حكى لي مرة أحد السجناء الإسلاميين التونسيين أيام بن علي أنه إذا قرأ صفحات من كتاب أحمد المرزوقي "تازممارت.. الزنزانة 10" يعاف قهوتَه ويعجز عن تناول الوجبة الآتية.

واستغربتُ يومها ذلك منه، وهو الذي ذاق سجنَ بن علي. لكني فهمت لاحقاً أن مروره بالسجن هو الذي كثَّف مشاعره، وصقل حواسه، وأهّله لتخيُّل معاناة السجين كاملة. فمَن لم يجرّب سجون جمهوريات الضباط فلن يفهم أبداً ما يقال عنها، لقصور الخيال واللغة عن رسم ذلك العالم.

تذكرتُ كلام السجين التونسي هذا الأسبوع وأنا أقرأ كتاباً من تلك الكتب التي يحتاج قارئها بعد طيّ الصفحة الأخيرة منها إلى نقاهة. قرأتُ كتاب "ناجٍ من المقصلة" لمؤلفه الأستاذ محمد برُّو، فهذا الكتاب تَذكارٌ آخَر بهمجية جمهوريات الضباط التي حكمت أجزاءً من العالم العربي وما زالت.

إذ يروي الأستاذ برُّو في كتابه الصادر عن دار جسور عام 2021م تجربته في سجون حافظ الأسد حين اعتُقل مُراهِقاً وبقي تتعاوره الزنازين أحد عشر عاماً. يروي برّو في الصفحات الـ383 أموراً لا يستطيع العقل البشري تصديق وقوعها من آدميين كانوا يوماً أطفالاً، وكانت لهم أمهاتٌ وأخوات وآباء.

فالقصص التي يضجّ بها الكتاب تجعل المرء يراجع ثقتَه بالإنسان، ونظرته إليه. فمهما أساء المرءُ الظنَّ بالجانب المظلم من البشر يظل هذا الكتاب تبياناً أن وراء تلك الظلمة ظلمات، وأن هذا الكائن يستطيع أن يصل إلى آماد من القبح لا تستطيع أخيلة معظمنا الوصول إليها أو تصديقها.

اعتُقل الفتى محمد برو (16 عاماً) بتهمة حيازة نسخة من مجلة النذير التابعة للإخوان المسلمين... وما تلا ذلك كان عالماً من التعذيب والتنكيل الأبدي ضجّت به صفحات الكتاب. حُشر الفتى مع آلاف من خيرة أبناء سوريا وأفضلِهم تعليماً وأخلاقاً داخل زنازين قضوا فيها سنوات يخضعون للتعذيب كل يوم (نعم، كل يوم!).

ويلاحظ قارئ الكتاب أن برّو لم ينسَ لحظة من لحظات سجنه تلك، وهذا أمر مفهوم لأنه كان طيلة تلك الفترة مُستفَزَّ الأعصاب يعيش لحظات كثيفة عصيبة محورية كلها في حياته.

كانت التجارب التي تتكشف أمام عينيه يومياً غير قابلة للنسيان لفظاعتها واستفزازها كل ذرة من ذرات الكائن البشري.

كان النسيان ترفاً بالنسبة إلى محمد برُّو، فكل ما له علاقة بالسجن محفور في ذاكرته، حتى الأصوات الخارجية التي لا علاقة لها بفعل التعذيب مباشرة. يقول عن صوت جرافة سمعها لحظة دخوله لسجن تدمر: "الآن، وبعد أربعين سنة من ذلك المشهد، يحدث أن أعبر شوارع مدينة صغيرة تجري فيها أعمال الإعمار وأسمع الصوت ذاتَه من آلة مشابهة تضغط على القرميد والطوب فيتوقف الزمن للحظة، وسرعان ما يسحبني هذا الصوت المنكر إلى تلك الساعات الأولى التي ولجنا فيها ذلك النفق المظلم الطويل: سجن تدمر!" (ص91).

كيف ينسى الإنسان أنه يُوقَظ صباحاً كل يوم ليُخرَجَ إلى باحة السجن فيجد الوحوش بأيديها العصيّ والكرابيج وتبدأ حفلة التلذذ بجَلده وجَلد رفاقه في المأساة؟ أم كيف ينسى أنه يتعرف -بعد سنوات- وسط الجلادين إلى جلّاد يحاول الاحتفاظ ببشريته؟

يقول برو واصفاً رحلته إلى المحاكمة: "كنتُ أنظر وجوهَ العناصر المرافقين المشرفين على تعذيبنا طوال الليل في الطريق من حلب إلى تدمر، ولست أنسى صاحب ذلك الوجه الحزين الذي كان ينظر إلينا بأسىً عميق ونحن نُساق إلى هذا المصير الرهيب. كان عنصراً من عناصر الوحدات الخاصة، إلا أن حزن روحه كان طافياً، لدرجة أني أتذكر أني كنت خائفاً عليه من أن يفتضح حزنه. عرفت بعد سنوات أن اسمه أحمد، وأنه اعتُقل وأُعدِمَ في السجن" (ص 94).

صناعة الجلّاد

يخصّص برو فصلاً من كتابه لـ"صناعة الجلّاد"، محاولاً فهم التدريب الذي يخضع له هؤلاء للتخلي عن إنسانيتهم.

فكيف استطاع النظام الطائفي السوري أن يصنع بشراً يستطيعون التلذُّذ بتعذيب أشباح بشرية عاجزة محشورة أبداً في الزنازن؟ لقد كان برو شاهداً على زيارات لفِرَق روسية مشرفة على تدريب الجلّادين، وعلِم لاحقاً أنهم طلبوا من السجانين تخفيف العذاب عن السجناء الذين لا يخضعون للتحقيق، لكن الوحوش المعتادة التعذيب لم تصبر إلا أياماً ثم عادت إلى سابق عهدها.

ويرصد برو في هذا الفصل حالة الجلاد هُو شابا، الذي دخل عليهم في مارس/آذار من عام 1982. كان في بداية أمره يرى العذاب فتظهر عليه أمارات الانبهار، ثم كُلّف رويداً رويداً نوبات تعذيب حتى قسا قلبه وغدا صخراً، ثم انسجم مع الوحوش المتلذذة أبداً برائحة الدم والضرب والركل والقتل. وروى برو بالتفصيل كيف قتل هُو باشا الفتى السجين أحمد بالضرب البطيء أمام عينيه (ص162).

الرحمة المحرَّمة

يروي برو أنهم فوجئوا في سجن تدمر مرة بضابط مختلف النبرة والسلوك، "فلأسابيع لم تطُلْ، كان هذا الضابط يتميز عن سواه بأنه ما إن يُنهي عدَّ الموجودين في المهجع حتى يصرخ بالجلادين: (شرطة.. كفى!)، فيخرجوا سراعاً، ليقوم بإقفال المهجع بيده. وما إن تبتعد الشرطة ليفتحوا المهجع التالي حتى يعيد سحب الباب إلى الخلف قليلاً قبل أن يغلقه ويقول بصوت خافت جداً: "بيفرجها الله يا شباب!".

ويعلّق برو على نفسية السجناء في هذا الجو المقفر إنسانياً: "ليس بالإمكان وصف الحالة التي تعترينا لمجرد أن يقول هذا الإنسان (بيفرجها الله يا شباب)! فلا توجد عبارة تُشِيع الأمل في نفس البائس أبلغ من تلك العبارة ساعتها. ولا يمكن تخيُّل الطمأنينة والحبور والسلام الذي يهطل علينا دفعة واحدة ويُغرِق تلك القلوبَ المتصحّرة التي باتت تنكر الأملَ وإنْ ورد عرضاً في المنام" (ص 124).

ولم تمض أسابيع حتى أُتي بالضابط الشاب مقيدا وطيف به على المهاجع وسط صراخ الجلادين:

- شو كان هالحقير يحكي معكم عند التفقد؟

ووسط دهشة السجناء تقدم زعيم الجلادين قائلا:

- هذا أحمد السباعي من حمص! وثقنا به وهو خائن للوطن الذي يطعمه ويسكنه ويمنح راتبا!

ثم تقدم الزبانية وأعدموا الضابط أحمد السباعي تحت الأرجل أمام السجناء حتى يعلم الجميع أن الرحمة سمة محرمة بين جدران تدمر.

تعلُّم الحياة

لا تخلو صفحة من صفحات الكتاب من قصة تكفي لينكسر برّو أو يموت كمداً، لكن الإنسان كائن متعلق بالحياة غريزةً، لذلك يتعلم الحياة مع غياب شروطها كما يقول المؤلف.

فمن يطالع الكتاب يستغرب كيف سلّم لبرو عقله وجسده، وكيف نجّاه الله من تلك الليالي المعتمة الطويلة، وذلك الضرب المبرح، وتلك الخواطر السابحة غير المزمومة بشيء. لكن الإنسان يتعلم الحياة مع غياب شروطها فعلاً، ففي تلك "الأقبية الأولى تَعلَّمنا كيف نُبصِر في أحلك الظلمات!" (ص135).

لقد حُكم على برو بالإعدام من طرف العسكري سليمان الخطيب (ت:2014) في محاكمة لم تتجاوز دقيقتين، ثم نُودِيَ لاحقاً وخُفّف الحكم (من طرف غازي كنعان، المنتحر بمكتبه عام 2005) ليصبح عشر سنوات لأن برو كان حدثاً، لكن الفتى برو بدأ البحث عن مشنقة بديلة تريحه من هذا العذاب بعد أن رفض السجان مدّ حبل المشنقة إليه.

حبل مشنقة

لقد عاش برو أياماً طويلة وهو يستخرج خيوطاً رفيعة من بطانيته المهترئة وينسج منها خيوطاً ليصنع منها حبلاً ليشنق به نفسه.

كان يعمل على فَتلها ليلاً ثم يواري منجزاته نهاراً، غير أنه طيلة عمله ذلك كانت تمرّ به لحظات يتذكر فيها كلمة كان أبوه يردّدها: "كالمستجير من الرَّمْضاء بالنار!"، فكان يرتعد خوفاً من العذاب الأخروي، فقتلُ النفْس أمرٌ محرَّم يقود إلى العذاب الأخروي، حتى نفسك التي بين جنبيك.

ثم شاء الله أنْ انتبه له أحد رفاقه الكبار في السجن، فقد لاحظ العمّ أبو خلدون ما يقوم به الفتى برو، وهكذا جلس الرجل ذو الخبرة الطويلة يقنع الفتى أن هذا الحبل قطنيّ ضعيف لن يقوم بالمهمة، وأن عليه انتظار الخروج من هذا السجن ليجدا معاً حبالاً أمتن من هذا.

إن من يقرأ كتاب برو يخرج بخلاصة طالما خرج بها فلاسفة السياسة، هي أن كل ثمن تدفعه أُمَّة من أجل التحرر من الاستبداد ثمن ضئيل، فلا خير في أمة تقبل أن تحكمها عاهات مثل العاهات المتحكمة في جمهوريات الضباط تلك، ولا مستقبل لأمة تقودها جيوش الهزائم هذه، هذه الجيوش التي جعلت النساء العربيات أغزر نساء العالمين دموعاً بسبب السجون والمعتقلات والويلات.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي