تتفاعل مؤخراً في رام الله والرياض أزمة متصاعدة بين السلطة الفلسطينية والسعودية، نتيجة تراكم جملة من العوامل، منها زيارة المدون السعودي للقدس المحتلة، والضجة الفلسطينية التي رافقته مما أثار حرب تغريدات مضادة بين الفلسطينيين والسعوديين على تويتر.

وفي ظل المحاولات الفلسطينية لمنع اشتعال الأزمة مع السعودية، وتفاقمها، فقد بحثت السلطة إرسال وفد بارز إلى الرياض؛ لكن الأخيرة لم توافق على الزيارة الفلسطينية، بسبب التظاهرات الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المناهضة للسياسة السعودية في المنطقة، فيما أكد آخر استطلاع فلسطيني للرأي أن 80% من الفلسطينيين يتهمون السعودية بالتطبيع مع إسرائيل.

لا تسير العلاقات الفلسطينية السعودية على نسق منسجم خلال الفترة الماضية، بل تعيش على وقع تطورات متناقضة، بفعل الأحداث السياسية في البلدين، فضلاً عما تشهده المنطقة بأسرها من تفاعلات ينخرط فيها الفلسطيني مع السعودي، وبينهما الإسرائيلي، على وقع عجلة التطبيع الآخذة بالتسارع بين الرياض وتل أبيب، على النحو الذي يُزعج رام الله.

الزحف نحو التطبيع

آخر هذه التطورات السلبية في العلاقات السعودية الفلسطينية تمثلت في زيارة عدد من الصحفيين العرب إلى إسرائيل، بينهم مدون سعودي يُدعى محمد سعود، لم يكتف بزيارة إسرائيل ولقاء رئيس حكومتها، وإطلاق تصريحات تقاربية معها، بل زار الحرم القدسي الشريف، حيث حظي هناك باستقبال قاسٍ من قبل المقدسيين، انتهى بطرده شر طردة، وإطلاق جملة من الأوصاف السلبية ضده وضد العائلة المالكة.

فور هذه الزيارة السعودية، غير الرسمية، إلى إسرائيل، التي اعتبرها الفلسطينيون مؤشراً جدياً على عملية التطبيع الجارية على قدم وساق، اندلعت حرب تغريدات على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، بدأها السعوديون المقربون من طاقم ولي العهد محمد بن سلمان، المعروفون بظاهرة "الذباب الإلكتروني".

حرب تغريدات

فقد اتهم نشطاء سعوديون الفلسطينيين بأنهم "باعوا أرضهم"، و"تاجروا بقضيتهم"، وتعززت هذه التغريدات المكتوبة بمقاطع فيديو ومقابلات تلفزيونية لناشطين وإعلاميين وباحثين سعوديين، يدعون إلى التطبيع مع إسرائيل، وتجاوز الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتعامل مع الإسرائيليين كشركاء، لأنّ "الفلسطينيين فعلوا ذلك".

وذهبت حسابات أخرى للقول إنّ الوقت الذي قضاه السعوديون بدعم الفلسطينيين مادياً ومعنوياً ضاع سدى، فهم الآن "ينكرون الجميل ويشتموننا"، وكررت الحسابات في التغريدات كلمات مهينة مثل "فلسطز"، مما استفز الفلسطينيين، الأمر الذي ردوا عليه بظهور مطربين فلسطينيين أكرم وشادي البوريني، يؤدّيان الزجل التقليدي بأسلوب الحوار، ويسخران من حكام السعودية، قبل أن يشتم أحدهما المملكة بعبارة لعنٍ مباشرة.

كما تداولت حسابات سعودية وسم #باعوا_الكضيه_وشتمونا، ليغرّد عبره آلاف المستخدمين، منتقدين الإساءة التي وُجّهت لبلادهم وحكّامهم، وليشتموا من خلاله الفلسطينيين وبلادهم.

لم يتوقف الأمر عند العالم الافتراضي، بل تطور السلوك السعودي إلى احتجاز الحجاج الفلسطينيين على الحدود السعودية الأردنية كرد فعل على ذلك، فيما أصدرت الرئاسة الفلسطينية بياناً أدانت فيه ما وصفتها "الأصوات النشاز" التي تشكك وتتطاول على أشقائنا العرب الداعمين للقضية الفلسطينية، ومثمّنة مواقف القيادة السعودية بدعم فلسطين والقدس.

في الوقت ذاته، ظهرت محاولات سعودية تدعو للوحدة ونبذ الفرقة، غردت على وسم #لابوك_لابو_صهينتك" و "#السعودي_والفلسطيني_واحد"، رغم أن قطاعاً واسعاً من الفلسطينيين يعتقدون أن هذه الحسابات صنيعة استخباراتية أهدافها سياسية لصنع الفجوة بين الشعبين السعودي والفلسطيني، وانجراف الرأي العام تمهيداً لصفقة القرن، وتهيئة الداخل السعودي لها.

تصاعد الأزمة

تفاعلت الأزمة أكثر، عبر استضافة قناة "العربية" السعودية لفادي السلامين، أحد الناشطين الأكثر نقداً للسلطة الفلسطينية المقيم في الولايات المتحدة، حيث تناول في مقابلته مظاهر الفساد وسوء الإدارة في السلطة الفلسطينية، مما جعل أوساطاً فلسطينية قريبة من عباس للاعتقاد بأن استضافة السلامين جاءت بتعليمات من الدائرة الضيقة المحيطة بابن سلمان.

السلطة الفلسطينية شجبت إجراء هذه المقابلة، مع من وصفته بـ"شخصية مشكوك" فيها، ومنحه منبراً لمهاجمة القيادة الفلسطينية، واتهام قناة العربية السعودية "بالتشكك في موقف القيادة الفلسطينية التي تواجه مؤامرة صفقة القرن"، وطالبتها بالاعتذار على هذا الخطأ اللاأخلاقي.

هذه المعطيات تضفي مصداقية على التقارير التي تحدثت أخيرا عن أزمة حقيقية تشهدها العلاقات الفلسطينية السعودية، رغم أنها شهدت صعوداً وهبوطاً منذ صعود نجم ولي العهد محمد بن سلمان إلى صدارة المشهد السياسي السعودي، على خلفية العلاقة الوثيقة بينه وبين طاقم إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتقارب السعودي مع إسرائيل.

خرجت أزمة العلاقات السعودية الفلسطينية إلى العلن، ونقلت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية أوائل أغسطس عن مسؤولين فلسطينيين أن ولي العهد السعودي هدد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بإزاحته عن السلطة إن لم يتعاون مع المملكة، ومارس ضغوطاً عليه للعمل مع إدارة ترمب لإنجاح صفقة القرن.

مسؤول فلسطيني آخر أخفى هويته أكد أن "ولي العهد السعودي كان وقحاً جداً مع عباس أثناء أحد لقاءاتهما، وغادرنا بانطباع أننا جالسون مع بلطجي حاول الإملاء علينا".

وأوردت أوساط فلسطينية أن ابن سلمان عرض على عباس عشرة مليارات دولار مقابل دعم خطة ترمب للسلام، لكن الأخير رفض العرض، لأنه "يعني نهاية حياته السياسية". 

السعودية وزيادة نفوذها في القدس

يبدو صعباً الحديث عن توتر العلاقات الفلسطينية السعودية في الآونة الأخيرة دون إضافة عنصر مهم ساهم في إذكائها، ويتعلق بامتعاض السلطة الفلسطينية من الجهود التي تبذلها السعودية مؤخراً في القدس، لزيادة تأثيرها عليها، عبر المال والمشاريع الاقتصادية، وتقريب بعض الشخصيات المقدسية، مما يثير غضب رام الله.

هذا السلوك السعودي في القدس، قد يدفع السلطة لدعم بقاء الإشراف الأردني على الأوقاف الإسلامية المقدسية، وعدم تسهيل إيجاد موطئ قدم سعودي في الحرم القدسي، ورغم أن رام الله وعمان معنيتان باستمرار حصولهما على الدعم المالي من الرياض، لكنهما موحدتان في عدم السماح لها بأن تحل محلهما في الحرم.

علم كاتب السطور أن السعودية طلبت من شخصيات مؤثرة في السلطة الفلسطينية وشرقي القدس أن يهيئوا الرأي العام الشعبي الفلسطيني لزيارات قريبة إلى المملكة من قيادات المدينة المقدسة، سواء كانوا رجال دين أو من الصحافة والإعلام، مسلمين ومسيحيين على حد سواء، للقاء ولي العهد محمد بن سلمان، لكن الشخصيات المقدسية رفضت الطلب السعودي.

وفيما ترتبط السلطة الفلسطينية بتعاون وثيق مع الأردن فيما يخص الإشراف على الأوقاف الإسلامية في القدس، فإن التنافس الأردني السعودي للإشراف على الأوقاف الإسلامية في القدس ليس جديداً، فقد سبق للرياض أن رفضت الاعتراف بإشراف عمان عليها، كما حصل في قمة البرلمانيين العرب التي شهدتها المغرب في ديسمبر 2017.

لم يعد سراً أن المشاعر السلبية الفلسطينية تجاه السعودية آخذة في التنامي بسبب علاقات الأخيرة القوية مع واشنطن، وتطبيعها التدريجي مع إسرائيل، ورؤيتهم في ولي العهد مقاولاً لدى ترمب لتمرير صفقته الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، لذلك من المتوقع أن يواصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس دعم بقاء إشراف الملك الأردني عبد الله الثاني على الأوقاف الإسلامية المقدسية.

محاولة السلطة لملمة الأزمة

هناك جملة مخاوف فلسطينية من تبعات توتر العلاقة مع السعودية، لعل من بينها إمكانية توقف الدعم المالي السعودي عن موازنة السلطة الفلسطينية، حيث تكرر الأمر في أزمات سابقة، لكن خطورة التجميد هذه المرة، إن حصل، أنه يتزامن مع أزمة مالية خانقة تعيشها السلطة، مما سيترك آثاره السلبية بالضرورة على الوضع المالي الفلسطيني.

يعلم الفلسطينيون أن الدعم المالي الذي تقدمه السعودية، مشروط، ولو بشكل غير مباشر، بالتزام السلطة الفلسطينية بالخط السياسي العام للمملكة، وفي اللحظة التي خرج فيها الفلسطينيون عن هذا الخط توقف الدعم السعودي، عندما أيد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات غزو العراق للكويت عام 1990، فقررت دول الخليج طرد الفلسطينيين منها، ووقف تمويلهم لمنظمة التحرير الفلسطينية.

هذا يعني أن السلطة الفلسطينية ستبقى حريصة على شعرة معاوية مع السعودية، بل وتقويتها، وعدم قطعها، فخيارات السلطة الإقليمية آخذة بالتراجع، وليس لديها مزيد من الترف في توتير علاقتها بالسعودية، كونها من الدول العربية ذات التأثير الكبير في هذه المرحلة، ولها دالة ونفوذ عند سواها من دول المنطقة.

لذلك من المتوقع أن تبادر السلطة إلى ترميم علاقاتها بالسعودية، سواء بصورة مباشرة، رغم التمنع السعودي القائم، أو من خلال طلب وساطة مصر، الأكثر قرباً للرياض، دون معرفة مدى نجاح مثل هذه الوساطة، فعباس لا يتمتع بعلاقة وثيقة مع السيسي، حيث مرت علاقتهما بفتور واضح خلال الآونة الأخيرة.

هذا لا يمنع من القول إن سير العلاقات السعودية مع الفلسطينيين والإسرائيليين بشكل متوازٍ، قد يرجح كفة أحدهما على الآخر، بصورة مفاجئة، فإن شعرت الرياض أن مصالحها لمواجهة مخاوفها الإقليمية هي مع تل أبيب، فقد تضحي بعلاقاتها مع رام الله، رغم ما سيتركه ذلك من المزيد من آثاره السلبية على علاقاتها مع الفلسطينيين، وصورتها لديهم.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي