سعت إسرائيل دوماً للسيطرة على الرواية الفلسطينية من خلال الترويج لروايتها الاحتلالية. من هنا برزت الحاجة لتعزيز الرواية الفلسطينية. فالمعركة مع الاحتلال معركة وعي كما هي معركة أرض وهوية.

أكاد أجزم أنه لم تتعرض قضية في العالم للتشويه أو التزوير كما تعرضت القضية الفلسطينية، ذلك أن التشويه بدأ مبكراً وعبر أدوات بحثية أكاديمية غربية، ومر بتخطيط سياسي وعسكري ممنهَج، وما يزال مستمراً عبر أدوات حداثية إعلامية، هذه المرة من الشرق ومن الغرب.

ولأن المعركة تقومُ في جوهرها اليوم على تعميق الوعي وأدواته، كان من الضروري طرح مبادرة تقع في مساحةٍ خارجَ الإطار المنهجي الأكاديمي التعليمي الاعتيادي أو الرسمي التقليدي الخاضع لاعتبارات متنوعة لا تخفَ على أحدٍ يتابع عن كثب الواقع العربي عموماً والفلسطيني على وجه الخصوص.

من هنا ولدت فكرة سفير فلسطين كمبادرة وطنية، من واقع الدعوة عبر عشرات السنوات لتقديم الرواية الفلسطينية لجمهور متنوع. ولقد اكتشفت مع الوقت أن هناك إشكاليات عميقة لدى الجمهور الفلسطيني الذي يعتقد أنه "يعرف" الرواية مما سمعه شفهياً من الأجداد ومن واقع الحال، لكن الحقيقة أنه "لا يعرف أنه لا يعرف".

وهذه معضلة كبيرة لأن الصورة العامة والمحاور الأساسية تمَّ تغييبها عمداً. وهذا أيضا ينطبق على الجمهور العربي الذي يتعرض لتشويه في تقديم الرواية الفلسطينية، وكذلك الجمهور الغربي الذي يتعرض رأيُهُ العام لتشويه مبرمَج. إن المشترك بينهم جميعاً أن هناك حربا عليهم على مستوى "الوعي" وأن هناك "معركة للوعي" علينا أن نخوضها.

وحين بدأت الحديث مع مجموعة من الأصدقاء والزملاء وجمعيات العمل المدني والمؤسسات البحثية والأكاديمية، لاقت الفكرة صدى طيباً، وبدأ المتطوعون الفاعلون يساعدونني لتحويلها من فكرة إلى واقع، وهنا لا مجال لشكر الأشخاص بالأسماء فهم عشرات، لكن بدون جهود العشرات من ماليزيا إلى تشيلي، ومن بروكسل إلىكيب تاون، لم يكن ممكناً أن ننطلق بقوة، وأن تتحول المبادرة إلى منصة دولية بلغاتٍ ثلاث.

وهكذا انطلقت منصة "سفير فلسطين" لتستهدف كل من يرغب باكتشاف الحاضر من زاوية التاريخ، ومَن يرغب بفهم المستقبل من خلال سبر تشابكات الحاضر، تحت أي سماء كان أو فوق أي أرض.

فالمنصة ليس لها مكان جغرافي محدد، بل هي تعيش في العالم الافتراضي، لا تهم هنا الجغرافيا والبلدان والأعراق والأديان، إنها تقوم في أصلها على إعادة رسم المفاهيم الخاصة بالقضية الفلسطينية عالمياً بطريقة تعتمد على المواد السمعية والبصرية من خلال منصة تعلمية عبر الشبكة العنكبوتية تخاطب الجمهور بثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والإسبانية،عبر مواد سمعية بصرية متطابقة باللغات الثلاث، والباب مفتوح في المستقبل لإطلاقها بلغات أخرى.

وبالتالي فإن أي شخص في هذا العالم مهتم أن يكون له دور في تقديم الرواية الفلسطينية، بغض النظر عن عمره أو جنسيته، ومستعد ليقضي ساعات قد تصل للخمسين ساعة خلال عدة أشهر بهدف الدراسة والتعلم عن بعد في الوقت الذي يناسبه، سيجد في هذه المنصة ما يفيده بطريقة مشوقة وتفاعلية جديدة.

وإن استطاع أن يستمر لنهاية الوحدات الدراسية، فإنه سيكون مؤهلاً لتقديم امتحان كتابي ثم شفهي عما درسه من معارف عن فلسطين، عبر امتحان أسميناه "توفل فلسطين"، وبالتالي يكون بشكل أوتوماتيكي مؤهلاً للتنافس على لقب صعب ومُشرِّف هو لقب "سفير فلسطين".

دائماً التاريخ يكتبه المُنتَصِر، أما الخاسر فيأخذ مكان الضحية، هكذا كانت الصورة دوماً عبر الروايات التي وصلتنا، وماحدث في فلسطين ليس استثناء لذلك، فباستعراض ماحدث نجد أن كثيرين ينطلقون في السردية الفلسطينية من نكبة عام ثمانية وأربعين، رغم أن هذا غير صحيح وغير دقيق، إذ أن انسحاب القوات البريطانية المستعمِرة "قوات الانتداب" من فلسطين، وتسليمهم البلاد لاستعمار استيطاني إحلالي من نوع جديد هو الاستعمار الصهيوني، لم يكن وليد تلك اللحظة قبل اثنين وسبعين عاماً.

بل إن هذه كانت نتيجة تخطيط فكري قديم بدأ منذ القرن السادس عشر، واتَّخَذَ أشكالاً أدبية سياسية، ومنذ القرن الثامن عشر اتَّخذَ شكلا تخطيطياً استراتيجياً، ليكشِفَ عن وجهه العسكري العنيف في مرحلة لاحقة من القرن التاسع عشر، وليستمر منذ ذلك الحين وحتى اليوم في القرن الحادي والعشرين بجمعِ كل تلك الأشكال.

فما تفعله الحركة الصهيونية العالمية طيلة العقود الماضية هو العمل على إلغاء وتشويه الرواية العربية الفلسطينية واستبدالها بالرواية الصهيونية المبنية على الأساطير والتلفيق والتشويه، ونشر هذا التزوير بلغات مختلفة لجمهور متنوع.

أمام هذه الثنائية لروايتين أحد أطرافها بنى خيوطاً عنكبوتية بطريقة هرمية في أغلب دول العالم، وجنَّد لترويج روايته مؤسساتٍ دوليةً ومكَناتٍ إعلاميةً تعمل على مدار الساعة سواء من خلال الأفلام الوثائقية والسينمائية الدرامية عبر منصات واسعة الانتشار انتقلت إلى امبراطوريات احتكارات العالم الرقمي.

أو من خلال التغلغل في المؤسسات الدولية الأكاديمية والإعلامية والبحثية، والعمل على شطب الرواية الأخرى التي يحملها الفلسطينيون والمناصرون لفلسطين دولياً، كان لابد من البحث والتمحيص بهدف تكثيف المعلومات التي تقوم عليها الرواية الفلسطينية في معركة الروايات ومعركة المرويات، خاصة في ظل تقلص الاهتمام بالقراءة والتعلم والدراسة والجلَد على البحث والتمحيص.

ومن هنا جاء هذا التكثيف بقالب جديد رقمياً يقوم على التعلم عن بعد من خلال منصة إلكترونية تقدِّمُ مجموعة من الأفلام الوثائقية المختارة بعناية شديدة، والمواد البصرية السمعية الأخرى الدرامية والأنيميشن، وكذلك بعض القراءات القصيرة المنتقاة، والتي تُشكِّل بعد الانتهاء من مشاهدتها ودراستها، لوحةً للقضية الفلسطينية مبنيةً على المعرفة التكاملية التي تسلح الشخص بما يلزم ليكون منافحاً عن فلسطين وكل الملفات المتعلقة بها بطريقة جديدة واحترافية.

ويسند تلك المعارف بالمهارات اللازمة لتقديم فلسطين، مع تشبيك قوي فاعل ومتفاعل، وقدرة على التساؤل والنقاش عبر منتدى نقاش مفتوح على مدار الساعة داخل المنصة وخارج المحيط الأزرق (منصات فيس بوك) التي تقف بالمرصاد للمحتوى عن فلسطين.

مبادرة سفير فلسطين لن تُخرِّجَ دبلوماسيين وتُصدِّرهم للعمل الرسمي الدبلوماسي، وإنما ستعمل على بناء الدبلوماسية الشعبية. ستخلق دبلوماسيين من الشعب، ستحاول المساهمة في بناء الانسان المتضامن مع فلسطين معرفياً بالدرجة الأولى سواء كان فلسطينياً أو عربياً أو ماليزيا أو أوروبياً أو من أي جنسية وخلفية كان، ومن أي عمر كان، ليكون سفيراً لهذه القضية التي شابها الكثير من التزوير عبر التاريخ، ينافح عنها ويدحض الرواية المُعاكسة لها مستنداً إلى أرضية صلبة تقوم على المعلومات الدقيقة، فخسارةُ مربعات مختلفة خلال الصراع لا تعني خسارة المواجهة الدائمة وإنما هي جولاتٌ يتقلَّبُ فيها الزمان تارةً لكَ وأخرى عليك.

سفير فلسطين دعوة مفتوحة لكل محبٍّ لفلسطين، مؤمن بأهمية الدفاع عن الرواية في معركة الوعي، مستعد أن يقدم الوقت والجهد، مهما كانت خلفيته كي ينضم إلى المنصة التي تفتح أبوابها مجاناً للمشاركين الراغبين بالتسلُّح بالمعرفة للدفاع عن فلسطين والحق الأزلي الذي لا يموت ولا يسقط بالتقادم، فلسطين تقول لكم: أنا منكم وأنتم مني.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي