مهدت إقالة الرئيس الجزائري السابق بوتفليقة الطريق أمام مجموعة من الجيش الجزائري لبدء حملة تطهير لرموز العهد القديم.

منذ اللحظة التّي تجمّعت فيها مُقدّرات القوة بيد هيئة قيادة الأركان بالجزائر بعد إقالة الرئيس السابق، بدأت حملة الاعتقالات تتوالى يوماً بعد يوم لتطال رؤوساً ثقيلةً كثيرةً من رموز أجنحة النظام السابق، بشكلٍ أدخل الشارع الجزائري في حالةٍ من الحيرة والشكّ متسائلاً عن هذا الذّي يحدث وما الذي تريده قيادات المؤسسة العسكرية بالضبط في هذه الفترة؟

يذهب هذا المقال إلى تشبيه الوضع الذي تمرّ به الجزائر بالوضع الذي كانت عليه روسيا قُبيل وصول الرئيس بوتين إلى الحكم، حتى إن الطريقة التي يتبعها أصحاب القرار الجزائريون الآن في التعامل مع الوضع الموروث عن النظام السابق تكاد تكون مماثلةً للنهج الذي اتبعه بوتين في التخلّص من تركة يلتسين الثقيلة، غير أن أصحاب القرار الجزائريين تنقصهم شخصية سياسية حاسمة كشخصية الرئيس بوتين.

بوتين وتطهير الدولة

قبل وصول بوتين إلى الحكم، كانت روسيا دولة ينخرها الفساد، يُهيمن فيها يلتسين على السلطة السياسية ويتشاركها مع أشخاص مقرّبين جدّاً (عائلته، ابنته وزوجها بالأخصّ) نظراً إلى إضعافه مؤسسسات الدولة، متيحاً بذلك الفرصة لتغوّل شبكات المافيا التي صارت تتحكّم في الدولة ومؤسساتها السياسية والاقتصادية.

شبكات تتكوّن من تجار سلاحٍ ومخدرات، مهرّبين، مافيا اقتصادية وشخصيات ليبرالية ثريّة مدعومة من الغرب لعبت دوراً وظيفياً لصالح الولايات المتحدة في تحويل روسيا نحو ليبرالية غربية شكلية والقضاء على أيّ طموح قومي لها.

لقد نشأ عن ذلك ما سُمي آنذاك باقتصاد الظلّ يتكوّن أساساً من أرباح المافيا وعمليات الاختلاس تُديره عصابات تتمسّك بشرايين الدولة، إذ ارتفعت أرباح هذه العصابات إلى ما يزيد عن 30 مليار دولار سنوياً، فضلاً عن عمليات تهريب الأموال المستمرة التي قُدّرت بحوالي 350 مليار دولار هُربت في زمن قصير.

لقد أدّى تغوّل المافيا إلى تمكّن رجال أعمال قلائل من إقامة إمبراطوريات اقتصادية ضخمة على أنقاض الاقتصاد السوفييتي المنهار، أليس الوضع شبيهاً بما حدث في جزائرِ البارحة؟

لكن، منذ أن وصل الرئيس بوتين إلى الكريملين اتّخذ لنفسه نهجاً واضح المعالم في تجاوز هذا الميراث الثقيل، فبدأ صراعه ضدّ شبكات الظلّ هذه.

رجالات الأمن إلى سدة الحكم

اعتمد بوتين في تثبيت أركان حكمه على مجموعة من رجال الدولة المنتمين إلى المؤسسات الأمنية عرفت باسم سيلوفيكي وتعني الرجال الأقوياء ذوي الخلفيات الأمنية والاستخباراتية من أمثال ميخائيل فرادكوف وسيرجي إيفانوف، وكلاهما تقلّد منصب مدير الاستخبارات ومناصب أخرى أسمى.

وقد كان لهذه المجموعة تأثير بالغ في إعادة هندسة الساحة الداخلية وتوجيه السياسة الخارجية الروسية أيضاً.

فحسب إحصاءات، وصلت أعداد ضبّاط KGB الذين حصلوا على تعيينات في مؤسسات الدولة إلى ما يزيد عن 6000 عنصر حتى عام 2003، وحسب دراسة قام بها معهد علم الاجتماع الروسي، فإن ربع شواغر السامية آنذاك كانت تنحدر من الأجهزة الأمينة، بخاصة المخابرات، وإنّ 35% من الوزراء المنتدبين الذين عُينوا خلال المرحلة الممتدة بين 2000 و 2005 ينحدرون بطريقة أو بأخرى من هذه المؤسسة، كما أنّ 25% من شواغر الجهازين التنفيذي والنيابي ينتمون إلى هياكل القوة.

في المقابل نشأت نخبةٌ أخرى مدفوعة بقاعدة من رجال الاقتصاد والقانون والأعمال الجدد عرفت باسم سيفيليكي، كانت ذات توجهات منفتحة على الغرب لكنّها تُعلي من المصالح القومية الروسية العليا، استعان بها بوتين لإحداث توازن داخلي بين التيارات مستدعياً أبرز رموزها ديميتري ميدفيديف ليكون رديفه في الكرملين.

باختصار، فإنّ ما فعله بوتين بالضبط هو تفكيك شبكة دولة عميقة عبر الآليات ذاتها التي تستخدمها الدولة العميقة، أي خلق وتفعيل شبكات ولاءات أمنية، سياسية واقتصادية متوغلة في عمق مؤسسات الدولة والمجتمع محل الشبكات التي استأصل جذورها للتوّ.

وقد كانت هذه هي الطريقة الواقعية الوحيدة لكبح سرطان الدولة العميقة، الأمر الذي مكّنه من تحقيق استقرار سياسي واقتصادي أرجع البلد إلى السكّة الصحيحة، على سبيل المثال، فقد أدّى إبعاده الملياردير خودروكوفسكي مالك شركة يوكس للنفط، إلى توسيع دائرة سيادة الدولة، فارتفعت ملكيتها لمصادر النفط من 13% إلى 55% عام 2013.

الجزائر على طريقة بوتين

إلى الآن، يبدو أن أصحاب القرار في الجزائر يستنسخون إلى حدّ ما الطريقة الروسية في التغيير، بخاصة أنه معروفٌ عن المؤسّسة العسكرية الجزائرية صِلتها التكوينية بنظيرتها الروسية ذهنيةً وعتاداً.

لقد كتبت صحيفة الأندبندنت قبيل سقوط الرئيس بوتفليقة عن صراعٍ خفيٍّ داخل النظام الجزائري المُركّب آنذاك، تحدّثت فيه عن صعود نجم ما أسمته "بالضبّاط الناقمين" داخل النظام يرفضون الوضع الذي آلت إليه البلاد تحت حكم بوتفليقة وعائلته المُحاطة بشبكة من رجال المال الفاسدين، فضلاً عن النشاط الذي كانت تقوده شبكة الجنرال توفيق مدير الاستخبارات السابق أو ما صار يُعرف بالدولة العميقة في الجزائر.

وقد كان للضغط الذي مارسه هؤلاء "الضباط الناقمون" بحافزٍ قويٍّ من الهبّة الشعبية آنذاك دوراً مؤثّراً في الدفع ببوتفليقة إلى الاستقالة، بعدها مُباشرةً تركّزت مقدّرات السلطة في يد مجموعةٍ من القيادات العسكرية التي لا يكاد يعرف الجزائريون عنها شيئاً إلا قائدها الجنرال القايد صالح.

منذ تلك اللحظة بدأت حملة الاعتقالات تطال كلّ الرموز السياسية والعسكرية والمالية التي ارتبطت إما بجناح عائلة الرئيس السابق أو بجناح المخابرات القديمة، وقد كان الوضع الثوري المبهم والفراغ السياسي الذي أعقب الحراك فرصةً مناسبةً لتجفيف منابع الشبكات القديمة على الطريقة الروسية كما أوضحنا سابقاً.

بشكلٍ موازٍ، لاحظ الجميع حملة التعيينات الجديدة بجميع مؤسسات الدولة والنواحي العسكرية والتي من المحتمل أن تمتد إلى كلّ القطاعات الحيوية والمدنية في السلطة والمجتمع، بشكلٍ يجعلنا نتسائل الآن، هل بالفعل نشهد صعوداً لرجال سيلوفيكي-جزائريين (ثمّ سيفيليكي لاحقاً) على الطريقة الروسية؟

بخاصة أن الخطاب الذي يروّجه أصحاب القرار الحاليين خطاب مُعادٍ لفرنسا التي عطلت الجزائر من الداخل برجالاتها طيلة عقودٍ بنفس الطريقة التي حاول بها الغرب تقويض روسيا من الداخل برجالته الليبراليين وشبكات الظلّ الاقتصادية.

تتشابه الجزائر وروسيا أيضاً في عاملين اثنين، أولاً، الجغرافيا الشاسعة المحاطة بسياجٍ من المخاطر والتهديدات. ثانياً، الثقافة السياسية الغالبة لدى الشعب.

يفرضُ العامل الأول على صانع القرار نفسيةً يملأها الهَوَس بالتهديد الدائم القادم من الخارج، بشكلٍ يجعله يحرص دوماً على تجميع السلطة بين يديه، لذا كان نمط النظام الرئاسي دوماً النمط المفضّل للدول ذات الجغرافيا الشاسعة.

أمّا العامل الثاني، فهو الذي دفع الشعبيْن الروسي والجزائري دوماً إلى البحث عن "الرجل المخلّص" أكثر من اهتمامهم بشكل الديمقراطية التي يأتي بها هذا "المخلّص"، فكلاهما شعبان تكوّن في الغالب لديهما عبر تراكمات التاريخ والجغرافيا والدين ثقافةٌ سياسيةٌ من هذا القبيل.

يبقى الفارق الوحيد إلى الآن بين النسخة الروسية والنسخة الجزائرية متمثّلاً في عنصر القيادة السياسية، لقد تمكّن النظام الروسي قُبيل انهيار الدولة من إخراج شخصيةٍ كاريزماتية حاسمةٍ على غرار الرئيس بوتين، فهل سيتمكّن النظام الجزائري من إخراج "نسخةٍ بوتينيةٍ" حاسمة قبل فوات الآوان؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي