيوسياسية بأكملها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي